في العديد من دول العالم المتقدمة في الفن المسرحي، ثمة صياغات مفاهيمية جديدة عادة ما يجيء بها المشغل المسرحي في استنتاجاته وفرضياته المستولدة من وحداته التجريبية لتتصادم بالنتيجة مع وحدات المستوى الثابت للسياق التقليدي المتداول، حصيلة هذا الجدل سيكون بالتالي مشهدا عاما مسرحيا تتحرك دلالاته بعيداً عن منظومة وإجراءات الذائقة السائدة بما تحفل به من أيقونات جاهزة، ومن خلال هذا السياق القائم على الجدل والتفارق بين منظومتين من المفاهيم تنشأ مغامرات فنية تؤسس لوعي ومستوى جديد من الفهم لطبيعة العرض المسرحي والأدوات التي يستند عليها، كما هو الحال على سبيل المثال لا الحصر عند المخرج البولوني غروتوفسكي، عندما منح جسد الممثل فرصة ان يسترسل في تكوين الفضاء المسرحي باعتباره مفردة جوهرية في سينوغرافيا العرض.
الخروج من دائرة الوَهم
وفي ما يتعلق بالعراق، لم تكن منعطفات التجربة المسرحية وثيقة الصلة بالوعي الأكاديمي المتداول داخل معهد وكلية الفنون الجميلة، وما يتم طرحه سنويا من فرضيات تنظيرية في إطار الدراسات العليا (الماجستير والدكتوراه) وعادة ما تتحرك هذه الدراسات في مسار الاشتغال العميق للتجربة المسرحية في بعدها الفلسفي والشكلاني.
الحديث عن افتراق العلاقة بين الدراسات النظرية والتجارب المسرحية في العراق يقودنا إلى ان نستعيد ما قاله المخرج المسرحي الرائد سامي عبد الحميد، قبل عدة أشهر عندما استضافه الملتقى الإذاعي والتلفزيوني في اتحاد الأدباء والكتاب في العراق للحديث عن تجربته بمناسبة بلوغه العقد التاسع من عمره. حينها وكما عودنا عبد الحميد على ان يكون صريحا ودقيقا في تقييمه، أكد على انه «لا توجد أطروحة ماجستير أو دكتوراه في الإخراج المسرحي سبق ان نوقشت في كلية الفنون الجميلة قد تحولت فرضياتها أو ما جاء فيها من أفكار وطروحات تنظيرية إلى أعمال مسرحية تطبيقية، وبقيت تلك الأطاريح في حدود ما هو مكتوب على الورق فقط «.
إن ما كشف عنه د. سامي عبد الحميد بهذا الحديث لا يمكن التحفظ عليه رغم ما حمله من تعميم وإطلاق، ذلك لأنه صدر عن واحد من أهم وأبرز المخرجين العراقيين الذين بدأوا العمل في ميدان الإخراج المسرحي منذ ستينات القرن الماضي، وتعالقت عروضه المسرحية في بنياتها الفنية ومحمولاتها الأسلوبية مع تمظهرات المشهد الإخراجي العالمي بكل مدارسه الكلاسيكية والحديثة، هذا إضافة إلى انه مارس تدريس فن الإخراج المسرحي في كلية الفنون الجميلة لأكثر من أربعين عاما وأشرف على العشرات من رسائل وأطاريح الماجستير والدكتوراه، ولهذا ينبغي التأسيس على ما جاء في تشخيص المخرج سامي عبد الحميد، بمعنى: الخروج من دائرة الوهم التي تغلف الوسط المسرحي العراقي وتجعله يشعر بأن مشغله المسرحي شديد الحيوية في تفكيره ومنتوجه مقارنة مع المحيط العربي، اعتمادا على ما نالته عدد من العروض المسرحية من جوائز في مهرجانات عربية، لان الجوائز ليست مقياسا في كثير من الأحوال على المستوى الفني، وغالبا ما تلعب عوامل خارجية في هذا الموضوع. كما يفرض حديث المخرج سامي عبد الحميد ان يقر المسرحيون بوجود قطيعة شبه قائمة ما بين الدراسات الأكاديمية والأعمال المسرحية بما يقتضي منهم خلق مناخ يعيد تشكيل العلاقة بينهما بالشكل الذي يدفع بالدراسات إلى ان تتموضع وتتعالق مع التجربة.
المواجهة بالأسئلة
علينا ان نواجه أنفسنا بأسئلة جوهرية إذا ما أردنا الوصول إلى تدوينة نقدية تقف عند حدود اشتباكات الذات المسرحية العراقية مع تجربتها ضمن إطارها المحلي، خاصة وأنها تحاول منذ مطلع سبعينات القرن الماضي ان تؤسس نمطها ورؤيتها في منعطفات عالم مسرحي كَوني يكاد ان يكون مُغلقا على شفراته التي ينتجها منذ مطلع القرن العشرين بعيدا عن طُرُزٍ متوارثةٍ تعود لأزمنٍة مسرحية باتت أساليبها التقليدية محذوفة من تحولات الزمن المسرحي المعاصر.
والأسئلة الملحة التي قد تطرح في هذا السياق تتمحور بالصيغة الآتية: هل توصَّل العاملون في المسرح العراقي إلى خلق كيانيةِ تجربة تمتلك أبعادها الرؤيوية، وترسم علاقة مُنتجة مع الأشياء وهي في حالة تقاطع مع ما هو موروث، وصولا إلى تأسيس سمات منهج إبداعي يتحرك وفق منظومة فلسفية تتخلى عن إشارات التداول والمألوف، خاصة في إطار إنتاج المعاني من وحي الدراسات الأكاديمية العليا التي تكدست على رفوف المكتبات في العديد من كليات الفنون الجميلة التي تم تأسيسها في أكثر من محافظة عراقية؟
مسرحيون يبحثون عن إجابة
الممثل المسرحي محمد العمر، الذي قضى أكثر من ثلاثين عاما يعمل في إطار المسرح التجريبي، أجاب عن هذا التساؤل: «ليس هناك من تواتر وتلاقح في العلاقة ما بين العروض المسرحية العراقية والفرضيات الأكاديمية التي تتمظهر عنها لغة مسرحية جديدة واجتراحات فنية تتمرد على ما يندرج في الإطار الكلاسيكي، وفي حقيقة الأمر أستطيع ان أقول باننا أصبحنا في حضرة مخيال مسرحي نسجته مصطلحات أكاديمية بقيت تعبر عن حضورها الاشراقي والتحديثي في حدود الطروحات النظرية الأكاديمية فقط».
لاشك أن الحديث عن واقع وآفاق التجربة المسرحية الحديثة في العراق التي مضى عليها أكثر من نصف قرن يقودنا إلى ان نسأل عن حدود انتقال هذه التجربة من إطار الفرضيات النظرية إلى المشغل المسرحي في تجلياته ومقارباته التطبيقية بما يحمله من حساسيات جمالية في بنية العرض، وهذا ما طرحناه على المخرج والكاتب المسرحي بيات مرعي، فأجاب: «ما زالت التجربة المسرحية في العراق تتحرك بفوضوية، من غير ان يكون لها ما يكفي من بنية فلسفية تكشف عن ستراتيجية جمالية تتهيأ للمثول في لحظة قادمة، باستثناء البلاغات المراوغة التي انتجها بعض المخرجين مع مطلع ثمانينات القرن الماضي، ربما يأتي المخرج صلاح القصب في مقدمتهم، وهناك العديد من المخرجين الشباب حاولوا ان يقدموا عروضا مسرحية في إطار المغايرة الشكلانية، بعيدا عما هو تقليدي وأكاديمي وذلك عبر تموضعهم داخل بنية مسرحية قائمة على تعددية اللوحات الصورية، إلا ان ما كان ينقصهم في تقديري هو التوصيف الفلسفي لتجاربهم التطبيقية انطلاقا من وحي تجاربهم الذاتية وتحولاتها في ملامح المغايرة التي قد تحفل بها عروضهم المسرحية وليس الاتكاء على مقولات جاهزة يتم استعارتها باسترخاء من مقتنيات أنجزتها تجارب خارجية أجنبية تحمل اشاراتها الخاصة بعلاماتها المستولدة من ثقافة أخرى».
أما المخرج المسرحي عصام سميح وبصدد إجابته حول تباين المسافة ما بين الدراسات النظرية الأكاديمية والعرض العراقي يجد ان «حالة التأرجح وعدم الاستقرار في مسيرة الانجاز المسرحي العراقي ربما تعود إلى أسباب موضوعية، بمعنى أنها تعود إلى ما هو خارج وبعيد عن كشوفات وأسرار التجربة المسرحية ذاتها، وتحديدا أجدها تتمثل بالعوامل الخارجية التي ضغطت على الذات المسرحية المبدعة، على سبيل المثال الحروب الكثيفة التي عاشها الفنان المسرحي العراقي والتي علّقت اسئلته على مشجب الانتظار سنين طويلة وكان عليه ان يصرخ في داخله وتبقى صرخته التي تحمل أحلامه وأفكاره وهواجسه وارهاصاته الفنية مكبوتة ومؤجلة وبالتالي كان من المنطقي ان يعيش وحيدا ومغتربا عن فضاء المسرح الرحب الذي يستوعب نسق الحياة بكل أفراحها وأحزانها».
11ADA
مروان ياسين الدليمي