المسابقات الأدبية العربية… ما بين الترويج وتصفية الحسابات

حجم الخط
0

بغداد ـ علي لفته سعيد: مع كل إعلان لنتائج أية مسابقة عربية ثقافية، شعرية كانت أم سردية، خاصة الروائية منها، ينقسم الشارع الثقافي العربي، فالبعض يعدها جوائز لها أيديولوجيات خاصة وأهداف غير معلنة، والبعض الآخر يراها جوائز مهمة لأنها تعطي دليل الاهتمام بالثقافة وما ينتجه الكُتّاب، والأخير يحتفظ بصمته أو يؤيد اسم صاحب الكتاب الفائز، أكثر من تأييده للكتاب نفسه. لهذا يمكن طرح السؤال التالي: فكيف يرى المثقف العربي هذه المسابقات وجوائزها، خاصة المشهور منها .. كالبوكر العربي وكتارا ونجيب محفوظ وغيرها؟

إشكالية المثقّف

يقول الناقد والكاتب التونسي وأستاذ الأدب المقارن في معهد كلود برنار في باريس حمد حاجي .. إنه من المرارة والظلم العظيم أن تتحصل على جائزة أو تحرم منها. لو ظنَّ القارئ أن جل النُّخب الفكرية والثقافية وكل مؤسسات المجتمع المدني الفكرية والثقافية والسياسية تعمل تحت أجندات استلاب وتغريب، وأن نخبنا وكتابنا يراقصون الاستعمار والخيانة ويتشاركون في أُلعوبة الاستهلاك، بفكر تحت الطلب وكتابة تحت الطلب وتبرير قناعة تحت الطلب ومعارضة ومولاة تحت الطلب. فالمثقف القادر على التأثير في شبكات مجتمعه المتعددة هو من نفذ إلى المشترك الإنساني واستنبط قيم المجتمع محدثة ونثر عنها غبار الأيديولوجيات والاستبداد والاستلاب، وإنه المثقف العضوي الذي يستحق أن تسند إليه الجوائز والتكريمات. فمن ناحية لم تعد هناك أسرار لا يعرف الكشفَ عنها غيرُه كمثقف عضوي، ولم تعد تحيط بروح العصر مشاكل لا يصلحها غير المثقف الرسالي، الذي سبقته إلى تحقيقها وسائط الاتصال الرقمية من إنترنت وتلفزيون فضائي، إنّه المثقف الباحث عن (ماهية الشفافية). ومن ناحية ثانية لم يعد يقنع الناس ذلك التمترس وراء الأنظمة، ذلك أن العالم أصبح مرئيَّا ومتاحا للمعرفة بضربة زرِّ. ويأتي المثقف العضوي فقط ليمازج بين عقلية الحشد وعقلية المثقف الهادف. فعلى المثقف ــ حسب حاجي ــ ألا ينظر إلى الجوائز على انها مآل لأنه يظل يرزح تحت أسئلة التغيير ومطلوبا للمساءلة ومدعوَّا إلى التوجيه، كونه الملهم للثائرين والمدافع عن اختيارات الشعوب بتحقيق مصيرها.

الترويج وتصفية الحسابات

ويرى الروائي الجزائري سمير قسيمي أنه علينا أن نتفق من البداية على أن الجوائز كمنظومة جديدة، التي دخلت حديثا إلى العالم العربي لا تحقق إلا أمرين: الرفاه المالي وفرصة ترويجية نادرة للأعمال المرشحة والفائزة بها. فهي بذلك لا تمثل معيارا حاسما في تقييم الأعمال الأدبية، خاصة حين تحتكم إلى لجان تحكيم مشكوك في قدرتها النقدية والإبداعية، على غرار ما حدث في أكثر من لجنة تحكيم. فأهم عمل تمت التضحية به كان «البيت الأزرق» للبناني عبده وازن قبل الطويلة والنجدي والساق على الساق في القصيرة. وأحيانا تتوفر فيها هذه القدرة، أي القدرة النقدية ولكن يرتاب في وفائها للمعايير الفنية، حين يتعلق الأمر بالعلاقات المتشابكة التي قد تربط المحكم ببعض الأسماء، أو الميول السياسية لبعضهم، على غرار ما حدث في أول دورة، حين فضّل محمد برادة «واحة الغروب» لبهاء طاهر على «مطر حزيران» لجبور الدويهي، التي لا يمكن حتى لناقد قليل الخبرة ألا يدرك أن هذه الأخيرة أهم وأعمق وأكثر فنية واحترافية، أو في الدورة السابقة حين تم إقصاء ممنهج وواضح، رغم نفي اللجنة لذلك لكل الأعمال التي كتبت ضد النظام السوري، أو حتى الأعمال التي رشحتها دار نشر لديها خلافات معينة مع أحد المحكمين.

أهواء اللجان وانحيازها

الروائي والقاص العراقي محمد علوان جبر يقول: إنه أمر يثير الكثير من اللغط، فمن متحمس للكتب الفائزة أو حتى التي تصل إلى قوائم طويلة أو قصيرة، وهناك الكثير ممن يقف بالضد من ترشح هذه الكتب. فالأمر يخضع للمزاج العام، وما يساهم في هذا التناقض بين القبول والرفض هو اللجان المشرفة على جوائز كبيرة عربية، وتحمل الكثير من الشهرة وما ترشحه من كتب لا تخضع إلى معايير الجمال، وأخص هنا الروايات التي ترشح إلى البوكر وكتارا، فأنا بالنسبة لي أراها منحازة وخاضعة لأجندات يعمل فيها الجانب الطائفي والسياسي كثيرا، فكم من الروايات لا تستحق أن تقرأ رشحت إلى جوائز عالمية ووصلت إلى القوائم الطويلة والقصيرة، وربما فاز بعضها بالجائزة؟ وكم من الروايات المهمة ركنت ولم تصل حتى إلى القوائم الطويلة؟! فتقييم الروايات لا يخضع لمستواها الفني لغة وشكلا ومضمونا، وبالتالي هي ليست مقياس جودة ورصانة ما يكتب، لكن الجوائز ستؤدي بالنتيجة إلى الكثير من الشهرة وإعادة طباعة الروايات الفائزة وترجمتها إلى لغات عالمية، كذلك الأمر يسري على باقي الفنون كالنقد والقصة والشعر.

ضربة الحظ

ويضيف القاص العراقي إبراهيم سبتي قائلاً .. الجوائز تخدم الأديب إعلاميا وسيُعرف في أغلب البلدان العربية، وبذلك حققت له انتشارا واسعا ومؤكدا واختصرت له المسافات. فمسابقات مثل البوكر العربية وكتارا وسواها هي حلم كل روائي عربي يطمح للانتشار عربيا، وهو حق مشروع وإلا كيف نفسر مشاركات الأدباء الكبار العرب فيها، في التحكيم أو في التنافس كروائيين؟ ويرى سبتي أن خلل تسويق المنشور في العراق أدى إلى اندثار الكثير من الأعمال الروائية والقصصية المتميزة فيلجأ الكاتب إلى المشاركة بالمسابقات التي تجري خارج الحدود، أو يرسلها إلى نقاد عرب بغية الكتابة عنها. لذا فالأديب الفائز في هذه المسابقات المهمة يصبح اسما معروفا ــ قبل عمله الإبداعي ــ فيطبع كتابه الفائز في أغلب دور النشر ويتداوله الوسط الثقافي العربي بشغف، وإنها أي المسابقات تحفز الكتاب الروائيين بشكل خاص نحو المشاركة وانتظار النتائج في لعبة حظ كبيرة تشارك فيها عدة عوامل، أهمها الأهداف غير المعروفة لأصحاب المسابقة، أيضا قوة النص وفرادته ومستوى الغرائبية التي يعشقها المحكمون، إضافة إلى لعبة اللغة المبهرة التي يبحثون عنها.

قواعد الفوز المعروفة

وتقول الروائية العراقية حنان المسعودي .. حين قررت الولوج إلى عالم الأدب واحتراف صنعة الكتابة وضعت الجوائز نصب عيني أولا، لأنها الطريق الأمثل للشهرة وللوصول إلى القراء. فأخذت أقرأ الروايات المحظوظة تلك بشغف وتركيز لا متناه، وصل إلى حد الهوس بكل الروايات الفائزة خلال السنوات العشر الأخيرة.
ولا أبالغ حين أقول بأنني دونت بعض الأفكار حول بنية الرواية المرشحة للفوز، وعقدت العزم على تغيير أسلوبي الأدبي بما يتلاءم وذلك، فكانت رواية «ساق البامبو» و«القندس» و«مديح الكراهية» و«فرانكشتاين في بغداد» هي مثلي الأعلى بلا منازع. وتمضي بقولها لقد صدمت بالواقع وأدركت أن الترشح للفوز، بل الفوز في حد ذاته يتطلب شروطا معينة غير معلنة، تشمل العلاقة بين الكاتب ودور النشر والضجة الإعلامية التي تحيط بالكاتب قبل الفوز ومدى انتشاره في وسائل التواصل الإعلامي، ناهيك عن بعض الشروط الأخرى التي تتعلق بالبناء السردي للرواية بحد ذاتها، وتبين أنه لا يخفى على أي أحد أن شروط الفوز تتضمن التطرق إلى إحدى حملات الجينوسايد المعروفة والجنس المحرم والزندقة المعلنة، بالإضافة إلى المبالغة في إبراز الخصائص البشعة المتواجدة في المجتمع العربي والتركيز عليها، لكأن الرواية الفائزة ستكون بهذه الحالة ملحمة تأريخية تمجد بشاعة الدول العربية وفشل منظوماتها السياسية والدينية والقبلية. لا أبالغ حين أقول بأن الجوائز في الوقت الحالي هي مكافأة للكاتب على زج الكثير من الكذب والبشاعة بين أوراق الرواية، ولهذا فقد الكاتب العربي ثقته بالجوائز بشكل كامل وبات يتعامل مع الموضوع بترفع لأنه لم يعد يستحق المحاولة.

المشاركة رغم التواطؤ

القاص والروائي الليبي محمد مفتاح الزروق، يقول كلما اطلعت على النصوص الفائزة اتفاجأ بالاختلاف الفني الكبير بينها، ولذا لم أفهم حقيقة السبب غير أنني بعد فترة لاحظت أن هذا الأمر ينطبق على كل الجوائز الأخرى.. ويرى أن لهذا الأمر أحد تفسيرين لا ثالث لها .. إما أن هذه الجوائز تعطى بتواطؤ أو بتآمر بين الناشرين ولجان الجائزة، وهو في الغالب الأقرب إلى الصواب، أو أن الرواية التي تتبنى فكرا قريبا من توجه أصحاب الجوائز هي التي تفوز بغية الترويج لهذا الفكر. لكنه يستدرك أيضا بقوله إنه رغم عدم ثقتنا الكاملة في الجوائز لكننا نشترك فيها، لأن لها أهمية في الحافزين المادي والمعنوي، مثلما تتيح الفرصة لإثراء المكتبات العربية بكتابات من نوع جيد، فخلو الساحة من الجوائز شبيه بأن يتدرب أشخاص على لعب كرة القدم بدون أن يحتكوا في مباريات أو دوري منظم، ووجود التآمر والتواطؤ في مسابقات الكرة لا يمنعان من أن يتمتع المتفرج أو المتلقي بمهارات اللاعب/الكاتب؟، هكذا أراها.

الأهمية رغم عدم الثقة

الناقدة الجزائرية رشيدة كلاع قالت .. تشجيع هذه الأعمال وتقييمها واحد من السبل التي تثري الإبداع والمنافسة بين الكتاب والأدباء، كما أنها تشعر الأديب بقيمة ما يكتب، وكذا بدوره الفاعل في الحركة الثقافية لبلده وللوطن العربي.
فالجوائز الأدبية على اختلافها، والجهات التي ترعاها وتدعمها، مهمة جدا للحركة الأدبية وللأديب على السواء، رغم بعض التجاوزات الحاصلة هنا وهناك، والتي تقف أحيانا وراء عدم ثقة بعض الكتاب في نزاهتها. إذ يرون أن أسماء الفائزين بها تكون معروفة سلفا، بفعل الفساد وسطوة أصحاب رؤوس الأموال. من ثم بخس العديد من الأسماء حقها في الظهور والتتويج رغم تميّزها ورقي إبداعها. فالجوائز مهمة وذات قيمة معنوية كبيرة للأديب والناقد في الآن ذاته، إضافة إلى قيمتها المالية التي تساعده على مواصلة الإبداع والعيش الكريم.
في ظل واقع يعرف تردٍ في سوق الأدب وتراجع المقبلين على الاستثمار فيه. وتضيف كما أنّ تنوّيع الأجناس الأدبية التي تمنح لها الجوائز وعدم قصرها على فن الرواية صار ضرورة ملحة، تشجيعا للكتاب والأدباء في مختلف المجالات.
كما ينبغي تخصيص جانب من هذه الجوائز للأعمال المغمورة والأسماء الجديدة وغير المعروفة في شتى أصناف الأدب، إسهاما في دعمهم ومنحهم الثقة، وأيضا في الكشف عن مبدعين كبار لم تسنح لهم الفرصة في إظهار تفوقهم.

المسابقات الأدبية العربية… ما بين الترويج وتصفية الحسابات

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية