صادق الطائي: مع تصاعد وتيرة الخطاب في الأزمة السورية الأخيرة على خلفية اتهام النظام السوري باستخدام الأسلحة الكيميائية ضد المدنيين في مدينة دوما يوم السابع من نيسان/ابريل الجاري، تذكر عدد من المراقبين موقف رئيس الوزراء البريطاني العمالي الأسبق توني بلير وجريه وراء المواقف المتشددة للرئيس الأمريكي الأسبق جورج بوش الأبن، وهو يحشد القوى الدولية للهجوم على العراق عام 2003. وساد تخوف الشارع البريطاني من جر المملكة المتحدة إلى مستنقع الحرب السورية الذي علقت في أوحاله دول كبرى وإقليمية دون وجود أي ضوء يلوح في نهاية نفق الأزمة.
أفاق الناس صباح عطلة نهاية الأسبوع السبت 14 نيسان/ابريل الجاري على خبر قيام مقاتلات تورنيدو البريطانية بشن ضربات عسكرية على أهداف عسكرية داخل سوريا، وقد أفادت مصادر بريطانية رسمية، إن الضربات الجوية التي شنتها طائراتها في سوريا «حققت قدرا عاليا من النجاح». وقال غافين ويليامسن، وزير الدفاع البريطاني، إن بلاده وفرنسا وأمريكا لعبت دورا مهما في «تجريد النظام السوري من القدرة على استخدام أسلحة كيميائية». كما أعلنت وزارة الدفاع البريطانية أن أربع طائرات تورنيدو بريطانية أطلقت صواريخ «ستورم شدو» على قاعدة صواريخ سابقة تقع على بعد 15 ميلا غرب حمص، حيث يعتقد أن النظام السوري يخزن مكونات تستخدم في تصنيع أسلحة كيميائية. كما صرح متحدث باسم الوزارة إن المنشأة المستهدفة «تقع على مسافة ما من أي تركيز معروف لسكان مدنيين»، وأضاف أنه تم استخدام التحليل العلمي «لتقليل أي مخاطر تلوث على المنطقة المحيطة إلى الحد الأدنى».
وفي ضوء المعطيات المتوفرة وتسلسل الأحداث يمكننا ان نقرأ الموقف بالشكل التالي؛ ان موقف النظام السوري على الأرض بات أقوى وابتدأ في تحقيق انجازات مهمة تتمثل بأستعادة الأراضي التي كانت تحت سيطرة فصائل المعارضة المسلحة، وقد كان للدعم الروسي غير المحدود الدور الأبرز في تقوية موقف النظام. من جانب آخر هناك تصعيد غربي ملحوظ ضد روسيا وصل إلى مديات تذكر بأيام الحرب الباردة بعد عدد من الأزمات منها اتهام الروس بالتدخل في نتائج الانتخابات الأمريكية الأخيرة التي أدت إلى صعود الرئيس دونالد ترامب إلى كرسي الرئاسة، واتهامات بريطانية لروسيا بخصوص محاولة اغتيال العميل المزدوج سكريبال وابنته بهجوم بغاز سام على الأراضي البريطانية، حيث اتهمت حكومة المملكة المتحدة رسميا روسيا بالوقوف وراء الهجوم وقامت بطرد دبلوماسيين روس من المملكة مما دفع الروس للتعامل بالمثل وطرد دبلوماسيين بريطانيين من موسكو، ودعما للموقف البريطاني قامت إدارة ترامب بطرد 60 دبلوماسيا روسيا من الولايات المتحدة ووصفتهم بالجواسيس ما دفع روسيا للرد بالمثل.
وتأتي الاتهامات الغربية للنظام السوري باستخدام غاز الكلور في ضربات كيميائية إبان عمليات استعادة الغوطة الشرقية من أيدي الفصائل المعارضة المسلحة يوم 7 نيسان/ابريل الجاري، وهذا ما نفاه النظام رسميا وطالب بارسال لجان دولية للتحقيق بالأمر، لكن التصعيد الأمريكي وصل مداه في مجلس الأمن يوم الثلاثاء 10 نيسان/ابريل 2018 عندما طرحت نيكي هالي ممثلة الولايات المتحدة في الأمم المتحدة مشروع إقرار عقوبات على سوريا بسبب استخدامها الأسلحة الكيميائية، وأوقف الفيتو الروسي مشروع القرار الذي حاز تأييد أغلبية أعضاء مجلس الأمن بموافقة 12 عضوا من مجموع 15 عضوا، بينما امتنعت الصين عن التصويت ورفضت بوليفيا القرار، ما دفع الرئيس ترامب المعروف بتصريحاته غير المنضبطة إلى إطلاق تغريدات على حسابه على تويتر، يعد بها الروس والسوريين بامطارهم بصواريخ ذكية وجميلة لا يمكن صدها، ليجاوبه تصريح رسمي روسي مفاده انهم بانتظار هذه الصواريخ لإطاحتها وتدميرها.
كان لزاما على رئيسة الوزراء البريطانية تريزا ماي ان تصطف مع الموقف الأمريكي الذي دعم موقف بلادها في الأزمة الأخيرة مع الروس، كما انها تسعى لتقارب (بريطاني ـ أمريكي) استراتيجي على خلفية خروج المملكة المتحدة من الاتحاد الأوروبي، لكنها وفي الوقت نفسه سعت جاهدة لإيصال رسائل إلى مواطنيها مفادها ان هذه العملية العسكرية ان وقعت فهي أقرب إلى عملية مجاملة للأمريكان لرفع العتب وحفظ ماء الوجه. ويمكننا قراءة ذلك بسهولة في كل تصريحات تريزا ماي بشأن الأزمة لسورية الأخيرة، فمع كل تصريح بالتصعيد تعقبه بتصريح مطمئن للداخل البريطاني. فقد صرحت بعد تنفيذ القوات البريطانية ضرباتها مباشرة قائلة؛ إنه «لم يكن هناك بديل مناسب لاستخدام القوة لردع النظام السوري عن استخدام الأسلحة الكيميائية». وأضافت «أن الضربات ليس لها علاقة بتغيير النظام».
كما صرحت ماي في بيان آخر وقالت؛ «إن النظام السوري أظهر نمط سلوك متواصل في استخدام الأسلحة الكيميائية، ولابد من إيقافه». وأضافت؛ «سلكنا كل قناة دبلوماسية ممكنة لتحقيق ذلك». وشددت على أن «هذا ليس تدخلا في حرب أهلية، وأنه أمر لا يتعلق بتغيير النظام». وقالت: «إنها ضربة محدودة ومحددة كي لا تتصاعد التوترات في المنطقة، ونسلك أي وسيلة ممكنة لمنع وقوع خسائر في الأرواح».
أما على الصعيد الداخلي البريطاني، فقد حاول حزب العمال المعارض استثمار فرصة التدخل العسكري الذي أمرت به رئيسة الوزراء تريزا ماي ليضغط سياسيا مستخدما أعرافا لم يتم ترسيخها بعد، فقد أدان جيرمي كوربن زعيم حزب العمال البريطاني قرار رئيسة الوزراء، وقال؛ «كان يجب أن تحصل على موافقة البرلمان قبل المشاركة في ضربات جوية على مواقع عسكرية في سوريا»، كما دعا إلى إجراء تحقيق مستقل تقوده الأمم المتحدة في الهجوم الكيميائي، وقال إنه يفضل مواصلة السعي من أجل حل سياسي وليس من أجل حل عسكري. ومع ذلك هناك خلاف في الرأي بين كوربن وبعض المشرعين في حزب العمال، وليس من الواضح ما إذا كان بمقدوره الحصول على مساندة جميع نواب الحزب في معارضة العمل العسكري.
بينما يعلم المراقبون جيدا ان لرئيسة الوزراء الحق باتخاذ قرارات المشاركة العسكرية دون الحاجة إلى موافقة البرلمان، فمن حيث المبدأ ان رئيس الوزراء لا يحتاج لذلك. ففي بريطانيا سلطة إعلان الحرب يحكمها «الامتياز الملكي» الذي يعني أن حكومة ماي يمكن أن تقوم نيابة عن الملكة بعمل عسكري دون احتياج لطلب موافقة البرلمان. لكن مع ذلك فأن الواقع أكثر تعقيدا، فخلال العقدين الماضيين طرحت الحكومات البريطانية معظم قرارات العمل العسكري الهجومي للتصويت في البرلمان، وكان من شأن ذلك أن يتحول هذا الأمر إلى تقليد، وقال كثير من المشرعين إنه من الخطأ بالنسبة لماي أن تتدخل في سوريا دون أن يكون للبرلمان رأي، لكن في المقابل حصلت ماي على دعم قوي من حكومتها وحزبها، فقد صرح عدة مشرعين من حزب المحافظين الذي تتزعمه إنها يجب ألا تسعى لموافقة البرلمان لأن الموقف يتطلب ردا عاجلا وهذا ما كان، حيث تمت المشاركة العسكرية بينما البرلمان ما زال في إجازة عيد الفصح.
ابتدأ العمل العسكري، وتم توجيه ضربات لمواقع محدودة، ولم تقع خسائر في الأرواح بين المدنيين أو العسكريين في سوريا، لان الحكومة السورية كانت قد أخلت المواقع التي سيتم قصفها. بعد ساعات يعلن قائد الأركان الأمريكي الجنرال جو دانفورد انتهاء العمليات العسكرية التي نفذتها الولايات المتحدة وفرنسا وبريطانيا ضد برنامج الأسلحة الكيميائية السوري. إذا هي عملية عسكرية لحفظ ماء الوجه دون تغيير حقيقي على الأرض، فهل سيؤثر ذلك على مستقبل تريزا ماي في الانتخابات المبكرة المقبلة؟