المرأة أم أجندة المرأة؟

حجم الخط
1

تدور معظم الطروحات حول المشاركة السياسية للمرأة في الانتخابات البرلمانية في الأردن، كناخبة وكمرشحة، أولا، وكأنها حالة سياسية واجتماعية منفصلة عن الواقع السياسي والسياق التاريخي للأنظمة الانتخابية المتعاقبة، منذ تبني قانون الصوت الواحد عام 1993، وما ترتب على ذلك من مخرجات للعملية الانتخابية وتقييم المجتمع لدور البرلمان حتى الآن. وثانيا، معاملة جميع الأردنيات كمجموعة اجتماعية متجانسة وكأنهن يحملن موقفا موحدا من الانتخابات البرلمانية، ودور المرأة السياسي، ومطالب المرأة الأردنية التشريعية والحقوقية.
وكلتا الحالتين انعكست على مستوى الحوار وعمق التحليل حول المشاركة السياسية للمرأة في انتخابات المجلس الثامن عشر، والتي لم تخرج عن سياق نسبة المشاركة المتوقعة للمرأة كناخبة، ونسبة النساء المترشحات ضمن القوائم وعدد المقاعد المتوقع أن تحصدها النساء خارج الكوتا، هذا بالإضافة للإشارة إلى لتحديات التي واجهتها المرأة كمرشحة عند تشكيل القوائم أو خلال الحملات الانتخابية.
طبعا، أنا لست هنا في معرض إنكار الواقع الذي تواجهه المرأة فيما يخص المشاركة السياسية في الأردن بشكل خاص، والذي تعاني من بعضه المرأة في العالم العربي والعالم بشكل عام، ابتداء من تحدي إثبات الكفاءة للعمل في المجال السياسي، في الوقت الذي ينظر للرجل الذي يخوض معترك الحياة السياسية وكأنه ولد وهو يحمل هذه القدرة في حمضه النووي، مرورا بالنظرة الاجتماعية والمؤسسية المحدودة للدور الذي يمكن أن تلعبه المرأة في الفضاء العام، وخاصة السياسي منه، بالإضافة للتحديات المرتبطة بالتكلفة الاقتصادية المترتبة على الحملات الانتخابية، خاصة في ظل غياب أحزاب سياسية قوية تعمل على المستوى البرامجي لخوض الانتخابات، في حين لازالت المرأة تعاني من ضعف التمكين الاقتصادي والذي ينعكس على قدرتها على اتخاذ القرار بشكل منفرد ومستقل في هذا المجال.
وعليه، فإنه من المتوقع أن يكون السلوك الانتخابي للمرأة الأردنية خاضعا كما الرجل للمعطيات التي تعايشنا معها منذ 23 عاما من تفتيت للمجتمع الأردني للعامل المشترك الاصغر له، وتقزيم لدور البرلمان، وغياب تأثيره الحقيقي على توجهات وسياسات الدولة إلا فيما يخدم المصالح المشتركة ما بين السلطة التشريعية والتنفيذية. وفي الوقت الذي لن نتوقف كحركة نسوية، وبشكل خاص في اللجنة الوطنية الأردنية لشؤون المرأة والائتلاف الوطني لدعم المرأة في الانتخاب، عن المطالبة برفع نسبة مشاركة المرأة في جميع المجالس المنتخبة، وهناك بالمناسبة الكثير من النماذج الأكثر فاعلية وعدالة في العالم في هذا المجال وليست بالضرورة اعتماد نموذج المقاعد المخصصة كما الآن، إلا أن هذا لا يعني أن وصول نسب أكبر من النساء إلى لبرلمان سينعكس بشكل إيجابي ومباشر وفوري على حقوق المرأة، ومطالبنا بتحقيق المساواة وإزالة أشكال التمييز ضدها تشريعا وممارسة.
وبالرغم من أنه لازال هناك الكثير من المآخذ على قانون الانتخاب لعام 2016، والتي يعترف بها المدافع الأول عن القانون د. خالد كلالدة، والتي ظهرت معظمها عند البدء بتطبيقه، كما توقعت اللجنة الوطنية لشؤون المرأة، حتى قبل تشويه القانون وتبنيه من قبل المجلس السابع عشر، إلا أن نظام القوائم قد دفع بنا للتركيز على أجندة المساواة والعدالة الاجتماعية خلال حملة تعزيز مشاركة المرأة في الانتخابات، وخاصة أهمية المشاركة النوعية للمرأة كمرشحة وناخبة. ففي الوقت الذي قدمت اللجنة الوطنية وشركاءها برامج تدريبية للمرشحات المحتملات ودعم فني لحملاتهن الانتخابية، فقد عملت اللجنة على توعية المرشحات بمطالب الحركة النسوية، وتشجيعهن على أن تنحاز خياراتهن للقوائم التي تدعم أجندة العدالة الاجتماعية والمساواة، وأن يكنَّ فاعلات في صياغة برامج القوائم. وسعت رسائل اللجنة الإعلامية والإعلانية للناخبين والناخبات إلى التعريف بهذه الأجندة وما تعنيه في مجالي التشريع والرقابة. والحقيقة أن هذه الجهود لم تنحصر فقط باللجنة الوطنية الأردنية لشؤون المرأة بل رفدها بذلك جهود واسعة من قبل المجتمع المدني والمنظمات النسوية التي قامت بمجموعة من المبادرات من برامج رفع كفاءات، وحملات كسب التأييد والتوعوية ومن خلال دورها الرقابي على العملية الانتخابية. إلا انه يتحتم علينا التعامل بحذر مع الأرقام الواردة إلينا حول مشاركة المرأة كمرشحة في البرلمان، وكذلك من يصلن منهن إلى القبة، فكما أوردت بداية، لا يمكن التعامل مع النساء في الأردن وكأنهن مجموعة متجانسة اجتماعيا وسياسيا واقتصاديا، فنظرة سريعة للقوائم والمرشحات ضمنها تكشف التباين في المرجعيات السياسية والاجتماعية التي تتبناها هؤلاء المرشحات، منهن من لا زلن يقدمن أنفسهن تحت عباءة الهويات الفرعية، ومنهن ترشحن ضمن قوائم تحمل برامج سياسية تتناقض مع حقوق المرأة وحتى وان ادعت ذلك مرحليا، ومن هن للأسف قُدمن كحشوات كم قُدّم الكثير من المرشحين الرجال. طبعا هذا لا ينفي وجود الكثير من المرشحات الكفؤات والناشطات سياسيا واللواتي أثبتن على المستوى الوطني والمحلي التزاما بقضايا مجتمعاتهن وقضايا الوطن والقادرات على حمل هذه الهموم تحت القبة، إلا أن السؤال يبقى: ما هي فرص هؤلاء النساء ضمن معطيات القانون الحالي؟
هذا بالإضافة إلى التباين الكبير في واقع المرأة الأردنية واحتياجاتها ما بين المحافظات وفي المحافظات وأحيانا في نفس المدينة، حيث تبدو أحيانا أجندة المرأة وكأنها نخبوية، علما أنها بالحقيقة ليست كذلك؛ فلا يمكن فصل التمكين السياسي عن الاقتصادي والاجتماعي، والنهوض بالمرأة أينما وجدت يتطلب تضافر الجهود على جميع المستويات. ولكن هذا لا ينفي أن بناء التوافق حول أجندة العدالة الاجتماعية والمساواة للمرأة كمواطنة ما زال في مهده، وما زال الكثير من الحقوق يعتبر جدليا حتى على مستوى منظمات المجتمع المدني، والتي هي أيضا تمثل جميع الأطياف السياسية من أقصى اليمين إلى أقصى اليسار.
علينا أن نسعى جميعا في هذه المرحلة لوصول نساء ورجال يتبنون أجندة العدالة الاجتماعية والمساواة إلى البرلمان، وقادرين على تحقيق ذلك من خلال دورهم التشريعي والرقابي. وإن لم يشكلوا كتلة وازنة هذه المرة فعلى الأقل نأمل أن ترتفع أصواتهم واصواتهن بالحق عندما يتطلب الأمر، لا أن يتراجعوا أمام هجمات الشيطنة والتخوين المعتادة أمام كل محاولة للإصلاح وتحقيق العدالة على أساس المواطنة.
وأخيرا، لا يمكن أنكار حالة التخوف من نتائج هذه الانتخابات، أن هذه المرحلة قد شكلت فرصة للمجتمع المدني لتقديم نماذج للبرامج الانتخابية المطلوبة، لنتمكن من احداث نقلة حقيقية في عملية الاصلاح السياسي والاجتماعي والاقتصادي في الأردن، وقد كان لهذه المساهمات تأثير أكبر على الحوار حول هذه المطالب على مواقع التواصل الاجتماعي من حملات القوائم المرشحة، والتي نأمل أن نتمكن من البناء عليها لإحداث التغيير اللازم في المستقبل القريب.

حقوقية، الأمينة العامة للجنة الوطنية الأردنية لشئون المرأة.
 

المرأة أم أجندة المرأة؟

د. سلمى النمس

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية