المزاودة النيابية الأخيرة على رئيس الوزراء بشأن «دينية» الدولة الأردنية

حجم الخط
0

■ قبل البدء لا بد من القول إنه عبر تاريخه المشرف سطر البرلمان الأردني مثالاً من الاحترافية والإسهام الوطني وبشكل يضاهي برلمانات الدول الديمقراطية المتقدمة، خاصة في الخمسينات والستينات من القرن المنصرم.
ولليوم ما زال البرلمان الأردني يزهو بالعديد من نوابِه الذين يعتبرون بحقٍ ذخراً وطنياً لكل الأردنيين. دور النائب الأردني محددٌ دستورياً بدوره التشريعي والرقابي، تحت مظلة مجلس الأمة الأردني، ومن خلال هذا الدورِ الدستوري وفي معرض القيام به يتمتع النائب الأردني بالحصانة النيابية. الحصانة النيابية هذه ليست حقاً مطلقاً غير مقيدٍ، بل هي في جلها يتوجب أن تكون، وكما هو متبعٌ في الدولِ الديمقراطيةِ، محددة بحماية أقوال النائب وأفعاله في سياق مداخلاته التشريعية والتحقيقية تحت القبة البرلمانية.
فللنائبِ الأردنيِ الحق المطلق في مراقبة تطبيقِ القانون الأردني والترصد الممنهج والدقيق لمخالفته. كذلك في المراقبة الحثيثة والفعالة لكافة أشكال المحسوبية في التعينات الحكومية؛ العليا منها والدنيا. كذلك له الحق التام بمساءلة الوزراء المَعنيين وحتى رئيس الوزراء بشبهات الفساد التي قد تطرأ في وزاراتهم وفي سياق عملهم، بغض النظر عن مرتكبيها، ومساءلة وتتبع معركة محاربة حيتان الفساد واسترداد المال الأردني العام. فحماية النزاهة الوطنية تقتضي ألا يتم تطبيق القانون الأردني بحرفيته فقط، بل أن يمتَد هذا التطبيق، كما هو الحال في الدول الديمقراطية، خاصة المملكة المتحدة، ليشمل أيضاً الانطباع الشعبي العام بِفِعلية وفعالية تطبيق القانون والمراعاه المطلقة لأعلى درجات المساءَلة. وعليه فإن تَعرض رئيس الوزراء الأردني مؤخراً إلى حملة مزاودة على الصعيد النيابي من خلال بيانات نيابية إستعراضية وتجريحية تكاد تصل إلى مستوى تكفيري، هي أبعد ما تكون عن الطرح الموضوعي. فالدور النيابي الدستوري الأردني لا يتضمن تَصيد الكلمات وإسقاط معانٍ مضللة على جملٍ قيلت عن هوية الأردن القانونية في مداخلات ٍ أكاديمية. كما حدث مؤخراً في مؤتمرٍ محليٍ أردني لمكافحة الإرهاب، تم في سياقه الحديث عن «مدنية» الدولة الأردنية من قِبل رئيس الوزراء الأردني السيد عبدالله النسور، باعتبار الأردن دولة القانون والمؤسسات، وليس دولة التطرف الديني، تماشياً مع المادة 24 (الفقرة الثانية) من الدستور الأردني، التي تنص على أن «الأمة» هي مصدر السلطات جنباً إلى جنب مع المادة 2 من الدستور الأردني لعام 1952 التي تَنص على أن «الإسلام» الحنيف هو دين الدولة الأردنية.
ففي هذا المجال نلاحظ أن الدستور الأردني يتطابق وضعه مع دستور المملكة المغربية لعام 1996 وتعديلاته عام 2011، الذي ينص في المادة 6 منه على أن «الإسلام» هو دين الدولة والمادة 4 من الدستور المغربي التي تنص وبكل وضوح على أن «الأمة» هي مصدر القانون والتشريعات. هذا الوضع الدستوري هو أيضاً مماثل للواقع التونسي. فالمادة 1 من الدستور التونسي لعام 1959 تقول إن «الإسلام» هو دين الدولة تطابقاً مع المادة 1 من الدستور التونسي الجديد لعام 2014، بينما نلاحظ أن المادة 3 من الدستور التونسي لعام 1959 تقول إن «الشعب» هو مصدر السيادة في تطابقٍ مع المادة 3 من الدستور التونسي الجديد لعام 2014. والصورة مشابهة في الجزائر التي ينص دستورها في المادة 2 من الدستور الجزائري لعام 1976 وتعديلاته لعام 1996 على أن «الإسلام» هو دين الدولة والمادة 6 (بشقيها الأول والثاني) من الدستور الجزائري لعام 1976 التي تقول بأن «الشعب» هو مصدر السلطات وأن السيادة هي «للشعب». أما بالنسبة للشريعة الإسلامية السمحة كمصدر للتشريع في الدساتير العربية، فإننا نلاحظ أن الفئة السابقة من الدول العربية، ومن بينها الأردن تتقدم عليها ثلاث فئات من الدول العربية. الفئة الأولى هي دول وضعت الشريعة الإسلامية في وضع تشريعي متقدم جداً مثل المملكة العربية السعودية، التي تنص المادة 1 من دستورها لعام 1992 على أن دين المملكة هو «الإسلام» و»دستورها كتاب الله تعالى وسنة رسوله»، وفي المادة 7 حيث تقول «يَستمد الحكم في المملكة العربية السعودية سلطتَه من كتابِ الله وسنةِ رسوله». وفي المادة 23 التي تنص على أنه «تَحمي الدولة عقيدةَ الإسلام وتطبق شريعتَه».
الفئة الثانية هي دساتير الدول العربية التي جعلت من الشريعة الإسلامية السمْحة المصدر «الرئيسي» للتشريع ولكن بشكل يعتبر أقل التزاماً من الفئِة الأولى مثل، جمهورية مصر العربية التي نصت المادة 2 من دستورها لعام 1971 والمعدل عام 1980 على أن «الإسلام هو دين الدولة وأن الفقه الإسلامي هو مصدر رئيسي للتشريع». هذا النص مع تعديلات بسيطة تم الحفاظ عليه في الدساتير المصرية اللاحقه لعامي 2012 و 2014. وكذلك نلاحظ أن سلطنة عمان تنتمي إلى هذه الفئة بموجب المادة 2 من قانونها الأساسي لعام 1996.
الفئة الثالثة وهي الدول العربية والتي تعطي أولوية تشريعية للشريعة الإسلامية السمحة، ولكن بشكل أقل من الفئتين السابقتين. من هذه الدول الكويت في المادة 2 من دستور 1962 والبحرين في المادة 2 من دستور 2002 وقطر في المادة 1 من دستور 2003 وسوريا في المادة 3 (الفقرة الثانية) من دستور 1973 والعراق ضمن المادة 2 من دستور 2005.
من كل ما تقدم نلاحظ أن الهوية السياسية أو الدينية للدول العربية، ومن بينها الأردن، هي مسألة خاضعة للحوار الوطني الشامل، حيث يتم حسمها بشكل منهجي في الصيغ الدستورية التوافقية. يشرفنا أننا انتصرنا وبكل صلابة مؤخراً في الصحافة البريطانية في «التايمز» و»الإندبندنت» و»الديلي تيلغراف» للسمعة العطرة للرسول الكريم والقيم الإسلامية؛ فهذا واجب يمليه علينا ضميرنا، خاصة في ظل التقصير الشديد من قِبل المتشدقين زوراً، وهذا التشويه الدولي غير المقبول للإسلام الحنيف. ولكن الإرهاب الفكري في هذا المجال مسألة مرفوضة جملةً وتفصيلاً، لا سيما أن الاعتقاد الديني أو حتى عدمه أساساً مسألة شخصية بحتة لا مجال فيها لتفاضلِ أحد على آخر.
في ابتعادٍ عن السجِل التاريخي المشرف لهذا الصرح الوطني الأردني الشامخ، فلقد اعتدنا بكلِ أسفٍ في الأردن مؤخراً على المزاودات والمهاترات والتراشقات النيابية العَبثية، خاصة منذ دخول الكاميرات لقاعات مجلس النواب في ظل مداخلات هي أشبه بالدعايات الانتخابية، بدلاً من المحاكاه الموضـــوعية للحدث. ولكن محاولة الإرهاب الفكري الأخــــيرة هذه من قِبل حفنة من النواب في حملة مسيسَة تجاوزت الشعارات الديموغوجية المعتاده تسيء إلى احترافية النواب المَعنيين أولاً قبل أن تؤذي رئيس الوزراء الأردني؛ الذي عرف بدماثة خلِقه وتقواه قبل أن يعرف بولائه الوطني للتراب الأردني ونظامِه العروبي الهاشمي.

٭ أكاديمي أردني

د. لؤي منور الريماوي

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية