الرباط ـ «القدس العربي» من الطاهر الطويل: «أب المسرح المغربي»، «شيخ المسرحيين المغاربة»، «المعلم الكبير»، «موليير المغرب»، «فنان موسوعي»… تلك نماذج من الأوصاف التي عبّر بها العديد من المثقفين المغاربة والمسرحيين منهم خصوصا، عن رحيل الفنان المسرحي المغربي الكبير الطيب الصديقي، الذي وافته المنية الجمعة الماضية، عن سن ناهز 79 سنة، في أحد المصحات الخاصة في مدينة الدار البيضاء، بعد معاناة مع المرض.
وامتلأت شبكات التواصل الاجتماعي الافتراضية بعبارات النعي، وبصور للفنان المسرحي الراحل، الذي كان أحد مؤسسي أب الفنون في المغرب. وفي هذا الخصوص، جاء في بلاغ لاتحاد كتاب المغرب أن الطيب الصديقي «يعد واحدا من كبار المخرجين المسرحيين في الساحة المسرحية العربية. كما يعد، رحمه الله، من أهم المسرحيين تأثيرا في المسرح المغربي، هو الذي عرف باقتباسه وإخراجه لعديد المسرحيات العالمية، وبكتابته لمجموعة من الأعمال المسرحية (أكثر من ثلاثين عملا) باللغتين العربية والفرنسية، وببطولته وإخراجه لمجموعة من الأعمال السينمائية والأشرطة الوثائقية، كما عرف فقيدنا بإخراجه لعديد المسرحيات والأفلام السينمائية، المغربية والعربية والأوروبية الشهيرة، وببطولته فيها، من أشهرها، «مقامات بديعة الزمان الهمداني»، و»الحراز»، و»سلطان الطلبة»، و»ديوان سيدي عبد الرحمن المجذوب»، ومسرحية «مولاي إدريس»، ومسرحية «عزيزي» التي كانت آخر عمل درامي قدمه عام 2005 قبل أن يقعده المرض، فضلا عن دوره الكبير في فيلم «الرسالة» للمخرج السينمائي الراحل مصطفى العقاد.
يعتبر الفنان الراحل الطيب الصديقي، من بين أهم الفنانين المسرحيين المغاربة الذين واكبوا حركة المسرح المغربي، وأثروا فيه وأثروه، هو الذي ساهم، رحمه الله، بشكل كبير ولافت في التعريف بالمسرح المغربي وبالدفاع عنه، داخل الوطن وخارجه، في العالم العربي وأوروبا. كما يشهد لفناننا الكبير، رحمه الله، إشرافه على تأسيس المسرح العمالي في الدار البيضاء، وإدارته الفنية للمسرح الوطني محمد الخامس، وإدارته للمسرح البلدي في الدار البيضاء، قبل أن تطاله معاول الهدم، فضلا عن تأسيسه لمسرح الطيب الصديقي في المدينة نفسها».
كتب الباحث المسرحي عز الدين بونيت في صفحته الفيسبوكية: «ليلة حزينة من ليالي المسرح في المغرب البلاد العربية.. لا يمكن إلا أن تكون حزينة، ليلة غادرنا فيها أسد المسرح المغربي، الكبير الطيب الصديقي، الكبير بشخصيته القوية وثقافته الواسعة وروحه الإبداعية ودعابته المميزة الساخرة القلقة. من أوسع المسرحيين العرب ثقافة وارتباطا بتجارب المسرح العالمية؛ ومن أقلهم كلاما على هامش إبداعه المسرحي.. رجل نذر نفسه للمسرح كتابة وتمثيلا وإخراجا، على الرغم من تعدد آفاقه الفنية، فهو فنان تشكيلي، رسام وخطاط، وهو مصمم مشاهد (سينوغراف) ومخرج سينمائي. نذر نفسه للتجريب المسرحي في كل أبعاده: في مستوى الكتابة الدرامية، حيث اقتبس عددا كبيرا من الأعمال من مختلف المدارس والاتجاهات، ويحسب له أنه اول من فتح المسرح المغربي على تجربة مسرح العبث مع بيكيت ويونسكو. كما اقتبس أريستوفان من المسرح اليوناني القديم واقتبس كوكول وموليير وكولدوني وماريفو وأرابال وغيرهم. وانفتح على التراث المغربي والعربي على أوسع نطاق، حيث مسرح مقامات بديع الزمان الهمداني ورباعيات سيدي عبد الرحمن المجذوب، الإمتاع والمؤانسة لإبي حيان التوحيدي، فضلا عن اشتغاله على الزجل المغربي والملحون مع عبد السلام الشرايبي في مسرحية الحراز، ومع علي الحداني في مسرحية «يا بلدي المحبوب»…كما كان أول من فتح المسرح المغربي على نمط جديد من الإخراج والبناء المشهدي، حيث اتسمت الفضاءات التي اشتغل عليها في معظم مسرحياته بالتجريد، معوضا المناظر التصويرية ببحث في الكتل وتحريك المجموعات والمبالغة في تفاصيل الأزياء والأكسسوارات إلى حد يقربها من الكاريكاتير أو الكروتيسك.
تميز مسار الصديقي أيضا بالفرجات الضخمة القائمة على اللوحات التاريخية الكبرى، مثلما فعل في عروض «سلطان الطلبة» و»مولاي إدريس الأكبر» و»معركة الزلاقة»، و»نحن» و»المسيرة الخضراء». عرف بانخراطه في عدد من المبادرات التي تهم تسليط الضوء على غنى وتنوع الثقافة المغربية، حيث أصدر مع المهندس المعماري أندريه باكار كتابا عن الفنون التقليدية في الهندسة المعمارية الإسلامية في المغرب، وقاد مبادرات من أجل تأسيس ما كان يسميه بالتعايش والتفاهم بين الشعوب، وفي إطار هذا المسعى كتب وأخرج مسرحية «خلقنا لنتفاهم» حول العلاقات المغربية الفرنسية. ونظم إقامة فنية لدى أحد مسارح حيفا مع فرقة مكونة من عرب 48. وتعرض لنقد شديد من مناهضي التطبيع، كلفه عددا من الصداقات في الساحة الثقافية المغربية.
إلى جانب كل هذا، سيظل أسلوب الطيب الصديقي في التمثيل بصمة مميزة على صعيد أساليب التمثيل السائدة في العالم العربي. فقد كان على الدوام يصر على أداء يتميز بالازدواجية، حيث تظل ملامح الطيب الصديقي الممثل بارزة في أدائه لكل الشخصيات التي لعب أدوارها، سواء على خشبة المسرح أو أمام الكاميرا، بحيث كان دائما يحتفظ بمسافة ساخرة مع الشخصية التي يقوم بأدائها، ولم يكن يعتمد أسلوب الشفافية والانمحاء كما هو في منهج ستانسلافسكي.
لقد ظل الطيب الصديقي ساخرا متهكما في أعماله المسرحية أو السينمائية، بل حتى في حياته اليومية. والذين يعرفون الرجل عن قرب يعرفون فيه هذه الخصلة. وقد كانت سخريته باستمرار سخرية ذات مذاق ينحدر من الفلسفة الوجودية ومن رديفها الفني: مسرح العبث.. لقد فقدت الساحة المسرحية المغربية اليوم، ومعها عموم المسرح العربي والثقافة العربية مسرحيا من الطراز الكبير ومثقفا خصبا متعدد الحضور…».
وكتب الفنان مسعود بوحسين (رئيس النقابة المغربية لمحترفي المسرح): «لم تمر مدة طويلة على رحيل أحمد الطيب العلج، وها هو الطيب الصديقي يغادرنا أيضا… جيل التأسيس يفقد رموزه تباعا والعمدة على الخلف… رحم الله الطيب الصديقي …رجل استثنائي لا يعوض».
بينما سجل الفنان السينوغرافي والمخرج المسرحي عبد المجيد الهواس أن الصديقي «كان يدرك تماما كل ما سيحدث، وكان يعرف جيدا في الهندسة وفي لغة الزهور. نادرا ما كان يترك المسرح لوحده. لذلك، فهو ممن صنعوا حاضر المسرح الممكن بزهو طاووس. آملا في الغد. حيث الممثل يشدو مثل قبرة». وقال الكاتب المسرحي عبد الكريم برشيد أنه «بموت الطيب الصديقي تطوى صفحة مشرقة كبيرة من تاريخ ثقافتنا المغربية، فالصديقي لم يكن ممثلا ومخرجا فقط، بل كان فنانا موسوعيا عارفا بالثقافة العالمية ومتفقها في الثقافة المغربية الشعبية، عاش في جامع الفنا، خبر الفنون الشعبية تأثر بالحكواتيين الشعبيين، وأحدث ثورة في المسرح العربي عندما نقل المقامات من جانبها الأدبي وأعطاها صبغتها المسرحية وذهب بها إلى إيران وأحدث في الواقع صدمة كبيرة لدى الجمهور العالمي». وأضاف برشيد في تصريح لموقع «أنباء اليوم» على أثر رحيل قيدوم المسرح المغربي الطيب الصديقي وفاة هذا الأخير وقبله أحمد الطيب لعلج ومحمد سعيد عفيفي وحسن الصقلي والعربي الدغمي وعبد الرزاق حكم، يعني هذا جيلا كاملا من المؤسسين ومن الرواد الذين حفروا في الصخر وأوجدوا المسرح من الفراغ وبنوا هذا الذي نعيشه اليوم، في يوم لم يكن هناك المعهد المسرحي ودعم وزارة الثقافة ولا هذا الإعلام الذي يهتم بالمجالين الثقافي والمسرحي عموما». وأوضح برشيد أن الراحل الطيب الصديقي «إنسان باحث ومؤمن بثقافته المغربية العربية الأفريقية الأمازيغية بكل مكوناتها، حفر كثيرا سلطان الطلبة والحلقة وأعطانا مسرحا قريبا من الناس، ويكفي أن يكون أول من جسد وشخص عبد الرحمن المجدوب، وأول من انتبه إلى ما يزخر به الملحون المغربي من عناصر مسرحية كبيرة… وقدم الحراز وLe monde des jours والملاحم الكبرى التي تغنت بالمغرب ملكا وشعبا وثقافة». وخلص برشيد إلى أنه «بموت الصديقي يكون المسرح المغربي قد طوى صفحة مشرقة من صفحاته» مترحما عليه وعلى «ذلك الجيل المناضل الذي نقش في الصخر وأوجد كل هذا الذي نراه اليوم، حيث أصبح المسرح يدرس في المدارس والجامعات ونقر بكل الأشياء التي قدموها للثقافة المغربية».
أما الممثل والمخرج أمين ناسور الذي سبق له أن عمل في إحدى مسرحيات الطيب الصديقي، فسجل مشاعره حين ولج بيت الراحل قائلا: «في منزل الطيب هذا الصباح، تحس أن الرجل لم يرحل وأنت تصافح تلامذته القدامى وعشاقه من مختلف الأجيال. في منزل الطيب دخلت أعزّي أمينة زوجته أول ما قالت لي: كنت عزيزا عليه. عانقتها بحرارة، واسترجعت كل ذكرياتي معه في أحضان المسرح الجوال بغاندي رفقة المرحوم سلمات ومولاي الطاهر الأصبهاني وكمال كاضمي ومحمد عياد والحبيب الأزهر ورشيد العلالي وعبد الرزاق الصديقي… تذكرت أول سفر لي خارج الوطن معه وركوبي الطائرة بجانبه وقفشاته التي لا تنتهي… تذكرت كيف كان يكرم أصدقاءه في مسرحياته… الطيب منح الأمل لكثير من الشباب وشجع فنهم… اليوم فقط سنحس باليتم في المسرح المغربي… لا بل في الفن المغربي كله. كم أنت كبير حتى في موتك. لترقد روحك بسلام!».
وودع الناقد المسرحي سعيد الناجي الفنان الراحل قائلا: «وداعا الطيب الصديقي … مخرج مسرحي من العيار الكبير.. .. وداعا.. . تركت المسرح المغربي بذاكرة فرجوية حقيقية عسى نجد من يتمثلها». فيما نقل الفنان المسرحي عبد الجبار خمران عن الصديقي الجملة التالية التي عبر بها عن حلمه: «حلمي أن لا يبقى هناك شخص يتألم.. أن لا أرى أطفالا متخلى عنهم، ومتقدمين في السن لا يجدون حتى ما يتدثرون به ليناموا.. هذا حلمي. وأحلم بعالم أفضل.. أقول أحلم بمغرب أفضل».
وأصدر «الائتلاف المغربي للملكية الفكرية» بلاغ نعي اعتبر فيه «رحيل قمة فكرية وثقافية بهذا الحجم والحضور خسارة كبرى للجسم الثقافي والفني عموما والمسرحي على وجه التحديد، لما للفقيد من مكانة مرموقة في مسار الحركة المسرحية والثقافية ببلادنا منذ بدايات التأسيس الأولى لأبي الفنون، ولما اتصف به الرجل من عصامية وجد وكد واشتغال موصول على امتداد عقود من الزمن في سبيل التأسيس ثم التكريس ثم التميز والإشعاع الوطني والعالمي لتجربة إبداعية متفردة الأسلوب والأبعاد».