كان أول معلم إسلامي وطأته قدماي، حين قدمت إلى العاصمة «لندن» منذ ما يقرب من عشر سنوات، المركز الثقافي الإسلامي وسط لندن، المعروف بـ «مسجد ريجنت بارك: فهالني جماله وضخامته. فما كنت لأتوقع أن يكون للمسلمين معلم للعبادة بهذا الجمال والروعة في بلد غير إسلامي. فالمركز كبير مترامي الأطراف : أرضه مصرية، وإدارته سعودية. ساهم في بنائه دول خليجية وباكستان. وكنت إذا صادفت أخا أعرفه في أحد المساجد الصغيرة أتساءل في تعجب: لماذا لا أراك بالمسجد الكبير ؟ فيشرع في شكاية مريرة من الإدارة والعاملين فيها. ودأبت على أن أمر على هذه الشكايات مر الكرام. ولكن وبعد أن مضى على ما يقرب من تسع سنوات أصلي في هذا المركز، إذ بمثالب الإدارة تتعاظم شيئا فشيئا واستفحل الأمر.
وسأسرد عليكم في هذه الكلمة المقتضبة بعض ما تقع عليه عيناي كمرتاد يومي على هذا المركز. وأول ما سأفاجئك به أن أحيطك علما بأن هذا المركز الثقافي الكبير بلا مكتبة! فالإدارة أغلقت المكتبة منذ عام 2015 بحجة ترميمها، وهي حتى يومنا هذه مغلقة ولم ينجز من أمر ترميمها شيء! وأفاجئك مرة أخرى فأخبرك أن مكتبة هذا المركز الفخم الضخم ليس بها خدمة الإنترنت! فقد كانت متاحة منذ ما يقرب من خمس سنوات ثم قطعت بلا رجعة، وتعجب أنها لم تكن مجانا. وسأواصل سرد هذه المثالب.
كان المركز يؤوي ما يقرب من 700 طفل من أبنائنا الصغار، في ما يطلق عليه مدرسة نهاية الأسبوع، يتعلمون فيها القرآن واللغة العربية. فماذا فعلت الإدارة الحكيمة، التي يظن بها أنها منارة للدعوة ونشر الثقافة الإسلامية؟
لقد اغلقتها، نعم، وتتعجب: كيف ولماذا؟! فلا تجد إجابة. وكان يظن من هذا المركز الرائد، أن يتوسع في إنشاء فروع عديدة لمثل هذه المدارس في أنحاء بريطانيا كلها. ومنذ ما يقرب من العامين، بح أصوات المطالبين بإصلاح دورات المياه والوضوء، حيث كانت في حالة يرثى لها. وأخيرا استجاب المدير، ولكن كم من الوقت استغرق هذا التجديد ؟
لن تصدق، لقد استغرق ما بين 4 أشهر ونصف الشهر و5 أشهر! وكنا نتوضأ في دورات مياه مؤقتة مكشوفة تحت المطر، وبرد الشتاء القارص يلفحنا، حتى تم إنهاء عملية الإصلاح. في حين لا يحتاج هذه الترميم لأكثر من 3 أسابيع وتخيل معي كم من المصلين والزائرين يتوافدون يوميا على هذا المركز الضخم.
أما الطامة الكبرى، أن تعمد الإدارة إلى التعاقد مع أنصاف المواهب من الأئمة عمدا وقصدا على الرغم من شكوى رواد المسجد من ضعف مستوى كثير منهم. وإذا شاءت الاقدار أن يستعينوا بأحد الشيوخ الاكفاء لبعض الوقت لغياب أحد الشيوخ المعينين في إجازة، ويستمتع الناس بتلاوته في الصلوات، إلا وتسارع الإدارة بالاستغناء عنه، حتى أن الشيخ الكبير «محمد جبريل» أحيانا يأتي زائرا فيؤمنا عدة أيام يكون الناس فيها مقبلين بكثرة على المركز سعداء، يستمتعون بتلاوته. ولكن الرجل أسر لي ذات مرة أن الإدارة لا تكون سعيدة بوجوده!
فالإدارة كما هو ظاهر للعيان تحاول الإقلال من زخم الإقبال على هذا الصرح الإسلامي الجميل. وفي الأغلب الأعم أن وراء هذه الممارسات الممنهجة حكومات تنفق عليه، فلا تريد لهذا المركز أن يكون شعلة متقدة ومنبرا ينطلق منه النقد والتقريع لهذه الحكومات التي طالما خذلت قضايا العروبة والإسلام وتهرول من أجل التطبيع والارتماء في أحضان العدو الأول للعروبة والإسلام.
كاتب مصري
محمد زوام