كثيرا ما ذاع الحديث عن الانحدار الامريكي، وتحدث الينا كبار المفكرين الاستراتيجيين في امريكا والغرب عن توجهات امريكية للانعزال والابتعاد عن الشؤون العالمية، وبالتأكيد ان هذه التوجهات برزت واضحة في كثير من الممارسات الامريكية على الصعيد الدولي، لاسيما في سنوات ادارة الرئيس باراك أوباما.. والحقيقة ان العديد من الازمات الدولية والمشاكل قد تفاقمت، نتيجة ابتعاد امريكا عن ممارسة دورها القيادي العالمي في منطقة الشرق الاوسط وسواها من المناطق الملتهبة في العالم. والسؤال الذي يطرح نفسه هو، هل اعتكاف امريكا وعزوفها عن ممارسة الزعامة العالمية مفيد عالميا او حتى عربيا؟
هذا السؤال يحيلني الى عقد الثمانينيات من القرن الماضي، وعلى وجه التحديد منتصف عام 1982، اي بعد عام من صدور كتاب بول ايرديمان «الايام الاخيرة لامريكا»، ففي هذا الوقت قام مركز البحوث والمعلومات التابع لرئاسة الجمهورية في العراق، الذي كان يشرف عليه آنذاك نائب رئيس الوزراء طارق عزيز، بترجمة الكتاب وتوزيعه على عدد محدود من اعضاء القيادة العراقية، كما تم توزيعه على عدد من اعضاء النخب الفكرية العراقية؛ وبعد سنتين وربما أكثر، تم عقد عدة حلقات نقاشية محدودة، بعضها كان يحضرها طارق عزيز.. وكان دائما يتم تصوير هذه الحلقات النقاشية فيديويا.. وكان الاتجاه العام لهذه المناقشات يتفق مع ما يطرحه الكتاب من ان الولايات المتحدة ستنتهي كقوة عظمى وتنحدر عن قمة الهرم الدولي بحلول تسعينيات القرن العشرين.
ويبدو ان الاهتمام من جانب القيادة العراقية بهذا الكتاب متأت من ان مؤلفه سبق ان أصدر كتابا عام 1976 حمل عنوان CRASH 79» «، تحدث فيه المؤلف عن اجتياح ايراني للجانب الغربي من الخليج «الفارسي» من قبل شاه ايران، ابتداء من اجتياح البصرة، ويصف فيه المؤلف على نحو اقرب للدقة معارك شرق البصرة التي حدثت بالفعل بين عامي 1982 و1984. طبعا الكتاب ومؤلفه توقعا سقوط نظام الشاه وخسارة ايران للحرب، لكنه لم يتوقع صعود نظام الملالي للحكم في ايران بعد سقوط الشاه.
وبحسب مصدر كان يشتغل في المكتب الاعــــلامي للرئيـــس العراقي الاسبق صدام حســـين، ان الرئيس العراقي قرأ ترجمة كتاب بول ايريدمان التالي والصادر في امريكا عام 1981 THE LAST DAYS OF AMERICA»» في منتصف الثمانينيات، كما اطلع على الحلقات النقاشية التي عقدت بخصوص الكتاب. وبحسب المصدر نفسه فان الرئيس صدام ربما عاود قراءة الكتاب بعد ان وضعت الحرب العراقية الايرانية اوزارها بانتصار العراق في صيف 1988، ولكن المؤكد ان الرئيس صدام طلب من مكتبه الاعلامي مرة اخرى، اواخرعام 1989 الاطلاع على اشرطة الفيديو التي سجلت الحلقات النقاشية بخصوص الكتاب.
والسؤال الذي ظل يراودني منذ ان سمعت قصة اهتمام القيادة العراقية بهذا الكتاب، كما رواها لي المصدر الذي سبق ان عمل في مركز البحوث والمعلومات وفي مكتب الرئيس الاعلامي، هل لهذا الكتاب والاستنتاجات التي توصلت لها الحلقات النقاشية بشأنه، كانت وراء قرار صدام في اجتياح الكويت في صيف عام 1990، الذي جلب الويلات والدمار للعراق وللمنطقة؟ بالطبع لا احد يملك الاجابة. وبغض النظر عن غزو العراق للكويت والاسباب التي تقف وراء هذا القرار الكارثي، ما اردت قوله ان انحدار امريكا او انعزالها، بغض النظر عن انحدارها أو عدمه، ليس فيه مصلحة كبيرة للسلام العالمي ولا للسلام في المنطقة.
والقاء نظرة على أوضاع منطقة الشرق الاوسط الراهنة من افغانستان حتى ليبيا، مرورا بالعراق وسوريا واليمن ومصر والاراضي الفلسطينية، والمخاطر التي بات يطرحها تمدد «داعش» وتهديده للامن والسلم في اجزاء اخرى من المنطقة. هذه الاوضاع الدرامية في الشرق الاوسط والتوترات في اوروبا انطلاقا من التدخل الروسي في اوكرانيا، وما تشهده منطقة آسيا من تبادل اتهامات علنية بسبب سياسة النزوع الصيني للهيمنة الاقليمية، كل هذه الاوضاع الدولية وفي مناطق مختلفة من العالم تكشف بشكل جلي المخاطر العالمية والاقليمية للانحدار او الانعزال الامريكي.
بالمقابل ان سياسات الهيمنة التي مارستها امريكا، ربما تكون حاضرة في الاذهان؛ فالفظائع والجرائم التي ارتكبتها السياسة الامريكية بحق الكثير من شعوب العالم، ومن ضمنها الشعوب العربية، ولعل الحروب الاسرائيلية على العرب الممولة والمدعومة بالتسليح والسياسة من قبل امريكا، كافية للرد على السؤال المطروح، وكعراقي عانى ويلات الحصار وموت الاطفال من جرائه ومآسي حرب احتلال العراق واستخدام اليورانيوم المنضب في حرب 2003 ومن ثم ضد مدينة الفلوجة 2004، والاثار المتواصلة لهذا الاستخدام على الاجيال العراقية، ومن ثم خلق طبقة سياسية نفعية وجاهلة ومتخلفة لكي تتسلط على مقدرات شعبه ولترهنه لايران، يكفي استحضار صورها لجعل المرء يتمنى ازاحة امريكا عن دفة القيادة العالمية.. ولكن التحليل السياسي المجرد يمكن ان يقودنا الى وجهة أخرى. اذ ان وجود امريكا الان على دفة القيادة العالمية في خضم الاوضاع الراهنة دوليا واقليميا يصبح ضرورة. وهذه الاجابة ليست نتيجة اعراض مرضية كأعراض مرض استوكهولم، ولكنها نابعة من تحليل للاوضاع الاستراتيجية العالمية والاقليمية.
وللتوضيح أكثر لنتصور حال المنطقة لو لم تكن امريكا راغبة في نشر قواتها لطرد صدام حسين من الكويت، هل كان سيتوقف عند المحافظة 19، أم ربما كان العراق مع بداية القرن الواحد والعشرين سيصبح بمحافظات يبلغ عددها 25 تحت قيادة الامبراطور صدام حســين او احد ابنائه؟ ومرة أخرى ماذا كان سيحدث لو لم يتدخل الطيران الامريكي في قصف «داعش» في مناطق شمال العراق وغربه، كنا على الاقل رأينا المذابح والاستئصال الوحشي يتسع نطاقه ليشمل مناطق اخرى، ليس في العراق وسوريا فحسب، وهل كان يمكن ان يكون هناك تــحالف دولي او حشد اقليمي لمحاربة هذا التوحش.
في نهاية الشهر الماضي نشرت صحيفة «وول ستريت» مقالا لهنري كيسنجر حمل عنوان «تشكيل نظام عالمي جديد»، أشار فيه الى حاجة السياسة العالمية لتطوير نظام دولي ملائم للقرن الواحد والعشرين تلعب فيه امريكا دورا مسؤولا. وهذا الدور بحسب مستشار الامن القومي ووزير الخارجية في عهد الرئيسين نيكسون وفورد، يتطلب من امريكا ان تكون مستعدة للإجابة عن عدد من الأسئلة لنفسها: ما الذي تسعى إلى منعه، بغض النظر عن كيف يحدث ذلك، ووحدها إذا لزم الأمر؟ وما الذي تسعى إلى تحقيقة، حتى لو أنه لم يتلق دعماً من أي جهد متعدد الأطراف؟ وما الذي تسعى إلى تحقيقة، أو منع حدوثة، فقط إذا كان يحظى بدعم من تحالف؟ وما الذي لا ينبغي لها أن تنخرط فيه، حتى لو ان هناك حثا مشجعا على الانخراط من قبل مجموعة متعددة الأطراف أو تحالف؟ ما هي طبيعة القيم التي تسعى امريكا إلى تعزيزها؟ وكم سيعتمد تطبيق هذه القيم على الظروف؟ ويؤكد هنري كيسجر، أنه بالنسبة للولايات المتحدة، سوف يتطلب ذلك التفكير ان يجري على مستويين متعارضين ظاهرياً. ويحتاج الاحتفاء والتمسك بالمبادئ العالمية إلى أن يقترن باعتراف بواقع تواريخ المناطق الأخرى، وثقافاتها ووجهات نظرها تجاه أمنها. وأضاف انه يجب ان يجري تفحص لدروس العقود الصعبة، ويجب الاستمرار في تأكيد طابع أمريكا الاستثنائي. وفي النهاية أكد كيسنجر إن التاريخ لا يعرض أي وصفة للبلدان التي تهمش حسها بالهوية لصالح مسار يبدو أقل مشقة، لكنه لا يضمن أيضاً نجاح أكثر القناعات سمواً في غياب استراتيجية جيوسياسية شاملة.
وفي الختام نقول انه في عالم يسوده غياب آلية فعالة تتمكن بموجبها القوى العظمى من التشاور، وربما التعاون بشأن القضايا الأكثر ترابطاً على المستوى المنطقي، سيتجه العالم الى حالة من الفراغ القيادي، حيث تعمل كل دولة كبرى لذاتها، كما يؤكد ذلك إيان بريمرفي كتابه: «كل امة لنفسها – الرابحون والخاسرون في عالم قيادي صفري»، ستستمر السياسة العالمية في مرحلة مطولة من التحالفات والتحيزات غير الحاسمة أو غير المحددة، أو المختلطة أو المشوشة، في ما بين القوى الفاعلة إقليميا وعالميا على السواء، الى حين ان يتبلور فائزون قادرون على ممارسة الدور القيادي العالمي ومستعدون لتحمل تكاليفه. وفي مثل هذا العالم وفي ظل هذه المرحلة ستبقى هناك حاجة متزايدة لامريكا التي تبدو وحدها القادرة حتى الان على تحمل اعباء الزعامة وكلفتها، رغم ما يترتب على ذلك من ارتكاب حماقات امريكية جديدة.
٭ كاتب وصحافي عراقي
عصام فاهم العامري