المرأة الفلسطينية وتحديات الاحتلال والإنقسام والتهميش

حجم الخط
0

لندن ـ «القدس العربي»: كانت الأولوية دائما للنضال الفلسطيني من أجل تحقيق حلم العودة والتحرر من الاحتلال، لكن ماذا عن هموم المرأة الفلسطينية الأخرى؟ هل تحظى بقدر من المساواة مع الرجل؟ هل تحترم حقوقها؟ هل يسمح لها أن تبدع دون قيود في مجتمع ذكوري لا يهتم كثيرا بمطالبها؟ وهل تستطيع ان تقدم للعالم صورة حضارية وثقافية لقضية شعبها رغم تحديات الاحتلال والحصار والخلافات؟
الشاعرة والحقوقية الفلسطينية ومؤسسة «جمعية المرأة المبدعة» في غزة دنيا الأمل تقول لـ«القدس العربي» عن هموم المرأة وطموحاتها من خلال تجربتها في العمل النسوي وفي جمعية «المرأة المبدعة»:
«بدأت التجربة بفكرة شخصية نتجت عن معاناة تراكمت عبر سنوات طويلة من تهميش الإبداع عامة وابداع المرأة الفلسطينية خاصة بعد قيام السلطة الوطنية التي توسمنا أن تنعش روحنا المبدعة، ان تتنفس بحرية وفضاء ابداعي واسع ومتعدد وعميق، لكن الأحلام والأماني دائما لا تشبه الواقع المؤلم. صحيح كانت هناك انجازات ومنها ما طالني باصدار ديواني الشعري الثاني عن وزارة الثقافة ولكن هناك غيابا كاملا لمنهج ثقافي ابداعي للسلطة التي لا ترى غير السياسة ومن منظور واحد فقط .
الجمعية كانت مشروعاً في الفراغ الإبداعي الذي عانته المبدعات على وجه الخصوص، حاولت من خلاله أن ترفع صوتهن في كل المجالات من خلال الندوات والمؤتمرات ومن خلال مشروعها الأهم جائزة المرأة المبدعة السنوية حيث يتم تكريم عشرات الفلسطينيات المبدعات من كل المجالات الثقافية والإعلامية والفنية والبحثية في الوطن والشتات». مشيرة الى أن الأحلام لا تشبه الواقع خاصة إذا كان السياق كله ينظر إلى الإبداع النسوي باعتباره ترفاً يمكن تأجيله أحياناً ويمكن نسيانه في كثير منها ويمكن استخدامه وهي حالات ومواقف رفضتها منذ البدايه فكان الثمن باهظا وكبير.
مضيفة «الجمعية تضع أمامها هدفا كبيرا هو خدمة المبدعات الفلسطينيات ودعمهن ورعاية مواهبهن عبر التدريب والنشر والترويج لكتاباتهن بالوسائل الممكنة والمتاحة وأعترف أن في غزة وسائل محدودة للغاية ناهيك أن العالم ينظر إلى القطاع باعتباره مكانا للضحايا المنكوبين فقط. إنهم لا يرون إبداعنا وإنتاجنا الفكري والثقافي وللأسف ساهمنا نحن في ترويج هذه الصورة التي حولتنا إلى شعب من الجياع جل طموحه في الحياة المأوى والمأكل. إنهم لا يعرفون فننا وعاداتنا الثقافية والحياتية، لكنهم يتعاطفون معنا باعتبارنا أهلاً للعطف والشفقة ومكبا لصدقاتهم وفوائض نعمهم. أنا أرفض هذه الصورة وأبحث عن صورة فلسطين فينا قبل الآخرين، لكن الأمر مرهق والثمن كان كبيراً جدا والمخرج ضئيل للغاية كماً، لكنه نوعياً سيثمر على المدى البعيد. المرأة الفلسطينية تحتاج إلى ما هو أكثر من الطعام والشراب، تحتاج إلى من يعيدها إلى ذاتها ويأخذ بيدها لتعيد اكتشاف الوطن الخالص في هويتها قبل أن تكون هي حامية هذه الهوية.

التحديات التي تواجه المرأة

وعن التحديات التي تواجه المرأة الفلسطينية تتحدث دنيا الأمل قائلة: أنا مؤمنة أن مشكلتنا وتحدياتنا الأكبر ثقافية وليست اقتصادية أو سياسية. على مدار 70 عاما لم تقدم السياسية منجزات كبيرة على المستوى الفلسطيني بل على العكس قدمت تراجعات مقيتة وأهدرت طاقاتنا في معارك جانبية وشكلية، المرأة الفلسطينية من منظور السياسة والمجتمع المدني أنجزت الكثير لكن من وجهة نظري ثمة جهد أكبر عليها أن تبذله في سياق مجتمعها. مضيفة أن التغيرات الكبيرة والايجابية للمرأة لا يمكن أن تحدث بمعزل عن تحولات المجتمع بمعناها العميق والحقيقي وليس البراغماتي والشكلاني. إننا في حاجة إلى تفكيك نظرتنا إلى ذاتنا بجرأة كبيرة ووقتها إن حدث ذلك سنكتشف حجم الخسارات الكبرى التي وقعنا في شرك غوايتها وأقنعتها البراقة حتى يافطة الوطنية والتحررية وغيرها من الكليشيهات التي تدر من المال والمكاسب الأخرى أكثر ما يدره النقد والمراجعة والصدق والانصات الحقيقي لأوجاع الوطن، وهي بالتأكيد ليست أوجاعاً بيولوجية بقدر ما هي سيكولوجية حضارية.

المرأة والإنقسام

نعمل بما تبقى لنا من روح قاربت على النفاذ، نعم حتى الروح لها تاريخ صلاحية، وما نعيشه الآن هو آخر أيام صلاحيتنا إن لم نكتشف تماما أن غطاء العلبة انبعج بما يكفي لإلقائه في صفيحة القمامة. ربما هذا قول مؤلم وغير متوقع الكل يتوقع مني كفلسطينية إجابة محددة معتادة، إن صوت البكاء والعويل علينا انتشر في كل العالم لأننا ارتضيناها هوية وعنواناً، الخلافات الداخلية والاحتلال والأزمات ما كان منها وما سيكون في أغلبه لم يكن ليكون لولانا. نعم نحن الجناة أولاً لا أحد غيرنا وطالما هناك من يقبض أثماناً ويبيع قمصاننا المسروقة ليعرينا سنبقى هكذا بلا فخر.

المبدعة والتهديد

وتقول: من الطبيعي لامرأة لا تحمل إرث القبيلة أن تتعرض للتهديد. إنه السلاح القديم الجديد الذي ينتقل من يد إلى أخرى بسلاسة مدهشة، الغريب أنني تعرضت للتهديد من بعض الجهات المتطرفة. دائما السلطات أياً كانت هويتها تتفق على المرأة وضدها ودائما ما تختلف حولها في أوقات العراك السياسية. لنتمعن في أحوال النساء سنجد أنهن دائما كبش الفداء الذي يضحى به عن طيب خاطر سياسياً ودينيا واجتماعيا وحينما يحتاجون إلى دعاية سياسية غير مكلفة بالنسبة لهم دائما تكون المرأة هي الحاضرة بقوة في أذهانهم .

حقوق الفلسطينية

كناشطة في العمل النسوي والعام أقول أن الطريق لم تزل طويلة، نحن الفلسطينيات أكثر النساء العربيات حصلنا على حقوقنا في التشريع والسياسة والعمل والبرلمان وغيرها من القضايا وتوفقنا في ذلك على تجارب عربية سابقة وراسخة في العمل المؤسسي، ولكن لا نعيش مثلهن ولا نحظى بالطبيعي المعتاد الذي يشعرنا بإنسانيتنا وضعفنا وخوفنا المبرر، دائماً ما ينظر إلينا في دائرة الاحتلال وبمرآته لا يرون هويتنا منفصلة عنه بل إما انعكاساً أو نقيضأً له كل امرأة فلسطينية تحظى بالتصفيق غالباً لأنها فلسطينية ونادراُ لأنها قالت ما ينبغي أن يقال. نحن حائط مبكى يبكون عجزهم فينا ونحن أحببنا ذلك واستفدنا منه. أريد لنسائنا أن يكن نساءً بالمعنى الإنساني وليس من خلال التفسير السياسي لوجودهن.

المرأة والإعلام

المرأة والإعلام، واحدة من ثنائيات المرأة الرائجة، المرأة والتعليم، المرأة والثقافة والمرأة والإبداع والمرأة والسياسة المرأة والاقتصاد، واو المعية هذه تعبير عن ربط غير طبيعي فيه نوع من الاقحام والفرض، إنها تعبر عن نقيصة ما، عن وجع، عن شعور بالقهر الكمين، وهو أمر راجع تاريخياً لمنهجية التغييب والإقصاء، كل تاريخنا يعيش حالة من الاستدراك غير المنطقي لوجود المرأة في الحياة، وكأنه انتبه فجأة لنصفه الغائب عن ذهنه ومن ثم عن فعل الحياة، غالباً ما كانت نظرتنا للمرأة في أي مجال من مجالات الحياة تشبه البحث عن إبرة في كومة قش. لا يعرف الكثيرون منا أن المرأة الفلسطينية سبقت غيرها العربيات في مجال الإعلام.
إعلامنا بارع في تغييبنا. كل صوت مختلف هو صوت نشاز لا مجال لدمجه، بل كل فضاءات البث مرثية لغيابٍ ميت ساهمنا في قتله لنبكيه، إعلامياتنا بنات إعلام غيرنا وإعلامنا انعكاس لإعلام غيرنا وفي الحالتين نحن نحتاج إلى ما لا يشبه هويتنا لنتعاطى معه بسلام يزيد عن الفائض المتاح فلسطينياً، التفتيش النوعي عن الإعلام وعلاقته بالمرأة ومدى مساهمة المرأة فيه وصورتها في محتواه وحجم التغطية الإعلامية لقضاياها ستدل شكلاً على انجازات عظيمة.

التهميش والتمييز

وبخصوص التهميش والإقصاء تقول دنيا الأمل: للأسف أنجزت أبحاثاً وكتباً متعددة عن التمييز ضد المرأة الفلسطينية، لكنني كلما تمعنت فيها أجدني أشعر بمدى مساهمتي شخصياً في الترويج لصورة لا تشبهني في كثير من الأوقات. اعتياد العنف والتمييز ثقافة ورفض الاعتياد والاستثناء معاً مصيبة كبرى، الشعب الفلسطيني يتعرض لتمييز من قبل الاحتلال، كما من قبل السلطات العربية، كل الفلسطينيين في دولنا العربية مهانون بدرجات متفاوتة، إننا مخيفون لهم كما نحن مخيفون للاحتلال بلا حولنا ولا قوتنا، وهناك تمييز في إطارنا الفلسطيني لفئات معينة من نساء، أطفال معاقين لكنه غالباً تمييز اللاوعي، وهناك تمييز واعٍ يدرك هدفه ومبتغاه كالتمييز ضد المثقفين والكتاب والتمييز ضد كل من يضع نفسه خارج السياق. الفلسطينية لم تزل تعيش في قفص العنف والتمييز وكل محاولة لفك أسرها تجابه بعنف أعمق لا مرئي، من غير دم أو أدوات حادة، عنف ناعم يشبه أشباحاً من الصعب الامساك بها أو تخيل شكلها، إنه عنف التهميش والإقصاء .

الفئات الشابة

يجب التركيز على فئة الشباب لأن خرابها أكبر وأعمق، للأسف لدينا أجيال «منزوعة الدسم الفلسطيني» بلا تاريخ وبلا هوية. أبناؤنا لا يطمحون لرؤية القدس بقدر ما ينامون ويفيقون على حلم العيش في السويد والنرويج وكندا وأمريكا. شبابنا لا يدركون من فلسطينيتهم سوى حروبها وحصارها وفقرها، لا يعرفون تاريخهم ولا ثقافتهم، قيمهم طاردة للثقافة الفلسطينية، حاضنة لكل ما عداها وهو جرح كبير. الساسة مشغولون عنهم بصنع أجيال ضائعة أخرى، أريد لأبنائي كما أردت واخترت، فلسطينيين يفخرون بكونهم كذلك.

وجدان الربيعي

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية