المستبد العادل

حجم الخط
0

إن مسيرة الشعوب ونجاحها ليس رهنا باختيار نظام سياسي دون غيره، كأنه المقدس والقدر الذي ليس لنا عنه محيد.
إن خصوصية كل امة، تختلف عن خصوصيات وتجارب الأمم الأخرى. فالتجربة الآسيوية مثلا في شقها الشيوعي، نجحت بفضل ديكتاتور عادل. ولم تكن الديمقراطية هي الحل الذي قادها إلى معترك الحضارة، والظفر بالنجاحات السياسية والاقتصادية، وبلوغ مستوى حضاري متقدم، بل كان النظام الاشتراكي الدكتاتوري هو الذي مكنها من ولوج موقع متقدم في الترتيب الدولي اقتصاديا وسياسيا. كما ان تجارب أخرى كتجربة اليابان وكوريا اللتين اختطتا مسيرتهما المخالفة مستفيدتين من تاريخهما السياسي ومنجزات الاختيارات السياسية المختلفة، تفيدنا في فهم ان النظام الديمقراطي بمفهومه الغربي ليس قدرا ولا مقدسا.
مشكلتنا كأمة عربية، لا تتعلق بنوعية النظام الذي نختاره. هل يجب ان ندعم أسس الديمقراطية؟ ام هل نحن في حاجة إلى مستبد عادل؟
كيفية الاستفادة من مختلف التجارب الإنسانية، والارتكاز إلى مرجعيتنا التاريخية، والاعتماد على العنصر البشري، ضمانة أي اختيار سياسي لإنجاحه، والسير بالأمة قدما إلى الامام.
ان النظام، أي نظام له مزاياه وعيوبه. فالديمقراطية تحقق نوعا من الحريات وتسمح للمواطن بالاختيار والمشاركة، وفرض شروط سياسية وحقوقية اساسا، متى تخلت النخب عن امتيازاتها، واستطاع المواطن من التوغل في الحياة السياسية، وفرض صوته وموقفه.
عيوب الديمقراطية تتحدد في انها لا توافق كليا المجتمعات المتخلفة والمهمشة. لأن مستوى الوعي لدينا متدن، والوضع الاجتماعي المعيشي مختل. امران لا يمكن ان تستقيم بوجودهما الاختيارات الديمقراطية.
إن الوضع في مجتمعاتنا العربية لا تزيده الديمقراطية، رغم وجهها المشرق والبراق الا تعقيدا. خاصة وأننا محكومون بالانقياد لتوجيهات الدول الكبرى، التي تغرقنا في القروض والمبادلات التجارية غير المتوازنة، منساقون لمنطق الغلبة والتحكم.
قد يكون مستبد عادل، له المرونة الكافية للدخول بجدارة معترك الحياة الدولية، بدبلوماسية ونجاعة في البرامج والتصور ات والتعاملات، أفضل من ديمقراطي فاشل، لا يتحرك الا بقواعد مضبوطة، تديرها دواليب الدول الكبرى، والشركات العالمية العملاقة المبثوثة عبر القارات، والتي تتحكم في مسيرة البشر.
لمجابهة التخلف هناك حاجة ماسة إلى الجرأة السياسية أولا، إلى النجاعة الدبلوماسية ثانيا، إلى الروح الوطنية العالية ثالثا، إلى القدرة على اتخاد القرار المناسب في الوقت المناسب، إلى التضحية الكافية بمصالح الأقلية من اجل المصلحة العامة، مع نضج عال في التدبير والاقناع.
يبدو نظريا ان الأمر في المتناول. وان اتباع اختيار معين، قد يقودنا إلى الهدف المنشود. هناك خيوط متعددة تتحكم في اللعبة على المستوى العملي. فالمجال السياسي عالم معقد ومتشابك، ومؤسس على صراع المصالح والمواقع والنفوذ. قد يحصل الخلط والتشابك في اختيارات بعينها دون سواها، وتعيش الأمم حينها حالات من التأزم والتقزيم، عوض التقدم والتطور، حسب نوعية التجربة وخصوصيتها.
أتصور أن الجمهور المغلوب والمتخلف، في حاجة إلى مستبد عادل، يأخذ بزمام الأمور، ويقوده قدر الإمكان نحو الحرية والتقدم متى كانت المصداقية والقدرة على اتخاد القرار السياسي المناسب، في الفترة التاريخية المحددة والدقيقة.
إن الديمقراطية كمشروع تاريخي انساني ، تفرض علينا سياقها. ونحن مدركون بقواعدها ومزاياها، ومدى قدرتها على المساهمة في حل إشكالات الحقوق والمواطنة. غير أن الشق المتعلق بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية في أوطاننا المتخلفة، قد يحتاج صيغا أخرى مخالفة حينا، مغذية وموازية احيانا.
اصلاح المجتمعات رهن برجالات صادقين، يقدمون مصلحة الأوطان والأمم على المصالح الشخصية والفئوية، ويتحملون وزر الصعوبات المرافقة للاختيارات الشعبية.

كاتب من المغرب

المستبد العادل

منصف بندحمان

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية