تواجه الرّواية الفلسطينية المعاصرة عدداً من التّحديات التي تتمثل بخلق مسارات كتابة جديدة، أو بعبارة أخرى البحث عن خطاب جديد للتعبير عن أزمة الوجود الفلسطيني، وتحديداً في ضوء المتغيرات التي يشهدها العالم العربي، بدءاً من تسعينيات القرن الماضي إلى يومنا هذا، الذي تغلفه خيبات الأمل والاضطراب على أكثر من مستوى. هذا الوضع انعكس على المسألة الفلسطينية التي باتت معلقة نتيجة غياب مشروع وطني فلسطيني للتحرر، بالتراصف مع تفتت الحاضنة العربية، ما اضطر الفلسطينيون للجوء إلى أنساق من الارتجال للتعامل مع واقعهم الجديد، فرؤية الفلسطيني لذاته أصابها الغموض، وهذا بدوره انتقل إلى الوعي الفلسطيني، سواء في الأوطان المنتقصة، أو المتآكلة، أو في الشتات. فالاكتمال أضحى نمطا غير متوفر في تشكيل واقع الإنسان الفلسطيني الذي تتنازعه جغرافيات مستضيفة، أو أوطان مستعارة طارئة، بالتجاور مع يعانيه فلسطينيو الداخل من الانقسام، بالإضافة إلى زمن توارى فيه الكثير من الاتجاهات الفكرية التي طالما تبنت المسألة الفلسطينية كالقومية، والناصرية والشيوعية. فمع انهيار جدار برلين، وحرب الخليج، واتفاقية أوسلو، وسقوط بغداد باتت المشكلة الفلسطينية لصيقة بالذات الفلسطينية، هذا المنحى تعزز في زمن الربيع العربي، الذي انبثق حدثاً عفوياً، غير أنه كان من أكثر الأحداث التي استثمرت لوجهة غير التي كانت تبتغيها.
هذا النسق يدفعني للتساؤل عن مدى مساهمة الرواية الفلسطينية في التعبير عن أزمتها من ناحية، ومن ناحية أخرى في قدرتها للتعبير عن أزمة الفلسطيني بوجوده الفيزيائي والفلسفي، وتحديداً في ظل مزاج عربي تخلى عن القضية الفلسطينية بوصفها قضيته المركزية الأولى، فضلاً عن انحسار الموقف الأخلاقي القائم على الوفاء لقيم العدالة الإنسانية، ناهيك عن العوامل الدينية والقومية والتاريخية. ما من شك في أن انكفاء التيارات اليسارية قد أسهم بتراجع القضية الفلسطينية التي طالما نظر لها بوصفها مشروعا للممارسة التي تعكس جانباً من ترجمة ذلك الفكر، فبغياب تلك التيارات تراجعت محورية الأزمة، ومعها الرواية بطابعها اليساري والثوري؛ ولهذا باتت الرواية تواجه تحولا يتغذى من معطيات أزمة العقل العربي في تشظيه بين مفرزات ما بعد الحداثة، ونوستالجيا مثالية. من هنا ينبغي أن نتساءل عن مستقبل الرواية الفلسطينية التي تأسست على أعمال عدد من الروائيين الفلسطينيين كسميرة عزام، وغسان كنفاني، وإميل حبيبي، وجبرا إبراهيم جبرا، وغيرهم!
ما زالت الرواية الفلسطينية تحتفظ بأسماء روائيين على قدر كبير من الأهمية لكونهم قد نجحوا في خلق نسق متمم لأعمال جبرا وكنفاني وحبيبي، وهذا يعلل أن معظمهم قد خبر تداعيات المأساة الفلسطينية، ولقرب عهدهم بالتيارات اليسارية والقومية والثورية، ومنهم على سبيل المثال لا الحصر يحيى يخلف، ورشاد أبو شاور، وإبراهيم نصر الله، وجمال ناجي، وليلى الأطرش، وسحر خليفة، وربعي المدهون، وغيرهم، مع الإشارة إلى أن هذا الجيل نجح بصورة أو بأخرى في تشكيل الوعي الفلسطيني سردياً، ولكن عبر مقاربات حملت الكثير من المستويات والتقنيات التي كفلت خلق رواية فلسطينية مائزة، ما يعني تحقق نسق الاستمرار لا القطيعة مع أعمال الجيل الذي سبقهم.
تساؤلنا يتأتى من اختبار شكل الرواية الفلسطينية حاضراً ومستقبلاً، وهذا يتعلق بتجربة الروائيين الشباب، ومدى قدرتهم على التعبير عن مستويات أزمة الفلسطيني، ضمن مقولات تستند إلى ثيمات لا تقتات على إعادة سرد النكبة، وتكريس فكرة المقاومة، إنما يجب أن يتجاوز ذلك للتعبير عن الشتات، والهجنة، وقضية المرأة، واختبار تحولات الأرض والإنسان الفلسطيني في سياقات ما بعد حداثية، أي في أبعاد مجتمعية، وجيوسياسية بالغة التعقيد. لا ريب في أن بعض أعمال حزامة حبايب، وأنور حامد، وتيسير خلف، وسامية عيسى، وعارف الحسيني، وسوزان أبو الهوى، ورولا جبريل، وعاطف أبو سيف، وغيرهم تنطوي على شيء مما سبق، ولكن ما يعنيني هنا مدى قدرة الكتاب الجدد على استكمال ما بدأته الرواية الفلسطينية انطلاقاً من مأساة النكبة، ورحلة اللجوء، وصدمة النكسة، وغير ذلك من المحطات التي تخللت التاريخ الفلسطيني، وشكلت زاداً للرواية الفلسطينية التي أتت بوصفها نسقا من الإبداع الذي يخضع لمنطق الاكتشاف والتجريب والملاءمة بين نص مثقل بالهموم، ونص رشيق يتسم بقدر من الجمالي، فضلاً عن التقنيات القادرة على الإسهام في تشكيل وعي الرواية بشكلها، بل النهوض بالرواية العربية ودفعها إلى التفوق عبر استحداث أنماط وتقنيات سردية متطورة إلى حد ما، وهذا يتبدى بوضوح في «البحث عن وليد مسعود» لجبرا إبراهيم جبرا، و»المتشائل» لأميل حبيبي.
هذا التساؤل يقودنا إلى قراءة مسؤولية الكتابة الفلسطينية الجديدة، في ما يتعلق بالقدرة على تخليق نص روائي يستند إلى تقاليد كتابية مغايرة، أو عبر اجتراح تقنية كتابية متطورة، لا يعوزها الوعي، والنضوج الجمالي، ولكن هذا لا بد أن يتحقق بالتزامن مع تحولات ومتغيرات حاضر متسارع يتكئ على الصورة، وقنوات من التعبير تكاد تستهلك الكثير من مثيرات المتلقي ووعيه، إن تساؤلاتي مفتوحة على قدر كبير من استطلاع المشهد الروائي الفلسطيني الذي لا يعاني على المستوى الكمي، فكثير من الروايات تصدر من قبل كُتاب يعتقدون بقدرتهم على خلق ذواتهم في نصوص تقتات على معطيات عاطفية الموضوع الفلسطيني، وهذا يعني المراهنة على دفء وجاذبية الجرح الفلسطيني للقارئ العربي، ولكن على ما يبدو، فإن هذا القارئ أصبح غير معني كونه منشغلاً بهمومه الداخلية، فقارئ الرواية اليوم غير قارئ الخمسينيات، فمع نهاية التسعينيات لم تعد اللغة وجماليتها مطلبا ً، كما أن حيل الرواية، ومصادر التجريب تورات في أفق الكتابة، أما على مستوى الظرف التاريخي، فإن القضية الفلسطينية لم تعد محوراً في منظور العقل العربي، ولاسيما في ظل انتهاك مقولة القومية العربية.
إننا إزاء عالم مختلف، فنحن لا نؤمن بتوفر قراء يُعنون بالقيمة العاطفية للوجود الفلسطيني، ومقولات التحرر والمقاومة وغيرها، فالمزاج العام للمتلقي قد تعرض للتحول في ظلال انهيار منظومة التيارات الأيديولوجية، وتشتت الوعي الجمعي نتيجة تعالي خطابات دينية تستنهض نموذج مثالية الإسلامي، عدا عن إفلاس مفهوم الهوية الوطنية نتيجة بروز مصالح فئوية ودينية وطائفية، أو الارتهان لمشاريع سياسية خارجية، فضلاً عن تشظي مفهوم التعبير في ظلال النصوص التفاعلية، وقيمها التعبيرية التي أسهمت في فقدان التنظير الفكري الصلد، نظراً لهيمنة اختلاط فضاءات التعبير التي تكاد لا تنطوي في دواخلها على أي قيمة فكرية، أو مشروع، ولا سيما مع غياب المثقف، وتخليه عن دوره، وبذلك، فقد أصبحنا معرضين لكل ما هو زائف أو مضلل، هذا يحتم على الرواية تحديات غير مسبوقة، كما يجعل بعض أنساقها الحالية غير مجدية، ما لم تجد الصيغة السردية القادرة على تكوين سند تواثقي، أو تنافذي بين الرواية والقارئ.
لا ريب أن الرواية الفلسطينية المعاصرة تتغذى على إرث كبير من أعمال كل من غسان كنفاني، وجبرا إبراهيم جبرا، وإميل حبيبي، ويحيى يخلف، وسحر خليفة، وليلى الأطرش، ورشاد أبو شاور وغيرهم، فكما يلاحظ فإن روايات هذين الجيلين جاءت أقرب إلى أعمال مركزية أو لكونها معينا لمقولات إنسانية، باتت تمثل نسقاً للسردية الفلسطينية الكلاسيكية التي ما فتئت تعني حدا فاصلاً بين عالمين.
لا شك في أن الأسماء السالفة قد خطت خريطة الرواية الفلسطينية، وجعلتها من أكثر الروايات العربية إثارة للبحث والجدل، إن كان على مستوى البنية أو المضامين، فأعمال جيلين من الروائيين الفلسطينيين بدت أشبه بحلقتين متصلتين، فأعمال رشاد أبو شاور اقتربت بشكل عميق من يوميات الفلسطيني، وقسوة الحرب بالتجاور مع أعمال يحيى يخلف الذي انزاح بالإنسان الفلسطيني عن تمركزه الجغرافي بوصفه كائنا ينزع إلى عوالم تعيد صوغ تكوينه، كما روايات إبراهيم نصر الله التي أتت لتضيء سرديات الفلسطيني في فضاءات زمكانية، وكذلك جمال ناجي وسائر رواياته، وآخرها عمله المميز «غريب النهر». وتبقى روايات سحر خليفة شاهدا على تموضع المرأة الفلسطينية، ونقد المجتمع الفلسطيني، وتحولاته بعد اتفاقية أوسلو، ولكن كيف يمكن لنا أن نتخيل الرواية الفلسطينية غداً؟ ولاسيما من ناحية بحث الجيل الجديد عن ذاته الفلسطينية، كما هل يمكن أن تستمر السلسلة؟ أم ربما يعتريها القطع أو القطيعة؟ من خلال مطالعاتي لبعض الأعمال الروائية الفلسطينية الجديدة، وجدت أن هناك قلقاً على مستوى المقصدية، والإطار الفكري، الذي بدا غير مدرج في سياق رؤية محددة، علاوة على أن أنساق الكتابة، وحيثيات الحبكة بدت غالباً ما تتكئ على إرث الأسلاف، فنحن نستعيد في أعمال بعض الكتاب الشباب صدى غسان كنفاني وغيره، وكأن كُتّاب رواية اليوم غير قادرين على تجاوز عبقرية أسلافهم، وتحديداً في ما يتعلق بتجاوز مركزية العودة، ومواجهة الآخر «اليهودي»، ومع ذلك، فإن المستقبل كفيل بالإتيان بما هو جديد، فالتغير قانون يحكم الأشياء، وكما يقول هيغل، فإن التغير هو انحلال، وهو أيضا مولد لحياة جديدة، أي لا بد من مرحلة التعديل التي لا بد أن تفضي إلى بعث جديد.
كاتب فلسطيني ـ الأردن
رامي أبو شهاب