لندن – «القدس العربي»: تنامت مشاعر الغضب بين المسلمين المقيمين في أوروبا مؤخرا مع اتساع معاناتهم من مظاهر التعصب والتمييز وجرائم الكراهية في ظل إستهداف متعمد يتصاعد مع اتساع ظاهرة المقاتلين الأوروبيين في صفوف تنظيم الدولة الإسلامية الإرهابي.
وكانت منظمات المجتمع المدني، المشاركة كمراقب في أعمال المؤتمر الوزاري للدول الأعضاء في «منظمة الأمن والتعاون في أوروبا» وجهت مؤخرا رسالة إلى وزراء الخارجية المشاركين في أعمال الدورة الحادية والعشرين في مدينة بازل السويسرية قالت فيها إن «ارتفاع التعصب والتمييز وجرائم الكراهية ضد الأقليات الدينية، لاسيما المسلمين في دول المنظمة، يشكل خطرا كبيرا على الأمن ويتطلب استجابة منسقة منها».
وأشارت إلى «تفشي مظاهر العنصرية والعداء للأجانب (مقيمين ولاجئين) والتمييز والقمع ضد الأقليات الدينية والعرقية والفئات المجتمعية المهمشة». وأعربت المنظمات في الإعلان، عن استنكارها لهذه الممارسات المتفشية في دولها على الرغم من أن ميثاق باريس لأوروبا الجديدة الصادر في العام 1990 شدد على اعتزام الدول الأوروبية مكافحة «جميع أشكال العنصرية والعرقية ومعاداة السامية وكراهية الأجانب والتمييز ضد أي شخص، وكذلك الاضطهاد لأسباب دينية وعقائدية».
وانتقدت المنظمات «اعتماد بعض الدول الأعضاء قوانين تمييزية جديدة، وعدم التحرك ضد الممارسات التمييزية، ما يشكل انتهاك مبدأ أساسي من مبادئ عدم التمييز المنصوص عليها في المعاهدات الدولية لحقوق الإنسان، والالتزامات المنصوص عليها في منظمة الأمن والتعاون» كما تُحول هذه القرارات، وفق الإعلان، توجهات العنصرية إلى «حكم الأمر الواقع، بل تتفاقم المشكلة أكثر نتيجة عدم التحقيق الكافي في مثل هذه الجرائم وعدم تقديم الجناة إلى العدالة، ما يخلق جوا من الإفلات من العقاب واستباحة هذه الممارسات العنصرية».
كبش فداء جديد
وشدد «إعلان بازل» على ضرورة عدم السماح بتحول المهاجرين واللاجئين والأقليات الدينية في دول المنظمة إلى «كبش فداء جديد» ما يستدعي ضرورة إنشاء منظومة تنشر في المؤسسات التعليمية لدول المنظمة تناقش قيمة التنوع واحترام حقوق الإنسان. كما شددت على ضرورة معالجة «ظاهرة انتشار الكراهية للإسلام وغيره من ديانات الأقليات في أغلب الدول الأعضاء». وركز المؤتمر على مشكلة أوكرانيا بصفة أساسية فضلًا عن التحديات التي تواجه دول المنظمة جراء الأوضاع غير المستقرة في الشرق الأوسط، إلى جانب وضع برنامج عمل المنظمة خلال العام المقبل، حيث ستتسلم صربيا رئاسة المنظمة من سويسرا.
منسحبون من المجتمع
«القدس العربي» استطلعت بعض الآراء بشأن القضية فقال أمجد السلفيتي وهو محام وحقوقي فلسطيني مقيم في بريطانيا «ان مخاوف انتهاكات حقوق الإنسان قائمة من فترة طويلة، وكانت الحكومة البريطانية تعرف توجه بعض الشباب المسلم الآسيوي والعربي ورغبتهم في الإنضمام لتنظيمات إرهابية، فهي غير متفاجئة بذلك، لكن المجتمع البريطاني يعتبر عودة هؤلاء إلى بريطانيا بعد ان تدربوا على السلاح أمرا مخيفا وكما تعرفون فإن الشرطة في بريطانيا لا تستخدم السلاح».
وأضاف: ما زلنا نعتبر التشريعات ضعيفة في التعامل مع العائدين إلى بريطانيا، هذا إذا رغبوا في العودة. البعض يعتبر ان أغلبهم يتجهون لطلب الشهادة وبالتالي ليست لديهم أصلا أي رغبة في العودة. التشريعات غير ضرورية لأن هؤلاء منسحبون من الدولة ومن النظام ومن العلمانية ومن النظام الغربي المبني على أساس الديانة المسيحية نحو دولة جديدة إسلامية لها قوانين وتشريعات مختلفة كل الاختلاف.
وأشار إلى ان هناك تحريضا يصدر من إناث وذكور موجودين على الأراضي البريطانية عبر مواقع التواصل الاجتماعي على الجهاد من خلال استخدام العنف ضد رموز في الدولة كالتهديد الذي حصل لرئيس الوزراء البريطاني كاميرون بقطع الرأس، المسألة خطيرة.
المراكز الإسلامية بريئة
ويضيف: وحسب معلوماتي فان معظم المراكز الإسلامية تتصرف بمسؤولية عالية ولا تسمح ببوادر متطرفة وأغلب القائمين عليها هم من المسلمين المعتدلين.
من الصعب معرفة مصدر التهديد لان الكثير من المساجد تستخدم البيوت ولا تحتاج بالضرورة إلى ترخيص، فكثرت بذلك الزوايا الدينية التي يؤمها أشخاص مثل أبو حمزة المصري وأبو قتادة. وتتم عملية غسل الأدمغة في تجمعاتهم الأساسية وتحديدا الجامعات حيث تبنى الخلايا والشبكات الإرهابية، وفي النهاية قد تكون هناك خلايا نائمة في المجتمع البريطاني. هناك جمعيات تدعي العمل الخيري لكن تم اكتشاف كونها واجهات فقط واغلقت بعض المؤسسات. المطلوب تجفيف كل مصادر الإرهاب، رأينا نشاطا قويا تضامنا مع الشعب الفلسطيني أثناء وبعد العدوان الأخير على غزة وكيف انزعجت اسرائيل من ذلك لكن ربط قضية فلسطين بـتنظيم الدولة الإسلامية أمر غير مقنع وغير مقبول.
مساحة إعلامية أكبر
وأضاف السلفيتي: أعتقد ان الجالية المسلمة يجب أن تصف المتشددين بأنهم عبارة عن زمرة لا تمثل المسلمين، وليست لهم علاقة بالإسلام ويجب ان يبادروا للمطالبة بمساحة أكبر في الإعلام، أما إذا بقي الحال كما هو فسيحدث لبس ورفض للمسلمين رغم قوة الوجود الإسلامي في بريطانيا، لكن في أيام مثل هذه عندما يقتل بريطانيون بطريقة بشعة ستكون هناك علامة شك وريبة. وسوف يؤثر هذا بالتالي على فرص العمل والقبول في الجامعات وسيستغل اليمين المتطرف في بريطانيا ذلك.
وشدد على ان أهم مشكلة عند العرب كونهم أقل تنظيما في بريطانيا من الناحية السياسية ولو كانت لديهم هيئات وصوت موحد وعناوين واضحة وتجمعهم مظلة واحدة تمثل الشريحة الأكبر منهم لتمت مشاورتهم في التشريعات.
جذور الإرهاب
ومن جهته قال الدكتور حافظ الكرمي، الحاصل على الدكتوراه في الشريعة الإسلامية وهو مقيم في لندن ويعمل مديرا للمركز الإسلامي بشأن رأي المراكز الإسلامية في استهداف المسلمين بسبب تنظيم الدولة: ان الحكومة البريطانية دائما تضع العربة أمام الحصان ولا تنظر إلى الجذور الحقيقية للمشكلة، ونحن في كل الأحوال ندين أي عملية تستهدف الأبرياء والمدنيين سواء في بريطانيا أو خارجها. نحن كمراكز إسلامية وكعلماء ندين مثل هذه الأفعال ولا نقبل بها ولا يقبل بها الإسلام، ومن الواضح ان المعركة الأساسية هي كيف يمكن للأنظمة الغربية وخاصة الحكومة البريطانية أن تظهر للمجتمع البريطاني وللجالية المسلمة أنها تتعامل مع الجميع سواسية وبدون تمييز.
ماذا عن الشباب اليهودي؟
وأضاف: للأسف عندما يخص الأمر المسلمين أو الشباب المسلم في هذه البلاد تبدأ إجراءات إستثنائية خارج إطار القوانين البريطانية، تحاول أن تشوه وتجرم الجالية المسلمة وتتعامل معها على أنها جالية مشبوهة، وبالنسبة لنا كمراكز إسلامية هذا مرفوض جدا ولا نقبله، والمطلوب هو ان لا تكون هناك مقاييس مزدوجة والدليل على ذلك أن الشاب المسلم الذي يخرج للقتال في العراق أو سوريا تريد الحكومة سحب الجنسية منه وأن يحاكموه ويوقفوه في المطارات وغير ذلك وهذا شيء جيد ونحن لا نشجع الشباب على أن يذهب ويقاتل في تلك الجبهات، لكن ماذا بشأن الشباب اليهودي الذي يذهب ويقاتل مع الجيش الصهيوني ويشن العدوان على غزة والضفة الغربية لماذا لا يعاملون بالمثل؟ ماذا بشأن الشباب البريطاني من الجاليات المختلفة من الذين يذهبون ليقاتلوا في أوكرانيا وفي غيرها من البلاد؟ المطلوب ان تكون هناك نظرة واحدة نحو الجميع في هذا البلد وأن يعاملوا ضمن القانون بشكل متساو.
المساواة شرط للتعاون
ومضى قائلا: اذا أثبتت الحكومة البريطانية أنها تتعامل بسواسية مع فئات المجتمع الذي هو تحت ولايتها عند ذلك سيتعاون الجميع معها لتجفيف المنابع التي تؤدي إلى التطرف وخروج الشباب إلى جبهات التطرف. أما اذا بقيت تتعامل فقط مع المسلمين بهذه الطريقة وتترك الآخرين، فإن الشباب المسلم في هذا البلد سينظر إلى الحكومة على أنها منحازة وهذا بالتالي لن يحل المشكلة ولن يجعل لهذه القوانين أثرا من ناحية أن الجالية لن تتعاون مع الحكومة التي تستهدفها بهذه القوانين وكذلك الشباب الغاضب أحيانا من السياسة الخارجية البريطانية وتعاملها بطريقة مزدوجة لن يكون مستعدا للتجاوب.
تخصيص القوانين للمسلمين في بريطانيا وكأن المراكز والمدارس الإسلامية هي التي تفرخ الإرهاب، وما إلى ذلك من القضايا التي يثيرها الإعلام بشكل كبير جدا ويركز عليها، أعتقد أنه سيعطي رسالة سلبية جدا للمجتمع البريطاني بأن يتعامل مع الجالية المسلمة كأنها جالية منبوذة يمنع التواصل معها ويضعها في حالة إتهام وبالتالي هذا لن يساعد إطلاقا في بناء جسور بين الجالية المسلمة والمجتمع الذي تعيش فيه. فمن المفترض أنها جزء من هذا المجتمع وان كان هناك بعض الأفراد الذين يتهمون بالتطرف في هذه الجالية فنحن نعتقد اعتقادا كبيرا ان هناك أفرادا، وقد يكون التطرف موجودا أكثر في جاليات المجتمع البريطاني سواء من اليهود أو من البريطانيين النصارى أو البروتستانت أو غيرهم. هناك متطرفون يمينيون لهم أعضاء في البرلمان والاتحاد الأوروبي وغير ذلك كل هؤلاء يعلنون عن نيتهم قتل ونفي المسلمين من هذه البلاد هذا تطرف في حد ذاته. هناك تطرف موجود في كل الجاليات ينبغي أن يعالج بتعاون الجميع، أما محاولة شيطنة الجالية المسلمة وتوجيه الشبهة لها فهذا لن يساعد إطلاقا على إيجاد فرص للتفاهم بين المسلمين والمجتمع والمسلمين والحكومة البريطانية.
مستقبل المسلمين في بريطانيا
بالنسبة لمستقبل المسلمين في بريطانيا، قال الكرمي: اعتقد ان ما يضخه الإعلام اليميني الصهيوني في بريطانيا مغرض ويحرض على الجالية المسلمة، ويحاول ان يثير الفزع داخل المجتمع البريطاني من الجالية المسلمة. مع ان النسب الظاهرة من قبل الحكومة ان الجالية المسلمة هي من أكثر الجاليات تعاونا ومشاركة في الحياة العامة. وبالتالي خروج أشخاص معدودين وارتكابهم أحيانا بعض الجرائم هنا وهناك لا يمثل الجالية، ويجب ان ينظر اليه بحجمه وهذا موجود في كل المجتمع والجاليات والأثنيات العرقية والدينية. وبالتالي التركيز على الجالية المسلمة فقط يثير مخاوفها من أنها مستهدفة من قبل اليمين المتطرف والصهاينة وللأسف الشديد من قبل بعض الرسميين في الحكومة البريطانية.
لا تواصل مع الأجهزة الأمنية
وأكد الكرمي ان الأجهزة الأمنية لم تتواصل معهم من أجل حل هذه المشكلة مع ان السلطات المعنية الرسمية والأمنية تتعاون مع المراكز الإسلامية في الأمور الاجتماعية وأمور أخرى تخص الجالية والمجتمع بشكل عام وتحاول ان تأخذ رأي المسلمين وزعماء الجالية المسلمة. لكن بشأن التشريعات الجديدة في مكافحة الإرهاب لم يتواصلوا معنا اطلاقا للتباحث حول الطريقة الصحيحة لمعالجة هذه القضية ولذلك نحن نرى أنهم للأسف الشديد تعاملوا مع المسلمين باستعلاء وبنوع من النظر إلى الجالية وكأنها ليست جزءا من هذا المجتمع. نحن كمركز إسلامي في المجتمع البريطاني نعتقد بضرورة ان يعيش المسلمون ضمن القانون البريطاني وفي المقابل ان تسمح القوانين البريطانية بان تكون هناك مجموعات ضغط على الحكومة من أجل ان تكون عادلة في تعاملها، ونحن ننصح الجاليات المسلمة بأن تعمل بالأدوات التي تؤثر في المجتمع كالضغط السياسي أو الإعلامي وان تقوم بعمل تجمعات لها للتواصل مع مؤسسات المجتمع المدني من أجل تشكيل أحلاف للوقوف أمام أي تصرفات عنصرية تستهدف المسلمين.
وجدان الربيعي