يدخل كلينتون بريور وهو يرتدي سنادا للركبة في ساقه اليسرى، إلى ثاروال كوربوريشين، مركز السكان الأصليين في كامبلتاون، 60 كيلومترا غربي سيدني.
ورحب به نحو 150 شخصا بتصفيق عاصف فيما يلوح بريور 27 عاما، بقبضته اليسرى في الهواء ويرفع عكازه بيده الأخرى.
إنه الشهر الحادي عشر لبريور على الطريق. ويسير الرجل الملتحي المنتمي للسكان الأصليين من منطقة كمبرلي النائية في غرب استراليا منذ أيلول/سبتمبر الماضي ليقطع مسافة تربو على خمسة آلاف كيلومتر. ويقول أحد الزعماء القبليين وهو يدفع بالدخان نحو بريور كجزء من احتفال الدخان، وهو طقس تقليدي للسكان الأصليين للتطهير ويرمي إلى طرد الأرواح الشريرة: «نحن فخورون بك للغاية يا أخي». في عام 2015، بدأ بريور الاحتجاج في مخيم ماتاغاروب للاجئين على جزيرة هيريسون في بيرث، عاصمة الولاية التي نشأ بها، ضد التشرد واغلاق تجمعات السكان الأصليين.
وتم اجلاء عائلة بيرور في عام 2003 من تجمع سوان فالي نونغار وتعرض للتشرد على مدى عامين. ويقول: «المشردون ليسوا مشكلة، فهم نتاج الموقف المستمر منذ عقود. كل هذا يحدث في دولة تحقق تريليونات الدولارات كل عام». ويمثل السكان الأصليون الذين يعيشون على الجزيرة منذ أكثر من 65 ألف عام، نحو ثلاثة في المئة من سكان أستراليا البالغ تعدادهم 24 مليون نسمة.
ولكن عبر العديد من المؤشرات الاجتماعية، لا يحقق السكان الأصليون النجاح الذي يحققه غير الأصليين. فهم يمثلون نحو ثلاثة ارباع مشردي البلاد و27 في المئة من السجناء. وخطرت الفكرة لبريور بالسير أثناء حديثه مع زعماء السكان الأصليين خلال احتجاج لهم في بيرث. ويقول «الجميع كانوا غاضبين لأنهم شعروا أنهم يخسرون المعركة ضد التشرد وإغلاق التجمعات. فكرت أن أفعل شيئا أكثر من مجرد الاحتجاج. قررت أن أقوم بمسيرة هائلة عبر البلاد من أجل العدالة». وبدأ بريور مسيرته من بيرث في 8 أيلول/سبتمبر بمباركة 70 من زعماء السكان الأصليين. وفي كل تجمع للسكان الأصليين مر به، وكل منها مميز في اللغة والثقافة وأسلوب الحياة، توقف لكي يتحدث عن التجارب المشتركة والتحديات التي يواجهونها.
وبعد أسابيع من الرحلة وصل إلى كالغورلي وهي بلدة نائية على بعد 600 كيلومتر شرقي بيرث حيث قتل مراهق من السكان الأصليين في الرابعة عشر من عمره كان يقود دراجة نارية مسروقة عندما صدمه أحد السكان غير الأصليين بسيارته وفر. وكانت المنطقة مشحونة بالغضب. وقال: «العنصرية في تلك البلدة كانت أمرا يصعب تصديقه»، وأضاف أن السائق تم تبرئته من تهمة القتل ولكنه سجن في تموز/يوليو لثلاثة أعوام لقيادة السيارة بطريقة خطيرة أدت إلى الحادث.
وانضمت عمة الصبي المتوفي منذ ذلك الحين إلى بريور في مسيرته من أجل العدالة. وفي ليونورا شمالي كالغورلي، علم بريور بمعدلات الانتحار المرتفعة بين شباب السكان الأصليين.
ويقول: «يحاول شابان من السود الانتحار كل أسبوع. ليس هناك خدمات أو إرشاد متاح».
ووصلت معدلات الانتحار والحاق الاذى بالنفس بين تجمعات السكان الأصليين إلى ما يصفه الخبراء بأنه «مستوى الأزمة الإنسانية» خلال السنوات الأخيرة، حيث يموت السكان الأصليون بالانتحار بمعدل يبلغ ضعف السكان غير الاصليين.
ويقول بريور «انه ليس خطأ الأشخاص الذين يعيشون هنا. إن ذلك يعود إلى الأشخاص الذين يديرون هذه البلاد».
وهو يشير إلى قضايا أخرى تواجهها تجمعات السكان الأصليين: أسعار الطعام المغالى فيها وعدم الوصول إلى الخدمات الأساسية مثل المياه النظيفة أو الخدمات الصحية وندرة الوظائف والفقر والعنصرية، بين أشياء أخرى.
وينضم هيربي عم بيرور وهو أحد منظمي مظاهرة بيرث إلى بيرور في المرحلة الأخيرة من مسيرته إلى العاصمة كانبرا، حيث يأمل بريور أن يلتقي بكبار الساسة في البلاد.
وقال هيربي: «نحن بحاجة أن نقول للعالم كله ما الذي يحدث لتجمعاتنا. أنا رجل مسن أسير مع ابن أخي. ليس لدي أي شخص عداه وأنا ادعم قضيته تماما لأنها قضيتنا». وانضم بريت بيرنل 54 عاما، وهو رجل أبيض من غولد كوست في كوينزلاند إلى حملة بريور في تشرين الثاني/نوفمبر ويساعد في العمليات اللوجستية والإمدادات حيث يسافر في البلاد في سيارة وقع عليها مئات ممن يتمنون التوفيق للمسيرة.
وقال: «بمجرد ان تعرف ما يمر به شعب الأبوريجينز (السكان الأصليون) لا يمكنك أن تقف مكتوف الأيدي. هذا شيء هام بحيث يصعب الا تكون جزءا منه».وأضاف: «كلينتون صوت يوحدنا كلنا. انه يسير إلى الناس ويبلغهم الحقيقة عن الماضي الأسود لهذا البلد». وحتى الآن وضع بريور في قدمه ستة أزواج من الأحذية. سار في طرق غير نظيفة واسفلتية، في أيام حارة ومطيرة، وعبر مدن أسترالية كبرى بما فيها إديليد وملبورن وسيدني. ويقول انه يريد ان ينقل كل تلك التجارب والقصص إلى كانبرا. ولكن الأمر الذي بدأ وكأنه خطة لمناقشة إغلاق التجمعات البعيدة تحول منذ ذلك الحين إلى شيء أكبر، وقائمة القضايا التي يعتزم تسليط الضوء عليها تأخذ في التنامي.
(د ب أ)