تقدم الكاتبة الكويتية منى الشمري في مجموعتها القصصية «رأسان تحت مظلة واحدة» الصادرة عن دار نوفابلس 14)) قصة قصيرة تدور كلها في فلك المرأة وقضاياها، لذا يمكن القول إنها (مجموعة المرأة القصصية) فقد تناولت الكاتبة المرأة بطموحاتها وأحلامها ومعاناتها وبعض تفاصيل حياتها اليومية المباشرة وغير المباشرة وهمشت الرجل في مجموعتها، وهذا ما يثير التساؤل عن العلاقة بين عنوان المجموعة وصورة الغلاف والإيحاء المقدم من ذلك وبين فحوى الموضوع الذي تضمنته القصص! لكن النصوص جاءت لتزيح الستار عن معاناة المرأة في المجتمع الذكوري في الكويت وهي السمة الأبرز للعمل.
الأسلوب القصصي
لقد وجهت الكاتبة سهامها الهجومية على المجتمع الذكوري مظهرة رشاقة فكر نسوي جاد من خلال استعمالاتها اللغوية، استخدمت الكاتبة طريقتي عرض لشخوصها تتناسب مع الضمائر التي تحدد نوع الراوي فهي تلجأ إلى الطريقة التحليلية في «سيدة الصورة» فتذكر تصرفات وسلوكيات البطلة وتبرز مشاعرها وأفكارها وفق سياق السرد «بأطراف أناملها تنكش شعرها الأسود ليكون غجريا» 85، بينما نجدها في «كبش فداء» تمنح الراوي حرية أكبر بالطريقة التمثيلية التي تجعل البطلة تعبر عن مشاعرها وأفكارها الداخلية واتجاهاتها الفكرية بانسيابية أكثر «أدخل بشعري المنكوش الذي أرفعه بمشبك ودراعة المطبخ بأذيالها المنقوعة بالماء والصابون ورائحة البصل المحموس»20. التكثيف أهم خصائص القصة القصيرة لكن الكاتبة في قصة «رأسان تحت مظلة واحدة» أسهبت كثيرا بعبارات قد تلمح لعنصر الزمن على حساب عنصري المكان والحبكة «المطر يطرق النافذة بخفة ككف ضيف خجلى مترددة، نام الصغيران في دفء أحلامهما، تضع موسيقاها المفضلة من موزارت، تقضم تفاحة خضراء وتقرأ رواية لايزابيل أليندي، تلقي نظرة من نافذة الشرفة الباردة، المطعم مقابلها مزدحم بالجائعين وفي الشارع حيوية متأخرة رغم تقلب الطقس» 31 فتبدو مقدمة القصة أقرب للعرض الروائي منه للقصة القصيرة ثم سارت الكاتبة بسرد تفصيلي مبتعدة عن الدخول في حبكة رئيسية أو في بيان الصراع المرتقب «يتأمل أضواء توفير الطاقة في الشارع بلونها الأصفر»31. وتستمر في سرد تفاصيل دقيقة لا تتناسب مع التكثيف وتبتعد بها عن الحبكة المشوقة أو الصراع المستفز.
الأسلوب السردي
في «سيدة الصورة» تعرض الكاتبة فكرة الهروب من ذاكرة الطفولة يرويها راو عليم محدود المعرفة بتفاصيل الأحداث، لكن سيلاحَظ أن هذا الراوي محدود المعرفة يعود بنا إلى طفولة البطلة «كيف تكونين عالية وأنت بهذا الطول؟»88، ورغم محاولة الكاتبة تغطية الوعي الداخلي لشخصية البطلة لكن الراوي محدود المعرفة فشل في إطلاعنا على المناطق المجهولة من الذاكرة والمشاعر الدفينة التي يتم إيقاظها فجأة «تبتسم بارتياح فالصور كاملة والمجموعة تكبر وتتضخم.. فتثأر من صور الطفولة التي كانت لا تلتقط إلا نصف وجهها»88، استخدام هذا النوع من الرواة سوف يقيد الكاتبة في مساحة توصيف الشخوص والمكان وفي الانتقال الحر بين زمنين لذلك يلاحظ أن الكاتبة رغم بساطة الحدث وسلاسة روايته بالأسلوب البسيط ابتعدت عن أدبية السياقات المتعلقة بحبكة تقوم على الصراع النفسي المغمور في فجوة بين مرحلتين من عمر البطلة. تخرج الكاتبة عن واقعية الحدث في موضعين متتاليين بما لا يتناسب مع العرف البروتوكولي المعلوم للجميع فتارة تتقدم الوزير «يروق لها أن تتقدم الوزير بكل فخر»85 وتارة تشارك رئيس الوزراء في قص الشريط وهي مجرد شخصية مجهولة المنصب والوضع الاجتماعي ولا تحمل أي صفة رسمية أكثر من أنها دكتورة في الآثار، وبالتالي لا يمكن حمل الفكرة على السرد الخيالي كما أنها لا تحتمل جمع الواقعية مع فانتازيا غير منطقية التسلسل مع الحدث عند واقع منطقي. كما انشغلت الكاتبة في ملاحقة الحركة السريعة للبطلة على حساب عناصر الكتابة القصصية مثل تصوير المكان بشكل مناسب للحدث ومثل ديناميكية تطور الشخصية التي تدور الحبكة على الصراع النفسي الداخلي لها. «سيدة الصورة» أفلتت زمام الانطلاق نحو طاقة حركية قوية مدعومة بمخزون طفولي معقد، وهذا ما يؤكد حاجة الأديب إلى ثقافة عامة في علوم النفس والمنطق والتاريخ وغيرها من فنون داعمة للإبداع الأدبي أكثر من مجرد نية الكتابة.
مفقودة
«مفقودة» من أهم قصص المجموعة وأتقنت الكاتبة أدواتها فرسمت الحبكة والصراع الداخلي والخارجي والسيمولوجي بشكل مميز جعل القصة تنتقل بالقارئ من عنوانها إلى نهايتها في مسار الإبداع حيث أشار العنوان إلى الفقد المنطوي على العزلة عن المحيط التي عاشتها البطلتان اللتان صورتهما الكاتبة بدقة طورت ديناميكيتهما مع الأحداث. «حلقت صرختها كحمامة مذعورة في الرواق» هذا التشبيه التمثيلي بما ترمز له «الحمامة» من ضعف ورقة تقدمها الكاتبة مذعورة لتنسجم مع نهاية البطلة حين حولت هذه الصورة إلى «غربان» ترمز لبشاعة النهاية ودلالة الموت الناجم عن جرم «انطلقت غربان صراخها»، رغم شيوع هذه القصة واستهلاك فكرتها لكن منى الشمري تعيد كتابة القصة بخطها الشخصي، استخدام الكاتبة لرمزية الألوان مشيرة إلى واقع المعاناة فالأحمر لون أساسي يشير بوضوح إلى وقوع جريمة قتل حيث يشير إلى الدم وهذا الاستخدام الرمزي يتناسق مع الأسلوب التجريبي الذي يضيف سمات جمالية وثقافية في السياق الحداثي، الذي يهتم بدلالات الرموز كسمات أدبية وجمالية للنص، أجادت الكاتبة استعمال تقنية الشلل الذي مس الغموض الجزئي فالشلل يصيب الجميع في مواقف تشل التفكير والتصرف.
ورغم استخدام الشمري لتقنية الاسترجاع وقد يعيب العمل كثرته، ورغم استخدامها نهايات مغلقة واضحة دائما لكن يحسب للشمري تمسكها بالعربية الفصيحة وابتعادها عن العامية متجهة نحو أدب نقي كما يحسب لها تمسكها بالمفردة الحشيمة والفكرة الناطقة التي تخاطب ذهن القارئ.
كاتب كويتي
براك القعيط