المذبحة في حلب

حجم الخط
0

من ناحية النظام السوري، حلب هي مثل تل أبيب: المركز الاقتصادي ـ الثقافي لسوريا. من يسيطر في حلب يملك عمليا القلب النابض للدولة، الذي يضخ الدم إلى باقي اعضائها. بدون حلب لا يمكن للاسد أن يسيطر بشكل فاعل على سوريا، سواء كانت كبيرة أم صغيرة.
عشية الاعلان عن وقف اطلاق النار كان الجيش السوري في ذروة هجوم على حلب. الاسد، مثل الروس لم يفكر للحظة واحدة بوقفه. وعليه لم يكن لهذا أمل منذ البداية. فالهجوم الأمريكي في دير الزور على موقع لسرية سورية لم يكن سوى ذريعة لمواصلة القتال.
سلاحا الجو الروسي والسوري يهاجمان منذ أربعة ايام بغضب جم الاحياء السكنية المكتظة في حلب، والتلفزيون الروسي باللغة العربية يعلن بفخر عن هجمات على أهداف لداعش. لقد اصبح تنظيم الدولة الإسلامية ورقة التين. الروس والسوريون يستغلون زخم ضعف قوات الثوار في حلب ويحشدون جهودا عسكرية وحشية، بكل الوسائل، بما في ذلك تدمير القوافل الإنسانية، كي يخضعوا حلب قبل أن يستيقظ العالم. وانعقد أول أمس مجلس الأمن في الأمم المتحدة للبحث في الوضع في سوريا، والساعة تدق.
بعد احتلال حلب سيكون بوسع الاسد، بدعم الروس، الوصول إلى المفاوضات مع الأمريكيين والثوار من موقع مساومة أقوى بكثير. إذ أنه في دمشق يسيطر منذ الان على معظم الاحياء، وفي حمص اخضع حي الوعر الذي يسيطر فيه الثوار، ومدينة حماة هادئة. هذه المدن الاربعة والإقليم العلوي في غربي الدولة هي ما تسمى «سوريا الفاعلة». والرئيس السوري واثق جدا بنفسه بحيث أنه اعاد للعمل، ومرة اخرى بتعاون الروس، المعهد العلمي «سيرس» لانتاج السلاح غير التقليدي والصواريخ بعيدة المدى.
إن صور الفظاعة من أيام المذبحة الاخيرة في حلب، والتي أغرقت العالم، هي ايضا الوجه الحقيقي للتراث الذي يخلفه الرئيس اوباما في الشرق الاوسط. من بدأ ولايته قبل ثماني سنوات بالتوجه المتصالح نحو العالم العربي، في خطاب القاهرة الشهير، ينهيها بصور المذبحة في ضوء اتفاق فاشل آخر من مدرسته.
في الغرب كان هناك من آمن بانه في الاتفاقات السرية في المسألة السورية والتي وقعت الاسبوع الماضي فقط بين وزيري الخارجية الأمريكي والروسي، يكمن نوع من اتفاق «سايكس ـ بيكو» لتقسيم سوريا إلى مناطق نفوذ. غير أن الشركاء من الكرملين ليسوا بالضبط الجنتلمانات من القرن السابق. فاسلوب حكم الرئيس بوتين يذكر بقدر أكبر بالايام المظلمة للاتحاد السوفييتي، حين كانت سياسة خارجية يديرها عمليا رؤساء الكي.جي.بي (المخابرات).
بوتين، الذي هو نفسه جاء من هناك، احاط نفسه بمجموعة من الاشخاص لا تستخدم أدوات العمل الدبلوماسية الدارجة في العلاقات الخارجية. اساليب عمله مأخوذة من مدرسة التضليل، الخداع، الاكاذيب والتصفيات ـ كل شيء شرعي لتحقيق الهدف. عندما وقع الروس مع الأمريكيين على اتفاق وقف النار في سوريا، لم يقصدوا الالتزام به ولم يلجموا الاسد. من الطرف الاخر، لم ينجح الأمريكيون ايضا في لجم الثوار الذين يدعمونهم.
منذ التوقيع على الاتفاق، صارت حلب أكثر فأكثر مثل ستالنغراد الخربة. وبالمناسبة، فإن احدى تجديدات الجهد الحربي السوري هو ادخال العنصر الفلسطيني إلى القتال. فالدعاية السورية تحرص على الاشارة إلى أنه في المعارك لاحتلال مخيم اللاجئين حندرات، في شمال شرق حلب، شاركت قوة فلسطينية تسمى «لواء القدس». وبالتوازي سيطر الجيش السوري على منطقة اخرى جنوب حلب، تسمى منطقة الكليات العسكرية. ربع مليون نسمة آخرون محاصرون اليوم من الجيش السوري في جيب ضخم في شرق حلب، نجح النظام في تطبيقه.
في إسرائيل يؤمنون بان القتال في سوريا سيستمر لسنة اخرى على الاقل. ولكن الانتصار السوري ـ الروسي في حلب سيعزز الخيار في أن يبقى الاسد في كرسيه، وهذه المرة ليس فقط بدعم الروس والإيرانيين بل وايضا في ظل الموافقة التركية والأمريكية. على حدود تركيا تقف قافلة ضخمة تحمل الاف الاطنان من الغذاء والعتاد الانساني لربع مليون محاصر في جيب حلب. وتقف هذه القافلة على مسافة 60كم فقط من هؤلاء الناس الجوعى، ولكنها لم تصل اليهم. فالاغذية تعفنت وفسدت منذ الان.

اليكس فيشمان
يديعوت 26/9/2016

 

المذبحة في حلب

صحف عبرية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية