الرباط ـ من لحسن ملواني: يعمل التشكيلي المغربي مصطفى حموتي في صمت بعيداً عن الأضواء وصخب الملتقيات. يحتمي بأعماله الفنية، ويلوذ بها فضاءً يجد في أحضانه مجالاً للتعبير عن متاعبه ومنغصاته وخلجاته المتنوعة. فضاء يواجه عبره الواقع المعيش وما يحمله من تناقضات تحتاج إلى رؤية تعيد توازنها وتعالج اختلالاتها.
يعتبر حموتي الفن التشكيلي رئته الثالثة ومن دونها يشعر بضيق مميت، ولذا يستحيل أن يفارق الإبداع باعتباره المجدد لماء حياته، والمنعش لنبضه كي يستعيد هدوءه وسكينته.
في لوحاته أسلوب خاص يهبه التميز الإبداعي، ويجعله ينضم إلى صفوف المضيفين إلى هذا الفن المفتوح للتجارب، مهما تعددت واختلفت. فالفن التشكيلي من الفنون المفتوحة للمغامرة في التجسيد والتركيب، بحثاً عن المختلف والمغاير باعتباره سمة الإبداع الأصلية.
ذاك أن كل إبداع يحاكي أكثر مما يجدد لن يضيف ولن يُبَوّئَ صاحبه أي مقام في مدارج الإبداع، فأعماله يغلب عليها الأسلوب ذاته والتقنية ذاتها والألوان ذاتها، وفق أشكال هندسية لا تخلو من التواءات توحي بالتضاريس الجبلية وتموجات الماء.
لكن المرأة بهيئاتها ووضعياتها المختلفة تظل المفردة الرئيسية لهذه الأعمال، التي لا يخليها تنوعها واختلاف موضوعاتها من الأسلوب نفسه. هذا الأخير يعتتمد فيه الفنان على الضوء والظل، مما يبرز المعطيات بأبعاد رائعة تستحق التأمل والتجول البصري بين عناصرها.
والمتأمل لجل لوحات حموتي، يسحره جمال التكوين، وجمال الترصيف لرسم الأبعاد المُمِدَّة للوحة بفسحة لا تغلق أمام العين فرصة الانطلاق والسفر عبر آفاقها وفضاءاتها المؤثثة بعناية المبدع الصبور المعتني بجمالية ما ينجزه.
المرأة في لوحاته تعانق معاناتها ضمن تضاريس وعرة تجعل الرائي يشعر ببدء تحررها والتخلص من بلاياها.
الفنان ذاته صرح بكون المرأة تستهويه في لوحاته وكأن إبداعاته لم توجد سوى لتمثل عفة المرأة وجمالها الروحي، وبذلك سخر ريشته وألوانه لإبراز كل هذه المعاني المُمَظهرة لرحلتها في دروب الحياة.
وإذا كانت المرأة بمثابة المفردة التي نجدها أو نجد أثرها في لوحاته، فإن ذلك لا يعفيه من جعلها العنصر الذي من خلاله يعبِّر عن كل ما يعتلج في أعماقه وما يلمس روحه، وما يؤشر إلى تطلعاته وطموحاته بحثا عما يعيد إليه اتزانه النفسي. لعل أهم ما تمتاز به لوحات حموتي التجانسات اللونية عبر الاشتغال على الظل والضوء. واعتماد المنحنيات بشكل رائع يدل على امتلاكه فنية الاتساق والربط الرائق بين المفردات والأشكال ضمن تركيبة غاية في الإتقان.
وأيضاً، تجسيد المفردات نفسها بشكل مختلف ومتقارب السمات في الوقت ذاته معتمدا ثيمة المرأة «بطل» لأعماله.
يضاف إلى ذلكن اعتماد التقنية نفسها مع اللون في تدرجات جيدة التجاور والتركيب. والتفنن في تقديم ملمح المرأة، تارة صاعدة، وتارة، راحلة، وتارة شاقة طريقها نحو المجهول، وفي كل الأوضاع نلاحظ هذا التكامل اللوني والشكلي بين جسدها والتضاريس التي تحملها وتحيط بها.
عشرون عاما من الممارسة الفنية، مدة من شأنها أن تفرز هذا المستوى، وهذه التجربة التي تدل على امتلاك هذا الفنان رؤية إبداعية خاصة، تجعله من المضيفين للمنجَزِ التشكيلي المغربي قيمة إبداعية يساهم بها في إثرائه وتنوعه وتطوره.
ولم يكن ذلك ليحصل سوى بهوسه بالفن التشكيلي، ومواصلته المتح من مرئياته وحسنات وثغرات تجربته بالشكل المفضي إلى إنضاج موهبته وتقوية كفاءاته في التعامل مع الأشكال والألوان وما له علاقة بتركيبتها.
ولعل اشتغال حموتي الفني حتى الآن باتجاه واحد تطرد فيه الأشكال ذاتها والثيمات ذاتها بشكل بارز. وقد يكون ذلك اختياره الشخصي، على الرغم من كون ذلك لا يعفيه من مسؤولية المحاولات الجادة من أجل المغايرة والغوص في عالم الأشكال والألوان بشكل قد ينتج عنه الأجود والأجمل من الأعمال الإبداعية.
تبقى إمكانات حموتي الإبداعية وفيرة تمنحه القدرة على تطوير تجربته بشكل أجمل، عبر البحث عن تقنيات أخرى وعن موضوعات أخرى تثري وتنوع ملامح منجزه التشكيلي ليتجاوز بها المحلية إلى العالمية.