المستوطنون وترامب: هل تدفن الإدارة المقبلة حل الدولتين وتشرعن الضم؟

حجم الخط
0

وسط الدهشة التي أصابت معظم العالم بفوز المرشح الجمهوري دونالد ترامب في 9 تشرين الثاني (نوفمبر) وما يحمله الفوز من نذر شر على العلاقات الدولية، والتحالفات الأمريكية ودور أمريكا في العالم، عبرت جماعات كثيرة عن فرحتها بفوزه، فمثلا قال متحدث باسم حركة الفجر الذهبي اليونانية، «هذا نصر للقوى المعارضة للعولمة والتي تكافح ضد الهجرة ويدعم دولا إثنية نظيفة». وعبر رئيس الوزراء الهنغاري فيكتور أوربان عن فرحته وقال إنه يريد بناء «دولة لا ليبرالية» وأضاف إن انتصار ترامب يعتبر أخبارا عظيمة. أما الجبهة القومية الفرنسية فقال نائب رئيستها «عالمهم ينهار وعالمنا يعاد بناؤه». ويرى المعلق فريد زكريا في صحيفة «واشنطن بوست» (17/11/2011) أن من احتفلوا بالتغيير الأمريكي رحبوا بموقف ترامب المعادي لـ «التصحيح السياسي»، ومثلما قال بيبي غريلو، الكوميدي الإيطالي السابق وزعيم حركة «الخمس نجوم» إنه مثل ترامب تعرض للشجب باعتباره شعبويا ومعاد للنساء إلا أن الناس لم يهتموا به. وهناك من رأى في فوز ترامب نوعا من القرابة- في الديكتاتورية وعدم احترام حقوق الإنسان، كما في حالة الرئيس السوري بشار الأسد، الذي اعتبر الرئيس الأمريكي المنتخب «حليفا طبيعيا»، أو الرئيس الفلبيني رودريغو دورتي الحاكم المتطرف الذي قال «كلانا يحب السباب.. فنحن متشابهان». وفي زيمبابوي التي قضى فيها روبرت موغابي 36 عاما وهو يدمر الحريات والاقتصاد رحبت افتتاحية في الصحيفة الرسمية بـ «ترامب العظيم». ووصف موغابي البالغ من العمر 92 عاما الرئيس المنتخب بـ»الصديق». ويضيف زكريا أن كل الأحزاب اليمينية المتطرفة عبرت عن شراكة مع الرئيس المنتخب وكلها تشعر برابطة مع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين الذي يحاول تقويض النظام العالمي الحالي. ويتلقى عدد منها دعما من الكرملين وتستفيد سرا وعلنا من الحرب الألكترونية التي تشنها روسيا. ونقلت صحيفة «الغارديان» عن زعيم حزب البديل الالماني فروك بيتري قوله «علينا جميعا استخدام فوزه لإعادة تشكيل العلاقات العابرة للأطلنطي وإنهاء النزاعات في أوكرانيا وسوريا بالتعاون مع روسيا». ودافع زكريا عن نظام العولمة الذي قادته الولايات المتحدة واعترف بوجود مظاهر القصور فيه إلا أنه ناقش أن هذا لا يدعو لتدمير أكثر الأنظمة الدولية إنتاجا وسلمية في التاريخ الإنساني. هذا عن أحزاب اليمين والديكتاتوريات في العالم التي رأت في الرئيس المنتخب هزيمة لقيم العولمة.

الموقف من إسرائيل

ولكن كيف استقبل اليمين الإسرائيلي الفوز؟ لم يكن مختلفا عن مواقف الجماعات اليمنية المتطرفة الأخرى، رغم مواقف المرشح ومؤيديه المعادية للسامية. ولم يمنع هذا نفتالي بينيت، وزير التعليم المتطرف وزعيم حزب «إسرائيل بيتنا» للقول إن وصول المرشح الجمهوري للبيت الأبيض قد يساعد إسرائيل بالإضافة للتغيرات الحاصلة في الشرق الأوسط على تقديم حلول غير حل الدولتين. ورأى بينيت أن حل الدولتين الذي تدعمه الحكومة الإسرائيلية والولايات المتحدة والمجتمع الدولي- نظريا- لم يعد قائما. وكان بينيت يتحدث بعد تحدي الوزراء لبنيامين نتيناهو ودفعهم بمشروع قانون لتشريع البؤر الاستيطانية التي بنيت على أراضي الفلسطينيين في الضفة الغربية. وقال «إن التغيرات في الولايات المتحدة وأوروبا والمنطقة تعطي إسرائيل فرصة ذهبية لإعادة ترتيب وإعادة التفكير بكل شيء» منها فكرة إنشاء دولة فلسطينية التي «ستكون خطأ عميقا». وعلقت صحيفة «فايننشال تايمز» (15/11/2016) على أن تصريحات وزير التعليم ومشروع البؤر الاستيطانية يشيران للدور الذي لعبه فوز ترامب الأسبوع الماضي حيث منح السياسيين الإسرائيليين المتطرفين الجرأة على الحديث والتحرك. فبعد ثماني سنوات من العلاقات المتوترة بين حكومات بنيامين نتنياهو المتعاقبة والرئيس الأمريكي باراك أوباما الذي انتقدت إدارته استمرار العمليات الاستيطانية على مناطق الفلسطينيين يأمل اليمين المتطرف من تبني ترامب سياسة لينة تجاه إسرائيل. ويمثل هذا «البيت اليهودي» والجماعات القومية الدينية والمستوطنين الإسرائيليين وغيرهم من الرافضين لحل الدولتين وجهود التسوية السلمية التي تقودها الولايات المتحدة منذ عقدين. وتضيف الصحيفة «في الوقت الذي يعبر فيه نتنياهو بتذمر دعمه لحل الدولتين، يريد بينيت ضم المناطق التي تديرها إسرائيل في الضفة الغربية حيث يعيش حوالي 500.000 مستوطن». ويدفع حزب بينيت وأعضاء حزب الليكود بقانون تشريع البؤر الاستيطانية رغم معارضة نتنياهو والنصيحة القانونية التي قدمها المدعي العام أفيشاي ماندلبلت والذي حذر من أن القانون لن ينجو في حالة تقديم استئناف له في المحكمة العليا. ويعيش حوالي 15.000 مستوطن في بؤر استيطانية موزعة على شمال الضفة الغربية وعلى هامش المستوطنات التي تقول إسرائيل إنها قانونية. وقرر الوزراء في الحكومة الإسرائيلية التقدم بمشروع القانون بعدما طلبت المحكمة العليا إخلاء البؤرة الاستيطانية «أمونا» بحلول 25 كانون الأول/ديسمبر. وترافق هذا مع مشروع قانون أغضب الفلسطينيين لمنع الأذان في القدس.

منع الأذان

وعلقت صحيفة «نيويورك تايمز» (17/11/2016) عن قلقها من مشروع القرار. وقالت «يرى الساسة الإسرائيليون المتطرفون انتخاب ترامب خطوة مساعدة تجاه دفن حل الدولتين». وأشارت لموافقة الكنيست بشكل مبدئي على قانون تشريع البؤر الاستيطانية. وأضافت أن تمرير المشروع يعبر عن مكسب مثير للقلق لمؤيدي الاستيطان. ففي يوم الأربعاء دعا وزير الدفاع أفيغدور ليبرمان الحكومة لعقد صفقة مع إدارة ترامب لتوسيع وبناء مستوطنات كبيرة في الضفة الغربية. وتعلق الصحيفة «أي تحرك بهذا الإتجاه سيكون مضللا وخطيرا على الولايات المتحدة». فقد حذر السناتور عن ولاية فيرمونت باتريك ليهي، من زيادة النشاط الاستيطاني وتشجيعه للتطرف «واحد من الطرق الأكثر فعالية التي ساعدت تنظيم الدولة والجماعات الإرهابية الأخرى على جذب الدعم والتجنيد هو تلطيخ الولايات المتحدة وربطها بالتوسع الاستيطاني في الضفة الغربية». ووصف التشريع الجديد الذي يريد «شرعنة» المستوطنات غير القانونية بأنه خطوة سترحب بها الجماعات المجرمة «ودليل جديد على أن الحليف الأمريكي الأقرب في المنطقة مصمم على تدمير الحل السلمي بما في ذلك إمكانية قيام دولة فلسطينية». وعلقت الصحيفة أن الإسرائيليين المؤيدين للاستيطان شعروا بالارتياح من تصريحات جيسون غرينبلات، مستشار ترامب للشؤون الخارجية لراديو «الجيش الإسرائيلي» والتي قال فيها إن ترامب لا يرى في التوسع الاستيطاني عائقا للسلام. وتذكر «نيويورك تايمز» أن مواقف ترامب حول الاستيطان غير واضحة، فقد أخبر صحيفة «وول ستريت جورنال» عن رغبته بتحقيق «صفقة لا مثيل لها» وإنهاء النزاع بين إسرائيل والفلسطينيين «من أجل الإنسانية» وإذا كان هذا ما يريد تحقيقه فعليه أن يرسل رسالة إلى إسرائيل أنه بحاجة لوقت واستشارة كي يطور سياسة خاصة بالمنطقة. وفي غياب إشارات من هذا النوع فسيتشجع اليمين على المضي قدما في خططه الخطيرة وتوسيع الاستيطان.

الدمج

وتعتبر النشاطات الاستيطانية المتزايدة محاولة من زعماء الاستيطان لتسريع عمليات دمج الضفة الغربية حسب ميرون رابوبورت، رئيس وحدة الأخبار سابقا في صحيفة «هآرتس» والذي كتب مقالا نشره موقع «ميدل إيست آي- لندن» (15/11/2016). وقال إن حركة الاستيطان ظلت ولسنوات عديدة تسعى للحصول على تفهم دولي إن لم يكن اعترافاً لما تبذله من جهود لاستعمار الضفة الغربية. ولكنها اخفقت في الحصول عليه باستثناء شخصيات يمينية متطرفة مثل غيرت وايلدرز، زعيم حزب الحرية الهولندي. أما الآن، وبعد انتخاب ترامب يشعر المستوطنون بوصول صديق جديد إلى البيت الأبيض. وأضاف أن أنصار ترامب افتتحوا مقراً محلياً لهم في إحدى مستوطنات الضفة الغربية، بينما التقى يوسي داغان، رئيس المجلس المحلي في شومرون، بأحد كبار مساعدي ترامب في نيويورك قبل الانتخابات. ووصف داغان الرئيس المنتخب بأنه «صديق المستوطنات». ولم يكن في ذلك وحيداً. ويلاحظ رابوبورت أن الترحيب المبالغ فيه جاء رغم غياب السياسة الواضحة من ترامب تجاه الصراع الفلسطيني- الإسرائيلي. وهو إن لم يقل إلا المتناقض فمساعدين له مثل نيوت غينغرتش وصف الفلسطينيين بـ «الشعب المصطنع». وسواء انحاز ترامب للمستوطنين أم لا، فيبدو أنه أقرب إلى التقليد الإنعزالي الذي حاول باراك أوباما تبنيه والتركيز على المشاكل الداخلية. وربما غير ترامب من مواقفه وأصبح أكثر ميلا لإسرائيل وأوفى بوعده ونقل السفارة الأمريكية من تل أبيب إلى القدس وعندها فلن يسارع بتنديد التوسع الاستيطاني في المدينة المقدسة.

القرار المهم

ويرى رابوبورت أن قادة الاستيطان لا يسعون فقط لتوسع استيطاني ولكنهم يريدون من نتنياهو اتخاذ قرار تردد في اتخاذه طويلا وهو ضم أجزاء من الضفة الغربية إلى إسرائيل بشكل يقضي على ترتيبات أوسلو وبشكل كامل. ويبدو أن مشروع قرار البؤر الاستيطانية هو بداية الخطة. وفي هذا السياق أشار الكاتب إلى كتاب المعلقة اليمينية المتطرفة كارولاين غليك «الضم الآن» أو «الدولة الواحدة كخطة للسلام في الشرق الأوسط» وطالبت فيه إسرائيل بمد سيادتها الكاملة وتطبيق قانونها على كامل الضفة الغربية. ولاقى الكتاب رواجاً ونجاحاً كبيرين في أوساط التيار اليميني. وكان بينيت نشر عام 2012 كتابه «مبادرة للاستقرار» وطالب فيه بضم جميع المناطق «ج»، والتي تشمل ما يزيد عن 60 في المئة من الضفة الغربية ومنح الحقوق السياسية الكاملة لما يقرب من خمسين ألف فلسطيني يعيشون في تلك المناطق (مع أن مصادر أخرى تقدر عدد الفلسطينيين في تلك المناطق بما يقرب من مئة ألف نسمة). ويعلق الكاتب، أن خطة كهذه سيرفضها الفلسطينيون وكذا الغالبية العظمى من المجتمع الدولي لأنها ستقسم الدولة الفلسطينية المستقبلية إلى قسمين، وستفصل الشق الجنوبي من الضفة الغربية عن شقها الشمالي. وسيكون الفحص لهذه الخطة من خلال محاولات ضم مستوطنة معاليه ادوميم، الواقعة شرقي الخط الأخضر. فلو حصل فسيقضي على مستقبل الدولة الفلسطينية. وخطوة كهذه ربما لقيت معارضة من الإدارة الأمريكية الحالية ولكن في ظل إدارة ترامب قد تمرر بدون مشاكل. ويناقش رابوبورت أن عملية الضم قائمة عمليا، ولكن ما هو مهم في الأمر هو الهدف من إجراءات كهذه، فهي تحمل رسالة استيطانية «وجدت هنا لتبقى» وبالتالي يجب شطب الدولة الفلسطينية. ولو حدث سيناريو الضم فسيؤدي إلى ضم عشرات الألوف من الفلسطينيين ومنحهم الجنسية الإسرائيلية كمواطنين من الدرجة الثانية كما كان الحال في دولة الابارتهايد في جنوب أفريقيا. وفي النهاية لا أحد يعرف ما هو توجه الإدارة الأمريكية المقبلة ولكنها بالتأكيد ستكون أكثر قربا من إسرائيل وستخلع القناع الذي لبسته الإدارات السابقة حول ضرورة التسوية بناء على «حل الدولتين». وكما ناقش كل من مايكل كوبلو وناتان ساكس في «فورين أفيرز» (17/11/2016) فانتخاب إدارة صديقة لإسرائيل في البيت الأبيض يعتبر «منحة سماوية مختلطة» لنتنياهو، فهي وإن أزالت أي عقبة أمام أي مشروع استيطاني أو توسع في تهويد القدس، إلا أنها ستقيد يد نتنياهو للتلاعب في السياسة المحلية الإسرائيلية كما فعل خلال الثماني سنوات الماضية حيث صور نفسه للرأي العام المحلي الرجل الذي يقف أمام قوة عدوانية وقوية- إدارة أوباما.

المستوطنون وترامب: هل تدفن الإدارة المقبلة حل الدولتين وتشرعن الضم؟

إبراهيم درويش

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية