ما زالت مسألة المساواة في الميراث بين الجنسين، التي تحدث عنها رئيس الجمهورية التونسية الباجي قائد السبسي، بمناسبة العيد الوطني للمرأة الذي يتزامن مع ذكرى إصدار قانون الأحوال الشخصية الذي منح الكثير من الحقوق للمرأة، تثير الكثير من ردود الأفعال في تونس. وامتد الجدل بشأنها ليشمل عددا من بلدان العالمين العربي والإسلامي لأن المسألة تعتبر شرعا من «حدود الله التي لا تقربوها».
والحقيقة هي إن ما حصل لا يعدو أن يكون إثارة لنقاش من قبل الرئيس حول مسألة محسومة لدى البعض وخلافية لدى البعض الآخر، ولم يتغير شيء على أرض الواقع في تونس منذ ذلك الخطاب الشهير، وما زال «ذكر الخضراء» يرث مثل حظ الأنثيين. وبالتالي فإن سيل الشتائم الذي طال التونسيين من قبل أشقائهم مشرقا ومغربا، في منابر إعلامية وعلى مواقع التواصل الاجتماعي ووصل إلى حد التجريح وإباحة سفك الدم لدى بعض الغلاة، إضافة إلى القذف والمس بالأعراض لشعب برمته، وأيضا ذلك الجدل العقيم الصادر عن مؤسسات دينية «عريقة» يبدو بلا مبرر، خاصة وأن أغلب الذين أدلوا بدلوهم لم يبحروا في علوم الدين أو بذلوا جهدا لاستجلاء حقيقة ما يحصل في تونس.
استعادة الثقة
ويرى محللون أن غاية الباجي قائد السبسي من وراء إثارة هذه المسألة الخلافية، وفي هذا التوقيت، هي كسب الأصوات النسائية في الانتخابات الرئاسية المقبلة التي ستجرى في 2019 رغم أن ترشحه وخلافة نفسه يبقى بين الشك واليقين. فأغلب المصوتين للباجي في انتخابات 2014 من النساء اللواتي كن يخشين من فقدان المكاسب التي تحققت لهن مع دولة الاستقلال بصدور مدونة الأحوال الشخصية التي ملأت الدنيا وشغلت الناس في زمنها أواسط القرن العشرين.
والحقيقة أن ثقة المرأة التونسية «الحداثية» في السبسي قد تزعزعت في الآونة الأخيرة بعد أن تحالف مع حركة النهضة في إطار ما عرف بـ»توافق الشيخين». وبالتالي كان لزاما على رئيس الجمهورية، وحسب تحليلات، أن يبحث عن حل لاستعادة ثقة جماهيره التي يستمد منها قوته والتي لولاها لما كان اليوم في قرطاج حاكما بأمره.
وبدا للبعض أيضا أن مستشاري الرئيس والمحيطين به من أبناء اليسار مثل سعيدة قراش ونور الدين بن تيشة كان لهم دور بارز في حث الباجي على إثارة هذا الموضوع في خطابه المشار إليه. ويتوقع محللون أن يستمر الضغط على الرئيس إلى ان يتحقق الأمر وتصبح المساواة في الميراث بين الإناث والذكور أمرا واقعا تطبيقا لما جاء في دستور تونس الجديد الذي أكد على ضرورة المساواة بين الجنسين.
ضغوط خارجية
ويذهب البعض أيضا إلى اعتبار أن الباجي قائد السبسي غير جاد في إقرار المساواة في الميراث، وكل ما في الأمر أنه، ومن خلال إثارة المسألة في خطابه، قام بامتصاص ضغوط خارجية تدفع تونس في اتجاه إقرار المساواة في الميراث وأشياء أخرى. واختلف المحللون بشأن هذه الأطراف، فالبعض يتحدث عن الاتحاد الأوروبي فيما يتحدث آخرون عن صندوق النقد الدولي والولايات المتحدة الأمريكية والذين يشترطون على تونس أن تقوم بجملة من «الإصلاحات» لمساعدتها اقتصاديا.
ولعل ما يدعم هذا الطرح هو دعوة الرئيس إلى تشكيل لجنة للنظر في مسألة المساواة تلك تضم خبراء من مختلف الميادين، ولا أحد يعلم هل ستتشكل هذه اللجنة أم لا، ومن المرجح لدى البعض أنها لن تتشكل. وإذا تشكلت قد يدوم عملها إلى ما لا نهاية في الزمن، وقد لا تصل إلى أي نتيجة وتبقى دار لقمان على حالها، ينال فيها الذكر مثل حظ الأنثيين شرعا وقانونا.
لقد دأبت الطبقة السياسية في تونس على التنصل من الالتزامات بتفويض الأمور إلى لجان تُجهز على الملفات موضوع النظر وتجبر القائمين عليها على إيداعها رفوف النسيان. فكم من لجنة تحقيق تشكلت لتقبر معها ملفات على درجة كبيرة من الأهمية وذلك مثل لجنة التحقيق في موضوع ما يسمى «الرش في سليانة» ولجنة التحقيق في أحداث 9 نيسان/أبريل 2012 والقائمة طويلة في هذا المجال لأن اللجان كثيرة والنتائج لا وجود لها.
إحراج النهضة
ويذهب آخرون إلى اعتبار أن الغاية من إثارة مسألة المساواة في الميراث وفي هذا الوقت بالذات هي إحراج حركة النهضة محليا وخارجيا وذلك مباشرة بعد الحوار التلفزيوني الذي ظهر فيه رئيس حركة النهضة راشد الغنوشي يرتدي ربطة عنق وبدلة عصرية. حيث اتفق كثير من المحللين على أن الغنوشي أراد من خلال ذلك الحوار أن يبعث برسالة إلى الغرب مفادها أنه وحزبه يسيران في الخط الحداثي الذي يريدونه لهم.
لقد وجدت النهضة نفسها وبالفعل في موقف لا تحسد عليه بعد خطاب المساواة في الميراث، فإن هي قبلت بما جاء على لسان حليفها الباجي فستواجه غضب القواعد الممتعضة من سلوك قياداتها. وإن هي رفضت فستظهر أمام الرأي العام الغربي والدوائر التي تهتم بما يحصل في تونس بمظهر الحزب الراديكالي المحافظ غير المواكب للعصر وللتحولات التي شهدتها البشرية في القرون الأخيرة. وسواء تعلق الأمر برضوخ لضغوط المستشارين اليساريين في قصر قرطاج أو لغايات انتخابية واستعادة ثقة المرأة في الرئيس، أو تنصلا من ضغوط خارجية، أو حتى للتغطية على الأزمة الاقتصادية وتراجع سعر صرف الدينار، فإن إثارة مسألة المساواة في الميراث في هذا الوقت والجدل الكبير الذي حصل بشأنها هو زوبعة في فنجان حتى وإن توسع الجدل ليشمل بلدان العالمين العربي والإسلامي. فما يعني عموم التونسيين اليوم، وبعيدا عن المثقفين ونخب الصالونات ومن لا يتزحزحون عن الأبراج العاجية، هو تحسين أوضاعهم الاقتصادية والاجتماعية والخروج بهم من الأزمة التي طالت مختلف المجالات.
ماجد البرهومي