المربديون يحتفون برشدي العامل: شاعر الفكرة الساطعة

حجم الخط
0

احتفاء مهرجان المربد الشعري في دورته الثانية عشرة بالشاعر رشدي العامل يستدعي إعادة قراءة عوالم هذا الشاعر المُغيّب، إذ ظل هذا الشاعر هاجسا للعديد من نقاد وشعراء (الأجيال والجماعات) فهو الثوري والرومانسي والحالم والمجدد، مثلما هو الشاعر الباحث عن هويته الوجودية الغائرة في عوالم الصراعات والتحولات والاغترابات..
عبر سيرته الحافلة بيوميات عائمة، وأحلامه المشبوبة بأسئلةٍ لم يطمئن لها كثيرا، حاول أن يطأ حافةَ المغامرة والتجريب، وأن يلامس سطوح الحرائق التي حملها شعراء (الحساسية الجديدة) في الستينيات، الذين انزاحوا لسؤال الرؤيا، بعيدا عن سؤال الواقع الغارق في أوهام الأيديولوجيا، وصراعات اليوميات العراقية وشعاراتها، لكن قصيدته ظلت قريبة بحذر من الواقع، والأكثر قربا من الغناء، تلك تلامس وجعه الشخصي، ومرجعياته الثقافية القريبة من المدارس الرومانسية العربية – مدرسة أبولو، قصائد المهجر، انشغالات الشعراء مع الجدّة الحادثة في قصيدة التفعيلة بايقاعاتها المفتوحة-
هذه المهيمنة الشعرية جعلته أكثر احتفاء بالحياة، رغم كل فواجعها، تلك التي ظل يستعيدها بوصفها أغنية شجية موحية، مثلما يحتفي بها بوصفها تعبيرا عن الوجود. هذه الثنائية أعطت لقصيدته وهجا خاصا، وأسبغت عليها توصيفا من الصعب تغييبه، خلال القراءة، أو من خلال أي مقاربة نقدية، إذ تحمل قصيدته سحرها الخاص الباعث على الإثارة، إذ فيها الكثير من البوح، والكثير من استعادة المعاني الغامرة، والكثير من الدلالات التي يتلبس مرجعياتها الشاعر، باحثا عن المخبوء والغائب، حيث تتبدى روحه الثائرة عبر أقنعتها، وعبر هواجسه وأسئلته.
رشدي العامل وجد نفسه اللجوجة عند مفارقة التحوّل الشعري العاصف نهاية الأربعينيات، مثلما وجد نفسه أمام تحولات سياسية عاصفة في نهاية الخمسينيات، التي ألقت بظلالها على الفضاء الشعري العراقي، حتى باتت الرهانات على التمثلات بين المزاج الثوري، والمزاج الحسي، وهذا ما تحول إلى نوع من التحدي، والرغبة في الانعتاق من(مغنطة جيل الرواد – السياب، نازك الملائكة، عبد الوهاب البياتي، بلند الحيدري) والبحث عن فضاء أكثر استيعابا لسؤال المغامرة، ولمجاوراتها الرومانسية والثورية وحتى الأيديولوجية التي بدت أكثر حضورا، فانعكس ذلك بشكل واضح على صياغة نمطٍ شعري لشعراء جدد لهم مزاج مضطرب، ورؤيا توحي بتغيّر جديد في شكل الكتابة الشعرية وأبرزهم (سعدي يوسف، يوسف الصائغ، جواد كاظم، رشيد ياسين، حسين مردان).
هذه القصيدة كانت الأقرب للغناء، والأقرب (للنبرة الخفيضة) كما سمتها فاطمة المحسن، التي أسكنت القصيدة بحسية دافقة، وبإضاءات أكثر تمثلا لقصيدة الصورة، وفصيدة اللوحة المتناغمة في استعاراتها الجديدة، وغير المشغولة بالصور الملحمية التي كررها السياب، أو فكرة الصورة الناجزة عند البياتي، ربما كان الأقرب إلى قصيدة بلند الحيدري بخفة أنموذجه الشعري وشغفه بالتلوين الشعري.
هذه القصيدة لم تفقد إيقاعها تحت لعبة تلك الاستعارات، إذ ظلت شغوفة، وطرية، وبعيدة عن بلاغة النمط، أو حتى بلاغة الإرث، وبقدر ما يحمل هذا الشجن من إثارة، فإنه يبدو أكثر التصاقا بروح الشعر، بوصفه لعبة فائقة في التعبير الحسي، فهو يقول عن نفسه: نعم أنا شاعر رومانسي.. القصيدة تتحكم بي إلى درجة العذاب، تُمزقني، وأحيانا تنعطف إليّ، فأحبها في الحالتين، لاسيما في قصائد «أغان بلا دموع» و»عيون بغداد والمطر».
هذا التوصيف وضع قصيدته في مراحل لاحقة في سياق التحول الكبير الذي عاشته الشعرية العراقية، التي استغرقتها أسئلة الحداثة، ومعطيات الأثر والمغامرة وما تركته عليها الترجمات الشعرية من شروخ وغوايات، حتى وجد الشعراء أنفسهم أمام لحظات مفارقة، تتوزعها أسئلة التجديد، مقابل محنة التنميط الذي تململت فيه الكتابة، التي لم يستمرأها شعراء ما بعد مرحلة الرواد، ومنهم الشاعر رشدي العامل وهو يضع تجربته الغضة أمام تلك العوالم المفتوحة والغامرة بالتجريب وبالمغايرة..
يمكن أن نعدّ تجربته الأقرب إلى شعراء الرومانسية العرب، لاسيما تجربة أبولو المصرية، خاصة في مجموعته الأولى «همسات عشتروت»، لكنه أيضا كان قريبا من رومانسية شعراء المهجر اللبناني، مشتبكا مع معطيات الجَدّة التي استغرقت قصيدة السياب بروحها الدافقة وشجنها الحسي، وجملتها الرشيقة، وعوالمها التي تتوزعها هواجس البحث في سرائر الوجود والجسد.. وأحسب أن قصيدة رشدي العامل عمدت إلى صياغة نوع من التركيب الشعري الذي يعمد موسيقى الشكل/ البنية الإيقاعية مع سلاسة وطراوة الجملة التصويرية، التي يستكنه من خلالها هواجس روحه القلقة/ وأحساسه العميق بالغربة والوحدة والفقدان.

وحيداً مع الليل والذاكرة
غريبا أجوس الدروب
وأنأى عن الشفة الماكرة
وأرحل بين الخطى العابرة

* * *

هل تحلم بالجزر المنسية
يا رجلا عافته الأشرعة البيضاء
وغادره المركب والبحار…
هذه الصور جعلته يلبس قناع الباحث عن الوجود عبر المعنى، وعبر ما تتركه الفكرة من إضاءات، تلك التي كانت توحي وتستدعي وتحاور، إذ يبدو واضحا في توظيفه للبنية الدرامية في القصيدة، فهي تقانة للتخلص من (الشخصنة)، ولهدم جدار العزلة، وللإشراق مع سطوع الفكرة الاجتماعية، تلك التي حاول من خلالها أن يقارب وعيه الثوري المشوب بحلم الشعراء اليساريين، وإحساسه بالشوق للجمال الذي تتمثله المرأة بحضورها الحسي والرمزي، التي يبدو حضورها وجها آخر للفكرة الثورية الدافعة للتطهير والإشباع..
قالت: ماذا تفعل لو غبت الآن؟
فقال: أحدّق في كل نجوم الليل،
وحين أُشاهد نجمة صبحٍ تومض
في الفجر أراك..
قالت: ماذا تفعل لو رحلت قدماي
إلى مدن لا تعرفها عيناك؟
قال: أشدُّ جبيني/ أرحل في كل زوايا مدن الأرض،
وأبحرُ في كل بحار الدنيا/ كل سنين العمر،
وفي ذات صباح أفتح عينيّ فألقاكِ…
توصيف شعرية رشدي العامل بالتميز تنطلق من توصيفه داخل (جيله الشعري) الذي سُمّي بـ(الجيل الضائع) الذين أشرنا لأسماء بعضهم، مثلما تنطلق من خصوصية تجربته الشخصية وتقانة أسلوبه، وطبيعة شعريته الغنائية، ومن جذوة الحزن الغامرة عبر نبرته الخفيضة، لكنها الساطعة، التي جعلته أكثر تمثلا للتعبيرية الشعرية، ولشغف ما تهجس به نزعته التأملية، فهو يضع قاموسه الرومانسي في سياق استنطاق جوهر الفكرة الشعرية، وتدفق ما تجوس به في عوالم متعددة وغائرة في الواقع والتاريخ والأسطورة، حتى بدت الوظيفة الاجتماعية للشعر- كما يراها- منوطة بالوظيفة التعبيرية ذاتها، وقريبة من حلم الإنسان بالحرية والخلاص، وهو ما يتبدى عبر صور الاغتراب في مجموعته «حديقة علي» ومجموعته «هجرة الألوان» مقابل صور الانتماء التي ظلت تشاغله وتمنحه إحساسا متعاليا بالوجود، عبر استدعاء شيفرات الوطن والحزن والثورة ورؤيته الإنسانية لها..
يا وطني، عدت وحيدا
يحملني حبك،
يملؤني صوتك
أشكو من جرحي المسكين .
كن لي بيتا، قافية
قلبي الجرح، وأنت المبضع والسكين.

ناقد عراقي

علي حسن الفواز

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية