المسألة الفلسطينية بمنظور الماء والملح

حجم الخط
7

لو أن شخصاً ولد في الوقت الذي تعارف العرب والفلسطينيون على تسميته «النكبة» فإنه سيدخل سنته السبعين اليوم وهو عدد سنوات كبير بمقاييس البشر الفانين من أمثالنا، وكبير أيضاً بمقاييس الأهوال والمجازر والشتات والخضّات الفظيعة التي عاشها الفلسطينيون خصوصاً والعرب عموماً، غير أنه قصير بمقاييس التاريخ الإنسانيّ في منطقتنا التي شهدت، في أريحا الفلسطينية، إنشاء أول مدينة في التاريخ والتي تعود إلى ما يقرب من 10 آلاف عام، وشهدت تشكّل الديانات السماوية الثلاث التي ارتبطت جميعها بهذه الأرض فجمعت بذلك بين الميثولوجيا واللاهوت والواقع، وكان تاريخها، بهذا المعنى، مجبولاً بسرديّات مليارات البشر وأحلامهم وحكاياتهم وصراعاتهم على مدى آلاف السنين.
ورغم التعارف على يوم 15 أيار/مايو من عام 1948 لكنّ الحقيقة أن معاناة الفلسطينيين ونكبتهم بدأت قبل ذلك اليوم وارتبطت، إلى حدّ كبير، بصراع عالميّ مهول بدأ مع الحــــرب العالمية الأولى وحدّد، مع نهاية الحرب العالمية الثانية، معالم العالم، والمنطقة العربية، وكان الشعب الفلسطيني أحد أكبر ضحاياه، وهذا سبب آخر للنظر إلى المسألة الفلسطينية في إطار تحوّل عالميّ أسّس له المنتصرون في الحرب الكونيّة.
تأسيس إسرائيل، كان بهذا المعنى، أحد اجتهادات هذا النظام العالمي الجديد، ولذلك توافقت القوتان العظميان، الاتحاد السوفييتي والولايات المتحدة الأمريكية، آنذاك على المسارعة على تشريعه والمصادقة عليه.
يشهد هذا «النظام» العالمي، منذ ذلك الحين استعصاءات كبرى ما زال العرب، والمسلمون عموماً، أكثر من يدفع أثمانها حتى الآن، وهذا أيضاً، في منظوره الكبير، أحد أسباب الثورات العربية، التي هي، كما المقاومة الفلسطينية المستمرة، أحد محاولات العرب للخروج من الاستعصاء والباب المسدود الذي يقف في طريقهم للوجود على منصّة التاريخ.
أدرك الفلسطينيون قبل غيرهم بكثير، من خلال المعرفة التاريخية العميقة التي اكتسبوها من محاربة هذا «النظام العالمي»، ومن محاولات إسرائيل وحلفائها الكبار استئصال هويتهم وثقافتهم وتاريخهم وجغرافيتهم، أن يبرمجوا جيناتهم على النضال الطويل الأمد، وأن يكونوا، في وجه السدّ الصلد المصمت، والقوّة الباطشة للأسلحة النووية والمستوطنات والأسوار الكونكريتية والحواجز، من جهة، والقوّة الناعمة لـ»الديمقراطية» الإسرائيلية الخبيثة، أكثر استشرافاً للتاريخ وانخراطاً بالوعي (وحتى باللاشعور) لهذه الحرب الجبارة التي عليهم خوضها.
إضراب الأسرى الفلسطينيين عن الطعام، الذي أصبح الملح والماء أيقونته، والذي يبدأ أسبوعه الخامس اليوم أيضاً يذكرنا بقولة المسيح الفلسطيني: «إذا فسد الملح فبماذا يملّح؟»، وبمسيرة الملح التي كانت حركة عصيان مدني واسع قادها زعيم الهند الراحل غاندي، وكانت، بشكل ما، بداية لموجة كبرى من النضال سجن خلالها ثمانون ألف هندي (على رأسهم غاندي نفسه) وبدأ البريطانيون بعدها مفاوضات طويلة انتهت باستقلال البلاد.
وهذا الإضراب ما كان ليحصل من دون هذا الوعي التاريخي العميق الذي لن يكفّ عن فتّ عضد إسرائيل ومكافحتها كما يفعل الماء الذي يتغلغل في أقسى أشكال الصخور ويدخل أعماق المادة ويهدّ، بهدوء وسكينة ورقيّ، أصلب الجبال ليتحوّل، حين يضطرّ، إلى ينابيع صغيرة، ويصير، عندما يحين الوقت، نهراً جارفاً، وانتفاضة وثورة.

المسألة الفلسطينية بمنظور الماء والملح

رأي القدس

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية