المشانق المصرية… تقويض للوحدة الفلسطينية

حجم الخط
0

هذه المرة، لا تقتصر تداعيات أحكام الاعدام الأخيرة في مصر، التي طالت 102 متهم بينهم الرئيس المصري المعزول محمد مرسي، على الساحة الداخلية المصريــــة، لجـــهة اغتـــيال أي بارقة أمل في انتعاش الحياة الديمقراطية في أكبر بلد عربي فحسب، بل أنها تخترق، من خلال إدراج أسماء شهداء وأسرى فلسطينيين في قوائمها، الحدود القطرية، وتلقي بظلالها على ساحة عربية أخرى معروفة بهشاشة علاقاتها الداخلية، ولا تنقصها عناصر إضافية لعرقلة ملف المصالحة الوطنية فيها، لاسيما أن كافة هذه الأسماء محسوبة على أحد طرفي حالة الانقسام الفلسطينية دون الآخر.
وبالتالي، فإنها ستضاف، بالضرورة، إلى مجموعة الأسافين المقوضة لمحاولات إعادة ترسيخ ركائز الوحدة الوطنية الفلسطينية المفقودة، التي باتت أمام فصل مأساوي جديد من شأنه تعميق حالة الانقسام على وقع تباين موقفي الفصيلين الفلسطينيين المتنازعين، من الاستجابة لطلب قضائي مصري مرتقب بتسليم الفلسطينيين المحكوم عليهم بالاعدام للسلطات المصرية، فضلا عن استجابة الدولة العبرية لطلب قضائي مصري مماثل بتسليم الأسير الفلسطيني حسن سلامة الذي يقبع في أحد سجون إسرائيل منذ عشرين عاما.
وبالفعل، فقد بدأ الحدس السياسي الفلسطيني يستشعر ثقل تلك التداعيات وانعكاساتها على الوضع الداخلي الفلسطيني، من خلال العديد من الأصوات السياسية والمقالات، التي تطالب حركة حماس بالتحلي بالمرونة وبإعلاء المصلحة الوطنية على المصلحة الفصائلية، في دعوة ضمنية للاستجابة للطلب القضائي المصري المرتقب، وفي حالة ازدراء غير مسبوقة للعقل الجمعي العربي والفلسطيني، الذي يرفض هذه الأحكام الجائرة ويدرجها ضمن سلسلة طويلة من القرارات القضائية المصرية والعربية المسيسة، التي لا تخدم إلا حاكما جائرا عاجزا عن رؤية أخاديد الشقاق العميقة، التي تحفرها ممارسات تعسفية من هذا القبيل في كنف المجتمع وقواه الحية، والتي تحدث شرخا مجتمعيا تاريخيا يصعب تجاوزه في المستقبل.
بينما بدأت حركة حماس، في المقابل، ترسل رسائل تنطوي على إشارات إيجابية على قاعدة أن مصر ستبقى حاضنة القضية الفلسطينية، وأن التوتر الناجم عن أحكام القضاء المصري توتر مرحلي، متناسية عن أي مصر يدور الحديث، وأن مصر نظام الانقلاب على الشرعية تختلف عن مصر الشعب المساط بدوره بأحكام قضائية تعسفية مماثلة طالت المئات من أبنائه.
يعزى تكرار فشل محاولات المصالحة الوطنية الفلسطينية، عادة، إلى عوامل خارجية مؤثرة على الفصيلين الرئيسيين اللذين يتنازعان فضاء النفوذ السياسي في الساحة الفلسطينية، وهذا صحيح وإلى حد كبير، لكنه ليس كافيا عندما يتعلق الأمر في الشروع في قراءة موضوعية لحالة الانقسام المستحكمة في النظام السياسي الفلسطيني، والمعطلة لمؤسساته وبرامجه على كافة المستويات الوطنية، ذلك أن الأخاديد التي مرت من خلالها مياه الفرقة راحت تتعمق بقوة دفع عوامل داخلية عديدة، أنجبتها عملية أوسلو، أهمها تفكيك أهم ركيزتين قامت عليهما القضية الفلسطينية، الأولى هي ركيزة الكيانية السياسية الفلسطينية ممثلة في منظمة التحرير الفلسطينية، التي اضمحلت في مستنقع السلطة الفلسطينية من جهة، والركيزة الثانية هي الوحدة الوطنية الفلسطينية، التي تفككت من خلال إحداث شروخ عميقة بين المكونات السكانية الرئيسية للشعب الفلسطيني، بحيث أصبح كل مكون من هذه المكونات يغوص في جزر معزولة عن بعضها بعضا من الجهة الأخرى.
لكن التوقف عند انهيار هاتين الركيزتين، في قراءة حالة الانقسام المتجذرة هذه، لن يقود إلى القراءة المطلوبة إلا إذا أضيف اليهما عامل آخر أو ركيزة أخرى لا تخرج، في سياقاتها العامة، عن مآلات ثورات الربيع العربي عموما، وثورة يناير المصرية على وجه الخصوص، وانقضاض القوى التقليدية السياسية والاقتصادية والاجتماعية على المنجز الديمقراطي الجنيني، الذي ما كاد يطل برأسه في غابة الاستبداد العربية، حتى تلقى ضربة موجعة أجهضت، ولو إلى حين، محاولة المد الديمقراطي في العالم العربي، الذي تشكل أحكام الاعدام فصلا إضافيا فيه.
عملية اجهاض تجربة تداول السلطة في فلسطين، إثر فوز حماس في انتخابات 2006، ووصول فصيل آخر غير فصيل «فتح» إلى سدة الحكم، تماثل في مآلاتها الأخيرة مع ما جرى ويجري في مصر وشقيقاتها في الربيع العربي، وما هي إلا حلقة وصل في سلسلة متطاولة من محاولات إجهاض هذا التقليد الديمقراطي، التي بدأت ترخي بظلالها القاتمة والمعرقلة للحياة الديمقراطية أولا في الجزائر إثر وفوز حزب غير حزب السلطة (حزب جبهة التحرير) في الانتخابات عام 1991، التي ألغيت نتائجها وقادت إلى «العشرية السوداء في الجزائر»، ولا تنتهي بإجهاض مخرجات الربيع العربي الواحد تلو الآخر في متتالية تعكس مدى استعداد القوى المعادية للحياة الديمقراطية للضرب بيد من حديد، عندما يرتبط الأمر بتحديد مصيرها السياسي، مع فارق جوهري في الحالة الفلسطينية ينعكس جليا في تكريس حالة الانقسام واعطائها بعدا جغرافيا، هذه المرة، من خلال سيطرة الفصيل البديل (حركة حماس)على قطاع غزة المحاذي للشقيقة العربية الكبرى، مع ملاحظة أنه ما كان لحركة حماس أن تخضع قطاع غزة لارادتها السياسية لولا الفجوة الجغرافية الفسيحة، التي تفصل القطاع عن الضفة والتي تشغلها إسرائيل، ذلك المعول الأكثر فاعلية في إحداث هذا الشرخ العميق في اللحمة الفلسطينية.
هذا السياق المناهض للحياة الديمقراطية وللتغيير السياسي ولتدوال السلطة، لم ينشأ بمحض الصدفة، ولم يقو عوده بعيدا عن غرفة عمليات مشتركة تقود وتوجه وتوفر ما يلزم من إمكانيات للتصدي للمشروع الديمقراطي في مختلف الأقطار العربية، بما فيها فلسطين، وربما هذا ما يفسر اخفاق العمل العربي المشترك في جميع الميادين، باستثناء الميدان الأمني، الذي لم تحل الخلافات العربية العربية دون انعقاد اجتماعات وزراء الداخلية العرب بشكل دوري على مر التاريخ، مثلما لم تحل الخلافات بين السلطة الفلسطينية والنظام المصري من جهة والدول العربية الأخرى من جهة ثانية دون استمرار التنسيق الأمني سيئ الصيت بين هذه الأطراف الثلاثة، ما يعكس وعي النظام الرسمي العربي لذاته ولمصالحه على خير وجه، مقابل غياب حالة مماثلة من ادراك الذات في صفوف قوى التغيير الديمقراطي، التي باتت أدبياتها تخلو من البعد القومي التقدمي الديمقراطي الوحدوي، بالتزامن مع افراغ خطابها السياسي من خلفيات الصراع مع الكيان الصهيوني، ومن حقيقة أن هذا الصراع هو صراع عربي صهيوني في المقام الأول، وأنه يشكل، في المحصلة النهائية، العقبة الرئيسية أمام امكانية انجاز استحقاق التغيير الديمقراطي في الأقطار العربية.

٭ كاتب فلسطيني

باسل أبو حمدة

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية