ضرورة التحرر من (الصواب الموروث) محمد عابد الجابري
يمكن التمييز منهجيا بين الطائفة والطائفية، الأولى هي معطى طبيعي وتاريخي واجتماعي، أما الطائفية فهي ظاهرة ثقافية وإيديولوجية متطرفة، قد تصل إلى حد التصنيف القبلي البدائي لفئات المجتمع كما في بعض دول المشرق، التي كانت قبل الحرب الأهلية اللبنانية تُحسب على الدول التي تسير في طريق التحديث، ثم انقلبت إلى الإدمان الوحشي على العصبية الطائفية، حيث صار يوجد فيها أطباء يعلنون جهارا في اللوحات الإشهارية أنهم في خدمة المرجعية الطائفية الضيقة التي ينتمون إليها.
أطباء للموارنة والسنة وآخرون للمسلمين والدروز والشيعة والروم الكاثوليك والأرمن والبروتستانت، رغم أن مهنة الطب منذ قسم أبيقراط تحرم على الطبيب الانحياز الطائفي والإثني والقبلي والديني عند مزاولته للمهنة، وأن يلتزم الحياد الإيجابي الذي يخدم كل المرضى في السلم وفي الحرب، سواء كانوا مؤمنين أو كفارا بدون الاهتمام بهوياتهم العقدية.
من أهم مكاسب الفكر القومي الصاعد في مرحلة النهضة العربية أن بعض دعاته كعبد الرحمن الكواكبي وشكيب أرسلان كانوا من أوائل المدافعين عن المعنى المدني لدولة المواطنة، التي يتساوى فيها الجميع في الحقوق والواجبات، وضرورة التصدي لمحاولة التجزيء الاستعماري للعالم العربي ومواجهة الاستبداد الشرقي.
لكن هذه الدعوة التنويرية لم تجد لها صدى في موطنها الأصلي في دول المشــــرق العربي، بينما انفرد المغرب الأقصى مستجيبا لأرقى الدعوات الإصلاحية المقبلة من الشرق من خلال )ثورة عبد الكريم الخطابي الإصلاحية والحركة السلفية الوطنية المغربية).
في التجارب المجتمعية التي اعتمدت على المرجعية الطائفية منهجا لها، أبانت هذه الدول عن هشاشة مدنية ملحوظة تتمثل في إنتاج مشاريع دول طائفية، بدون كفاءات مهنية أو فكرية، تتجلى في تشكيل حكومات فاشلة منتهية صلاحياتها تشبه الشركات التي أعلنت إفلاسها حتى قبل مزاولتها لمهامها، وذلك نتيجة لتفشي الفساد وغياب الشفافية والمحاسبة والاتكال على العصبية الطائفية، ما أدى إلى هجرة الكفاءات العلمية وتراجع مستوى التعليم، وعدم القدرة على الدفاع الذاتي عن حدود الدولة، كما في نموذج العراق. إن القيم الجديدة التي روجت لها المرجعية الطائفية تتمثل في نشر الكراهية بين الطوائف العصبية والدينية، كما حدث في الحرب الأهلية اللبنانية، عندما اشتعلت الحرب بين الإخوة الأعداء، حيث لم تقتصر على الصراع بين طوائف النحل المنتمية إلى الدين الواحد، بل تجاوزت ذلك إلى صراع طائفية الملل التي تجري بين الأديان المختلفة، كصراع الطائفة المسيحية الواحدة ضد الطائفة المسلمة الأخرى، والعكس، حيث يوجد تحالف بين الطوائف المسيحية مع بعض الطوائف المسلمة ضد بعض الطوائف المسلمة المذهبية.
يرتبط تعلق المرجعية الطائفية بتشكل الهوية الوطنية وبالسياق التاريخي والموقع الجغرافي. فعلى سبيل المثال تختلف التجربة الدينية عامة في دول المغارب عن المشرق العربي، على مستوى نشأة الوعي السلفي عند النخب المغاربية المختلف جذريا عن نظيرتها في المشرق العربي، سواء تعلق الأمر بطبيعة الدولة الوطنية أو بالتعدد الديني والطائفي.
لقد انتبه المفكر محمد عابد الجابري باكرا، إلى وجود اختلافات في مسارات التجربة الدينية في المغرب الأقصى وتمايزها عن التجربة المشرقية. وكان سباقا منذ أواسط عقد الثمانينيات من القرن الماضي إلى تدشين حوار المشرق والمغرب الذي احتضنته مجلة «اليوم السابع» بين الدكتور حسن حنفي من مصر والمرحوم عابد الجابري من المغرب، عندما دافع هذا الأخير عن بوادر عقلانية عند السلفية الوطنية في المغرب مقارنة مع السلفية المشرقية.
يفتتح الجابري حديثه عن نشأة السلفية عموما، فيلحظ أنها قامت على أنقاض تيارين متعارضين، هناك التيار الأول الذي توطد وتطور على صعيد الانفتاح على العصر، و»الشروع نحو التجديد في الدين والفكر واللغة، وهو التيار الذي ظهر في دول المغرب العربي، خاصة مع كل من الثعالبي ومدرسته في تونس وابن باديس في الجزائر ومحمد بن العربي العلوي وتلميذه علال الفاسي في المغرب»، وهذا التيار يصفه الجابري «بالمنفتح الذي زاوج بين السلفية والتحديث».
أما التيار السلفي الثاني، فهو الذي )استمر ينمو وينتشر في المشرق العربي وفي مصر خاصة، عبر رشيد رضا وآخرين، ثم عبر جماعة الإخوان المسلمين التي تأسست في النصف الثاني من عشرينيات القرن العشرين(. في هذا الصدد يرى الجابري، أن جماعة الإخوان المسلمين ظهرت من صلب هذا التيار «كتعبير جذري عن الجانب المحافظ في فكر محمد عبده».
لقد كانت أصداء سلفية محمد عبده في المغرب مختلفة عن سلفية المشرقيين، وكان «هدفها تحقيق الاستقلال وبناء دولة عصرية، ولم يكن لهذه الحركة خصم فعلي أو محتمل غير الاستعمار وعملائه» لذلك كانت السلفية في المغرب ـ أو في دول المغارب ـ سلفية وطنية يقوم دورها على محاربة الاستعمار والبدع والتقاليد الاجتماعية والدعوة إلى التجديد والتحديث. ويستمر الجابري في حفرياته، بحثا عن تمايز وخصوصية اختلاف تنفرد به تركيبة الدولة المغربية، ما يؤشر إلى مناعتها ضد أمراض الطائفية المتوحشة، التي يرجعها إلى مجموعة من الثوابت المتعلقة بنشأة الدولة المغربية، المختلفة من حيث التأسيس والمسار عن نظيرتها في بلدان المشرق، حيث يؤكد في هذا السياق على وجود مجموعة من الثوابت التي تخص الدولة المغربية وحدها في اختلاف عن دول المشرق العربي، وكذلك حتى عن دول المغارب، وأول هذه الثوابت «هو استمرارية الدولة الوطنية في المغرب منذ عهد الأدارسة»، كما تتميز الدولة المغربية إضافة لعدم انقطاعها بعدم تبعيتها للدولة المشرقية واستقلالها خارج هيمنة الدول التي حكمت في المشرق حتى الإمبراطورية العثمانية.
أما العنصر الممانع للطائفية المشرقية، حسب رأي الجابري، فمرجعه إلى الشرعية الدينية للدولة في المغرب، يقول: «لم تكن الشرعية الدينية دوما موضوع نقاش منذ أن توطدت الدولة الوطنية في المغرب. فالمغاربة كلهم مسلمون سلفيون مالكيون فلا طوائف ولا أقليات وإنما شعب واحد ومذهب ديني واحد»، إذ لم يعرف المغرب طوال أربعة عشر قرنا الماضية على تاريخه الإسلامي أي مذهب آخر في الفقه غير المذهب المالكي. يضاف إلى ذلك أن المغرب «خلا من الأقليات الدينية ـ باستثناء اليهود الذين اندمجوا في النسيج المجتمعي – وعدم قيام أي تناقض بين العروبة والإسلام في الوعي العام لأبنائه، إضافة إلى وحدة المذهب على صعيد الفقه والعقيدة معا» ما جعل الثنائيات المؤسسة للمرجعية الطائفية تكاد تكون منعدمة.
مع بداية الألفية الثالثة ظهر إلى الوجود وعلى مستوى السياسة الدولية، مشروع جديد نسميه مجازا بـ»المشروع الطائفي الاستشراقي» لأن الفضل في وضعه يرجع إلى المستشرق البريطاني برنارد لويس، أمريكي الجنسية يهودي الديانة، الذي كتب في مطلع حياته الأكاديمية أطروحة جامعية عن «فرقة الحشاشين» الإسماعيلية التي كان يرأسها الحسن الصباح المعروف عنه بممارسة القسوة والعنف ضد خصومه، ولقد استلهم برنارد لويس من فرقة الحشاشين وباقي الفرق الإسلامية المتصارعة آنذاك صورة مشوهة عن الإسلام، حاول أن يعممها على الواقع الحالي للإسلام على شكل مقترح قدمه إلى الرئيس بوش الأب، يقضي بإعادة تشخيص سيناريو تاريخي عن هذا الصراع الذي عرفه العالم الإسلامي قديما بين الفرق الاسلامية في القرن الثالث الهجري، وإعادة إخراج عصر الفتنة بين الفرق الاسلامية في الوقت الحاضر. لقد عرف هذا المقترح الاستعماري الجديد في قاموس السياسة الدولية بـ»الفوضى الخلاقة» بعد أن أعادت كوندوليزا رايس صياغته، وهذا المشروع الطائفي الجديد بحكم مكره الخلاق استطاع أن يوحد بين الأضداد )إيران والولايات المتحد الامريكية وأحلافهما)، كما أن إيجابياته بالنسبة للولايات المتحدة في منطقة الشرق الأوسط الكبير، أنه سيجنبها مستقبلا خسائر الحروب البرية التي كانت تنتج عن التدخل الأمريكي المباشر، كما في حرب أفغانستان في عهد طالبان والعراق عند حكم صدام، التي كلفت الولايات المتحدة خسائر بشرية ومادية، بينما تحرص الولايات المتحدة الملتزمة بالمشروع الطائفي الاستشراقي الجديد، أن تحقق أهدافها بدون التدخل المباشر، وأن تصل إلى مراميها الاستراتيجية الهادفة إلى إعادة تجزيء دويلات مشروع سايكس بيكو للشرق الأوسط القديم المجزأة في الأصل إلى دول بعدد الطوائف والاثنيات والعشائر والقبائل الموجودة فيها، ما دامت الولايات المتحدة الامريكية لم تعد قادرة على التدخل العسكري المباشر، الذي أدى بها إلى السقوط في مستنقع أزمة اقتصادية كبرى، لم تتعاف منها بعد، خاصة أنها وجدت في المرحلة الأخيرة، مع المشروع الطائفي الاستشراقي وبعد تمويه دبلوماسي خادع استغل حالة العداء المزعومة بين إيران والشيطان الأكبر، التي جعلت أمريكا تقايض ايران بنجاح مفاوضات أسلحة الدمار الشامل وبرفع الحصار الشامل عنها، وتنتهي بذلك حالة العداء المزمنة وحروب التصريحات الايديولوجية التي بقيت تداعياتها حاضرة منذ الثورة الإيرانية، وتحولت إيران إلى حليف تاريخي لها في المنطقة العربية، في توافق ضمني بينهما على أجرأة البرنامج الطائفي الاستشراقي.
٭ ناقد أكاديمي من المغرب
أنور المرتجي