المرأة السعودية في سوق العمل: ضحية نظام ولي الأمر وولاية الفصل بين الجنسين

حجم الخط
2

 

لندن ـ «القدس العربي»: لدى سؤال اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء – المؤسسة الرسمية السعودية المنوطة إصدار الفتاوى – عن حُكم الدين في عمل المرأة، أجابت: ”أمر الله سبحانه وتعالى النساء بالبقاء في بيوتهن. وتواجدهن بين الناس هو السبب الأساسي الذي يسهم في تفشي الفتنة. نعم، تسمح الشريعة للنساء بالخروج من بيوتهن لكن في حالة الضرورة، وشريطة ارتداء الحجاب وتفادي الوقوع في الشبهات. إلا أن الحُكم العام هو أن عليهن البقاء في بيوتهن». (المرجع: ”التحدث باسم الله: الشريعة والسلطة والنساء” لمؤلفه خالد أبو الفضل). خلال الأعوام الخمسة عشر التي تلت هذا الحكم، قامت المؤسسات الدينية والحكومية، بإتخاذ بعض الإجراءات فيما يتعلق بانخراط المواطنات السعوديات في سوق العمل في محاولة لتحسين ظروف المرأة وتغيير الصورة النمطية والمجتمعية التي تحد من مشاركتها في الحياة العامة. وفيما تميز أهم إنجاز في هذا المجال في عهد الملك عبد الله عندما أعلن أن المرأة السعودية سوف تكون قادرة على الترشّح والمشاركة في الانتخابات البلدية  في وقت لاحق من عام 2015، ظل أهم نظام تمييزي سارياً وهو نظام ولي الأمر الذكر الذي يلزم المرأة بحصولها على إذن ولي أمرها حتى تتمكن من العمل أو السفر أو التعليم أو الزواج أو الخضوع لإجراءات صحية. بحسب الوعود، ستتمكن المرأة السعودية من الترشح والإدلاء بصوتها في الانتخابات البلدية، لكن لن يسمح لها بقيادة السيارة إلى صناديق الإقتراع أو إلى مكان العمل، وحتى هذا الأخير يبقى، حتى يومنا هذا، في قبضة نظام وصاية الذكور والمؤسسات الحكومية والدينية التي تحدد طبيعة عمل المرأة، وتوافق عليه أو تمنعه. كما أنه يمكن لأصحاب العمل إجبار النساء على الاستقالة أو فصلهن في أي وقت إذا قرر ولي الأمر (لأي سبب من الأسباب) أنه لم يعد يريد للمرأة الخاضعة لولايته العمل خارج البيت، بحسب تقرير «هيومان رايتس ووتش».

تعهدات الحكومة

وبالرغم من تعهدات الحكومة السعودية بإلغاء نظام وصاية الذكور على النساء وزعمها أن القوانين في المملكة تكفل حقوقاً متساوية للجنسين، ما زال هذا النظام سارياً ولا تزال السلطات والمؤسسات تطالب النساء بالحصول على إذن لممارسة أبسط حقوقهن.
وفيما اتخذت الحكومة بعض الخطوات للحد من السلطة المطلقة لولي الأمر، إلا أنه لا توجد إلا أدلة قليلة على أن هذه الخطوات يتم تنفيذها. وخلال عامي 2011 و 2012 أصدرت وزارة العمل سلسلة من القرارات بالسماح للمرأة بالعمل دون موافقة ولي الأمر، في متاجر الثياب والمصانع والحدائق وفي صناعة تجهيز الأغذية. لكن هذه القرارات، تجاهلت موضوع الفصل الصارم بين الجنسين في أماكن العمل، الذي يحد من تعامل السيدات العاملات مع الرجال على الرغم من أن نظام العمل السعودي الجديد الذي دخل حيز النفاذ في عام 2006 لا يتضمن حكماً قانونياً بهذا الشأن. كما أن بعض الوظائف ما زالت غير متاحة للمرأة السعودية، ومنها الأعمال التي تتطلب مناصب القيادة.
وتقول حصة آل الشيخ الكاتبة والمحاضرة السعودية المقيمة في الرياض لـ «القدس العربي» أن أهم التحديات التي تواجهها المرأة السعودية في سوق العمل هي نظام ولاية الرجل على المرأة الذي يتسبب في التضييق عليها والحد من حريتها كما ”يقيد فرص المرأة العاملة في مجال عملها بسبب ضرورة العودة للرجل في تحركاتها”. وتقول الناشطة السعودية عزيزة يوسف، وهي من رائدات الحملة التي دعت إلى تحدي حظر قيادة السيدات للسيارات في الرياض، أن ولاية الرجل على المرأة تساهم بشكل كبير في التضييق على دخول النساء لسوق العمل واستمرارهن في الوطائف ”خاصة ان القانون يسمح لولي الأمر ان يذهب إلى مكان عمل أي سيدة ويطلب فصلها من عملها وانهاء عقدها”. وتضيف: ”بالرغم من إزالة وزارة العمل لشرط موافقة ولي الأمر على عمل المرأة إلا أن المؤسسات الكبرى لا تزال تشترط موافقة الرجل عندما تتقدم النساء للوظائف وبذلك فإن هذا الشرط أصبح غير مطلوب ولكنه غير ممنوع أيضا!”.
وكان مسؤول في وزارة العمل قد أكد لـ «هيومن رايتس ووتش» في تقرير سابق أنه من الناحية العملية حين تبلغ النساء سن العمل لا يطلب أصحاب العمل عادة إذن ولي الأمر إلا أنه أقر أن الحكومة تطلب من المُعلمات، وهي مهنة غالبية النساء السعوديات، تقديم هذا الإذن، بما أنهن سيقمن بالتدريس على مسافة بعيدة. ”لكن عادة لا نطلب الإذن بالنسبة للعاملات في الطب». وتؤكد حصة آل الشيخ الاعتراف أن الدولة، خلال السنوات الأخيرة، قامت بإصدار الكثير من القرارات لتحسين مشاركة المرأة في سوق العمل ”إلا أن المرأة ما زالت تعاني من صعوبة تطبيقها وخاصة في قطاع إدارة الأعمال وهذا ما أكدته نتائج دراسة عن رائدات الأعمال السعوديات فبالرغم من اعتماد تدابير إيجابية، مثل إلغاء الحاجة للوكيل والمدير، إلا أن تطبيق تلك التدابير ما زال ينفذ ببطء شديد».
ورغم أن هناك أكثر من 400،000 إمرأة عاملة في السعودية (كان العدد أقل من 55،000 قبل عام 2009) حسب إحصاءات وزارة العمل، إضافة إلى أن المرأة السعودية شكلت في الجامعات الحكومية حتى نهاية 2012 ما نسبته 52.9٪ من الملتحقين بالتعليم الجامعي من الذكور والإناث بحسب تقرير لوكالة وزارة التعليم العالي، فإن بطالة المرأة تعادل أربعة أضعاف بطالة الرجل، طبقاً لإحصاءات حكومية سعودية. وفي عام 2010 قدرت نسبة العاطلات عن العمل من خريجات الجامعات بنحو 80 في المئة حسب دراسة «بوز آند كومباني» وهي شركة استشارية دولية.

الفصل بين الجنسين في أماكن العمل
يساهم نظام الفصل بين النساء والرجال المطبق بصرامة في السعودية في زرع المعوقات التي تتحدى قدرة المرأة على المشاركة في الحياة العامة. ففي عام 2005 تم استخدام مسألة عدم توافر أماكن تصويت منفصلة للنساء كذريعة لاستبعادهن من أول انتخابات بلدية في البلاد. كما إن الحاجة لتأسيس أماكن منفصلة لعمل النساء هي من أهم التحديات التي تحول دون عمل المرأة. وتقول حصة آل الشيخ أن نظام الفصل بين الجنسين يلعب دورا في الحد من مشاركة المرأة في سوق العمل الذي ”مازال دون المستوى المطلوب بالرغم من أهليتها وقدرتها على ممارسة دورها في مختلف قطاعات المجتمع”. وتضيف أن ”دعم المجتمع لمساهمة المرأة في سوق العمل يحتاج إلى استراتيجيات لتغيير الصورة الذهنية للمرأة في المجتمع وادماجها في مواقع صنع القرار”. وفي هذا الصدد، تكرر قول مسؤولين كبار في السعودية لـ هيومن رايتس ووتش إن البلاد بحاجة لانتظار قبول المجتمع لفكرة حقوق المرأة قبل أن تصلح الحكومة من القوانين والسياسات الخاصة بهذا المجال.
وفي التعليم، فإن الفصل بين الجنسين يعني في معظم الأحيان أن المواطنات يتعلمن في أماكن تعليم أقل تجهيزا وتكون الفرص الأكاديمية فيها أضعف.
وعلى الرغم من أن نظام العمل السعودي الجديد لم يشترط ضرورة المطالبة بالفصل بين الجنسين في العمل، إلا أن هناك أدلة على أن بيئة العمل الحالية ما زالت تتسم بهذا الفصل إلى حد كبير. وينص القانون على أن كل العاملين السعوديين يتساوون في الحق في العمل لكن توجد مواد أخرى فيه تلغي الحكم بالمساواة دون تمييز، خاصة المادة 149 التي جاء فيها ضرورة أن تعمل المرأة في كل المجالات التي تتفق مع ”طبيعتها”. نظام العمل (الباب التاسع: تشغيل النساء). وفي أيار/مايو 2012 ألغى ديوان المظالم – المحكمة الإدارية السعودية – قرارا يطالب متاجر الملابس الداخلية النسائية بعمل السيدات فيها، بدعوى أن خدمة الزبائن من الرجال والنساء على السواء خرق لقواعد الشريعة الخاصة بالفصل بين الجنسين. رداً على ذلك، أصدرت وزارة العمل في 18 تموز/يوليو أربعة قرارات جديدة، هي جزئياً لـ «تقويم بعض الأخطاء» في تطبيق القرارات الصادرة من قبل التي نُظر إليها على أنها قد تؤدي إلى الاختلاط بين الجنسين. هذه القرارات الجديدة المنطبقة على السيدات العاملات في متاجر الملابس والملاهي وفي صناعة تحضير الأغذية وكموظفات «كاشيير» توضح بتفصيل أكبر التزامات أصحاب العمل بمنع «اختلاط» الجنسين و»تحظر عزلة الجنسين» في إشارة إلى تواجد سيدات ورجال في حجرات مغلقة. ونصت القرارات على أنه على السيدات أن تكون لهن مساحات عمل منعزلة وحجرات راحة منعزلة، وألا يختلطن بالرجال، ما لم يكن الرجال من أقاربهن. قرارات عام 2012 تعد خطوة إلى الخلف، من حيث أنها تحدد تفصيلاً وتعزز الفصل الجنسي في أماكن العمل. إلا أن هذا الانتصار للمحافظين حدثت مقابله زيادة في الوظائف التي أصبحت متاحة للسيدات، بحسب ما أفاد تقرير «هيومان رايتس ووتش» لعام 2012. وقد أوضح فقهاء سعوديون من اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء المنطق وراء هذه السياسة: في المجتمع الإسلامي تعتبر دعوة النساء للانضمام إلى الرجال في محل عملهم مسألة خطيرة، والاختلاط بالرجال من بين أخطر الأمور. فالتعامل بتساهل بين الجنسين من أهم أسباب وقوع الفاحشة، التي تفكك المجتمع وتدمر قيمه الأخلاقية والإحساس بالخصوصية. – («التحدث باسم الله: الشريعة والسلطة والنساء» لمؤلفه خالد أبو الفضل صدر سنة 2001 باللغة الإنكليزية عن دار النشر وان وورلد).

تحسن نسبي

وعلى مدار عهد الملك عبد الله، تجلى الإصلاح بشكل أساسي في تسامح ”أكبر مع توسع هامشي في الدور العام للمرأة، لكن المبادرات الملكية كانت رمزية في مجملها، وأدت إلى مكتسبات ملموسة شديدة التواضع”. وقد اشتملت أكبر هذه المكاسب على افتتاح قطاع جديد لتوظيف السيدات. كما قام الملك في شباط/فبراير 2013 بتعيين 30 سيدة في مجلس الشورى، وهو هيئة استشارية تخرج بتوصيات لمجلس الوزراء. ولكن كما يقول جو ستورك، نائب المدير التنفيذي لقسم الشرق الأوسط وشمال أفريقيا في «هيومن رايتس ووتش»: «لا يكفي تعيين المرأة في مجلس الشورى، إذا كانت عاجزة عن قيادة سيارتها إلى مكان عملها». وضمن هذه الإصلاحات، عزز الملك عبد الله فرص التعليم العالي للمرأة، بما في ذلك المنح الدراسية في الخارج.
وتقول الناشطة السعودية عزيزة يوسف لـ «القدس العربي» أنه بالرغم من أن نسبة مشاركة المرأة السعودية في العمل هي من بين الأدنى عالميا إلا أنها تحسنت بعض الشيء خلال السنوات الماضية بعد فتح المجال لنصف مليون سيدة سعودية للعمل في مجال البيع في الأسواق، ولكن ”كم كنت أتمنى ان يفتح مجال للسيدات في مجالات العمل القيادية فلا تزال المرأه السعودية غير قادرة على الوصول إلى منصب وزيرة أو وكيلة وزارة”. وتضيف: ”الفرص المتاحة خارج الوظائف التعليمية والصحية لا تزال محدودة، المجتمع يحتوي فئات مختلفة والنظرة لعمل المرأة مرتبطة بأهمية دورها في رعاية الأطفال والزوج.”

المهن المتاحة وقرار تنظيم الاستقدام

تشغل أغلب السعوديات العاملات مناصب في التعليم والطب. لكن في عام 2013 منحت وزارة العدل أروى الحجيلي، خريجة جامعة الملك عبد العزيز في جدّة، ترخيصًا قانونيًا للعمل كمحامية متدربة، وهو ما يسمح لها بالعمل في المجال القانوني، وقضاء مدة ثلاث سنوات بصفتها متدربة قبل أن تصبح محامية بترخيص قانوني كامل. وبحسب صحيفة «الرياض» أصدرت الوزارة في العام الماضي قرار تنظيم الاستقدام ونقل الخدمات من العنصر النسائي. واحتوى القرار على عدة مواد تنظيمية، تتمثل في قصر استقدام ونقل خدمات العاملين من العنصر النسائي في القطاع الخاص على 3 أنواع من المنشآت، الأولى المنشآت الصحية والتعليمية فقط، شريطة إحضار تأييد حكومي من الجهة المرخص لها بعدد ومهن العاملات التي تحتاجها المنشأة، والثاني يتمثل في المنشآت ذات النشاط النسائي البحت، شريطة أن ينص على ذلك في السجل التجاري، والترخيص الخاص بالمنشأة، وأن يكون جميع العاملين في المنشأة من العنصر النسائي، عدا مهن الخدمات المساندة التي تتطلب بطبيعتها أن يكون العاملون فيها من العنصر الرجالي، والنوع الثالث في مجالات المستلزمات النسائية والمصانع المُوظفة للنساء السعوديات ومراكز ضيافات الأطفال، إذ تم قصر الاستقدام على خبيرات بغرض التدريب وعاملات نظافة بحيث تكون الفائدة من استقدامهن داعما لتوفير بيئة العمل المناسبة للمرأة العاملة في تلك المجالات.

الفتاوى ودور المؤسسة الدينية

يعتقد خبراء دين أن ممارسة نظام ولاية الرجل على المرأة مستوحاة من آية في القرآن الكريم يرى بعض العلماء أن المؤسسة الدينية السعودية أساءت تفسيرها. وهي الآية 34 من سورة النساء: «الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاء بِمَا فَضَّلَ اللّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَبِمَا أَنفَقُواْ مِنْ أَمْوَالِهِم». رغم إمكانية تباين التفسيرات، تقول راديكا آوماراسوامي، المقررة الخاصة السابقة في الأمم المتحدة المعنية بالعنف ضد المرأة أنه لا خلاف على أن كل أديان العالم تسعى لإحراز المساواة وصيانة حقوق الإنسان. إلا أن بعض الممارسات التي سنها البشر والتي تتم تأديتها باسم الدين لا تنتقص فقط من الأديان، بل أيضاً تنتهك المعايير المتفق عليها دولياً لحقوق الإنسان، ومنها حقوق المرأة. من جهتها، تقول المحاضرة حصة آل الشيخ أن الفتاوى الدينية تساهم إلى حد كبير ”في نشر ثقافة ضرورة بقاء المرأة في بيتها وحفاظها على دور الأم والزوجة».
وفي تصريحات مماثلة تقول الناشطة عزيزة يوسف أن الفتاوى الدينية تستند إلى فهم محدود لروح الشريعة ”وتنظر لعمل المرأة بشكل ضيق كما أنها لا تحترم هذا الحق إلا في حدود كون العمل بعيدا عن الاختلاط وفي مجالات محدودة للغاية».

ريما شري

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية