المساومة في علاقة الدين بالسياسة

في السياسة، المساومة هي معادلة بين طرفين، لكنها معادلة من نوع خاص، لا تخضع لقواعد وقوانين المنطق الرياضي، والتي بموجبها واحد + واحد= إثنين، بينما في المساومة واحد + واحد = واحد ونصف..!! وذلك، لأنها أخذ وعطاء، وتفرز مكسبا للطرفين، رغم أنه أقل من المأمول أو المطلوب لأي منهما. وفي نفس الوقت الذي تحقق فيه المساومة ربحا لطرفين، حزبين مثلا، يمكن أن تسبب خسارة لطرف ثالث، الوطن مثلا. فإنفصال جنوب السودان هو خسارة فادحة للوطن، لكنه ربما شكل مكسبا للنخب الحاكمة في الشمال وفي الجنوب من حيث إستمرارها في السلطة ولو إلى حين!
ومن جانب آخر، إذا بنيت المساومة على أساس أن أيا من الطرفين المتفاوضين جاء ليفهم الآخر، وفي ذهنه المكسب لكل الأطراف، وإعلاء المصلحة العامة، والتفكير في بديل ثالث وليس الانتصار لأطروحته، سيحدث التغيير، في حين إذا تبنى أي منهما منهج المناورة والإلتفاف والإنقضاض اللاحق على الطرف الآخر، ستكون النتيجة هي التقاطع. وفي حالة الوطن فإن المساومة المطلوبة هي بناء الوحدة في اطار التعدد والتنوع، مع التشديد على أن الوحدة هنا لا تعني الإندماج أو التماهي في الآخر، كما لا تعني النمطية. والوصول إلى مساومة ناجحة يتطلب الإستعداد لإجتياز طريق طويل وشاق ومليء بالمنعرجات والمطبات، وتتصارع فيه دوافع مختلفة ومتضادات متنوعة، مثل الرغبة في الانتقام، استخدام الخداع السياسي، حماية الظهر، المصلحة الخاصة…الخ.
وإذا كانت القوى السياسية جميعها قلبها على الوطن، كما تقول، وتمتلك جميعها قدرا من الخبرات والذكاء السياسي، كما نعتقد، فالمنطقي أن يحترم كل منها وجهة نظر الآخر التي لا يتفق معها. لأن كل حزب، بالضرورة لديه مرجعية فكرية ورؤية منهجية مختلفة. والجوهري المطلوب هو البحث عن المشترك في هذه الرؤى والمرجعيات من أجل المصلحة العامة، وهذا يتطلب التنازل والمساومة في مواجهة فكرة التمترس للدفاع عن الرؤية الخاصة والمصلحة الضيقة. فمثلا، بالنسبة لعلاقة الدين بالسياسة لابد من إخضاع الخيارين المصطرعين، دولة التوجه الإسلامي مقابل الدولة المدنية الديمقراطية، لمبدأ المساومة. وشخصيا لن أمل تكرار القول بأن العقبة الكبرى أمام إستمرار السودان الموحد كانت إصرار الحزب الحاكم على إدغام الدين والسياسة، بينما الحركة الشعبية لتحرير السودان كانت تصر على الفصل بينهما، متفقة في ذلك مع سائر القوى السياسية الأخرى. وكثيرا ما سمعنا كوادر الحزب الحاكم تدعو للتضحية بالجنوب في سبيل بقاء دولة الشريعة!!. ودعوتنا لفصل الدين عن السياسة لا تعني عدم احترامنا لمن يحمل وجهة النظر الأخرى، ولا تعني أن نطلب منه إسقاط غطائه الأيديولوجي المرتبط بالإسلام. بل، كل ما نطلبه منه التوافق معنا على أفضل صيغة تحقق قبول التعايش مع الآخر الذي يتبنى غطاء مخالفا، ما دمنا نود العيش معا في كيان واحد. بمعنى أننا نطالب بمعالجة قضية الدين والسياسة وفق مساومة تاريخية لا تتجاهل دعاة الخيار الديني مثلما لا تتجاهل دعاة الدولة المدنية.
مساومة تنطلق من حقيقة أن السودان بلد متعدد الديانات والمعتقدات، أغلبية مسلمة ومسيحيون ومعتقدات أفريقية، مع التشديد على أن المعتقدات لا تخضع لمعيار الأغلبية والأقلية. ومن هنا شرط التسامح واحترام المعتقدات كمقدمة للمساواة في المواطنة وحرية العقيدة والضمير، بصرف النظر عن المعتقد الديني، ومن هنا أيضا شرط إقرار حقيقة أن الدين يشكل مكونا رئيسيا في فكر ووجدان شعب السودان، ومن ثم رفض كل دعوة تنسخ أو تستصغر دوره في حياة الفرد وفي تماسك لحمة المجتمع وقيمه الروحية والأخلاقية وثقافته وحضارته.
ومن هنا كذلك شرط ضمان الحقوق والحريات الأساسية السياسية والمدنية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية وضمان حقوق الإنسان المنصوص عليها في المواثيق الدولية. ومن هنا أيضا شرط الإلتزام بأن تعتبر المواثيق والعهود الدولية المعنية بحقوق الإنسان جزءاً لا يتجزأ من القوانين السودانية ويبطل أي قانون يصدر مخالفاً لها ويعتبر غير دستوري.
ومن هنا شرط سيادة حكم القانون واستقلال القضاء، وأن يكفل القانون المساواة الكاملة بين المواطنين تأسيسا على حق المواطنة واحترام المعتقدات وعدم التمييز بين المواطنين بسبب الدين أو العرق أو الجنس أو الثقافة، وأن يبطل أي قانون يصدر مخالفا لذلك ويعتبر غير دستوري. ومن هنا شرط كفالة حرية البحث العلمي والفلسفي وحق الاجتهاد الديني. وأعتقد أنه وفق هذه الشروط والمبادئ، وفي إطار منهج المساومة التاريخية، يمكن أن تتسع الاجتهادات لكي تشمل مصادر التشريع الدين والعرف مع عطاء الفكر الإنساني وسوابق القضاء السوداني.
أخيرا، أعتقد أن أي عاقل لا يمكن أن يدعو لرمي أصحاب الخيار الإسلامي في البحر، كما لا نشترط نبذهم لايديولوجيتهم حتى يتم الجلوس والتوافق معهم. فمؤتمرات الحوار والتفاوض لا تعني إلغاء الآخر وإنما تفعيل آلية التسوية والتنازل لصالح الحفاظ على الوطن. وبالضرورة الإشارة إلى أن التسوية لا تعني التغاضي عن جرائم انتهاك حقوق الانسان وجرائم الفساد وهدر موارد الدولة، وبذات القدر، فإن عدم التغاضي هذا لا يعني الانتقام والثأر، ولنا في تجربة جنوب أفريقيا قدوة.
إن أي مؤتمر أو إجتماع أو ميثاق أو تعاهد أو اتفاق، أو أي جهد مشترك للقوى السياسية السودانية لا يناقش هذا الموضوع بكل موضوعية وشفافية لن يكون ذا جدوى فيما يتعلق بقضية مستقبل البلاد.
ومرة أخرى أكرر ما صرح به الراحل جون قرنق مباشرة عقب التوقيع على مقررات مؤتمر أسمرا (1995) والتي تضمنت إتفاقا حول فصل الدين عن السياسة شارك في صياغته والتوقيع عليه قادة لا يمكن المزايدة على إنتمائهم للخيار الإسلامي، مثل السيد محمد عثمان الميرغني والسيد الصادق المهدي، حيث قال الراحل قرنق بالحرف الواحد: «الآن فقط يمكن القول بإمكانية توقف الحرب والحفاظ على السودان موحدا».

٭ كاتب سوداني

المساومة في علاقة الدين بالسياسة

د. الشفيع خضر سعيد

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية