أعلن مساء الجمعة عن إنتهاء الجولة الأولى من المشاورات في جنيف بين أطراف الأزمة اليمنية برعاية الأمم المتحدة ممثلة بالمبعوث الخاص للأمين العام السيد إسماعيل ولد الشيخ أحمد، والذي جاء على خلفية فشل المبعوث السابق جمال بنعمر. ولا نعرف بعد هل ستكون هناك جولات لاحقة في دول المنطقة أم خارجها أم سيعود الطرفان لحسم الصراع في الميدان. كنا منذ البداية واثقين أن جولة المشاورات هذه لن تحقق إنجازا ملموسا أو إختراقا بينا لأنّ المسافة بين الطرفين واسعة، بل إن المسافات بين مكونات كل طرف أيضا واسعة. فالخلاف بين أنصار الله وحليفهم الرئيس المخلوع علي عبد الله صالح في إتساع مطرد لأن كل طرف يريد أن يستحوذ التمثيل لنفسه ويجني المكاسب مدعيا أنه سبب الانتصار. والطرف الثاني الممثل برئيس الجمهورية الشرعي عبد ربه منصور هادي وحلفائه من الحراك الجنوبي غير متفقين على كل التفاصيل خاصة وأن أبناء الحراك جلهم يفضلون الانقسام عن اليمن ويرون أن إنضمامهم لدولة الوحدة في أيار/مايو 1990 لم يعد عليهم إلا بالخراب والدمار والقتل والتشريد والفقر والتهميش. لقد تركت الأزمة اليمينة تتفاقم إلى أن وصلت أو كادت تصل إلى طريق مسدود. فمن الذي يتحمل المسؤولية بعد فشل الجولة الأولى من المشاورات وانفضاض الجمع من جنيف وعودتهم إلى متاريسهم لحسم المعركة بالسلاح؟
علي عبد الله صالح وتعميم الخراب
عندما قامت الثورة اليمنية يوم 12 شباط/فبراير 2011 بعد سقوط طاغية مصر تميزت عن غيرها من ثورات الربيع العربي بثلاث خصال خلاقة. أولا: إلتزمت الثورة بسلميتها رغم أن الشعب اليمني كله مسلح وبقي زخم الثورة مستمرا دون الانجرار وراء استفزازات علي عبد الله صالح المتكررة لجر الشعب اليمني لاستخدام السلاح وتحويلها إلى حرب أهلية؛ وثانيا: فشل صالح في التلويح بورقة القبلية لتخويف الجماهير اليمنية وصدهم عن المشاركة في الثورة إلا أن الشعب بفطنته المعهودة وذكائه الفطري لم ينجر إلى لعبة صالح وعلى العكس انضمت معظم القبائل بمجملها إلى ثورة الشباب. وأخيرا لعبت المرأة اليمينة دورا محوريا في انتصار الثورة رغم أن المجتمع محافظ إلا أن تلك المشاركة كانت حاسمة وحازت على تقدير المجتمع الدولي تجسد في منح توكل كرمان جائزة نوبل للسلام لعام 2011 إعترافا بدور المرأة العربية في أحداث الربيع العربي بشكل عام ودور المرأة اليمنية في الإنتفاضة بشكل خاص.
إذن قدمت ثورة اليمن النموذج الأرقى لانتفاضات الشعوب العربية على طغاتها ذوي الجبهات المجمدة كالجليد والذين لا يكتفون بحكم شعوبهم إلى الأبد بل يعدون أبناءهم الأكثر خبثا ودلالا ودموية لأنهم يعتبرون أن لديهم صكا بملكية البلاد لا ينازعهم فيها أحد. ولو نجح مبارك وصالح والقذافي وقبلهم صدام في توريث الحكم كما ورثه حافظ لبشار لأصبح العالم العربي بكامله تقريبا تحت حكم أولاد أو إخوة أو أقارب الملوك والرؤساء ما عدا الجزائر وفلسطين بحكم الظروف، لا عفة أو ترفعا أو صحوة ضمير.
إذن كان لا بد أن يتم إجهاض ثورة اليمن كليا. وبالفعل تم ذلك عن طريق السعودية وصالح وحلفائه الحوثيين وبغطاء من الأمم المتحدة.
السعودية وإعادة تأهيل صالح
يعتبر اليمن من الدول العشرين الأقل نموا في العالم، بفضل سياسة صالح في تبديد موارد اليمن الشحيحة وتفجير صراعات داخلية في الجنوب والشمال ونشر ثقافة الفساد ومحاباة الأقارب وتحويل البلاد إلى عزبة شخصية له ولأولاده وأصهاره. وصلت نسبة البطالة قبل الثورة إلى نحو 17٪ بينما تصل بين الشباب إلى 60٪، وقد إرتفعت نسبة الذين يعيشون على $1.25 في اليوم من 13٪ عام 1998 إلى 17٪ عام 2010. وارتفعت نسبة الفقر من 45٪ عام 2010 إلى 80٪ الآن.
لذلك وقفت الجماهير كلها موحدة ضد صالح بمن فيهم الحوثيون والذي عانوا من القتل والتهميش والقصف الجوي على أيدي صالح والحرس الجمهوري بداية منذ عام 2004. وكانت السعودية تدعم توجهات صالح وتغدق عليه أيام كان ينشر الفساد ويحارب على كل الجبهات. وبعد قيام الثورة والرسالة العظيمة التي جسدتها وتتمثل في وحدة الشعب كله ضد صالح وغياب الخلافات القبلية وقيام المرأة بدور أساسي فيها وانتشار المظاهرات والاعتصامات في 17 محافظة بدون كلل ولا ملل، وإذا ببارقة أمل تلوح في الأفق وكأنها معجزة من السماء عندما قام يوم 3 حزيران/يوينو 2011 أخو علي عبد الله صالح غير الشقيق بوضع عبوة ناسفة إنفجرت أثناء الصلاة في مسجد القصر الجمهري فقتل 4 من حراسه وخردقت الشظايا جسم صالح ولعقت النيران 40 ٪ من وجهه وجسمه إلا أنه لم يمت كما أعلن حينها. شمرت السعودية عن ذراعيها ونقلته إلى مستشفى عسكري متقدم وأحضرت له طواقم طبية راقية من دول العالم وأجروا له عمليتين جراحيتين فورا وبقي تحت الرعاية الفائقة إلى أن عوفي بشكل شبه تام. من حيث المبدأ لا إعتراض على إسعاف أي جريح مهما يكن لأن الطب يجب أن ينفصل عن السياسة. أما الذي جرى فهو عملية ترميم جسمي تبعها ترميم سياسي. فقد بقي صالح تحت العلاج إلى أن تعافى والتقى بالملك عبد الله بتاريخ 19 ايلول/سبتمبر ثم عاد إلى اليمن في 28 ايلول/سبتمبر ليتابع دوره التخريبي في إجهاض الثورة. لعب اللعبة بإحكام بالتعاون مع السعودية حيث بقي كل شيء على ما هو ولم يتم أي تغيير إلا في قمة الهرم فكانت المبادرة الخليجية والتي قامت على أساس تغيير الرئيس بنائبه وإعطاء صك غفران وحصانة أبدية لصالح حتى لا يتمكن أحد من مساءلة أي طاغية مهما فعل ومهما أجرم. بقي صالح ببلايينه الستين وبمنظومة الأقارب والقبائل التي يسيطر عليها ورفض هو وابنه أحمد أن يسلما أي شيء من السلطة للرئيس الجديد. وهنا قرر أن يعيد ترميم علاقاته بالحوثيين كي يسيطروا على البلاد بقوة السلاح ويجهضوا الثورة ويعاقبوا كل من سولت له نفسه بالنزول إلى الميدان. وبدأت بعدها معركة التمدد الحوثي- صالح من صعدة في الشمال وصولا إلى عدن في الجنوب.
الأمم المتحدة
والقبض على العصا من المنتصف
عينت الأمم المتحدة السيد جمال بنعمر مستشارا خاصا لشؤون اليمن علما أن معرفة السيد بنعمر باليمن وتركيبته القبلية والسياسية لا تتعدى العموميات. تحت إشراف بنعمر تم الاتفاق على المبادرة الخليجية وآليات تنفيذها وعلى عقد مؤتمر واسع للحوار الوطني بدأ في 18 اذار/مارس 2013 واختتم أعماله في 25 كانون الثاني/يناير 2014 وتم التوافق على رزمة من المخرجات. وفي هذا الإطار إعتمد مجلس الأمن عددا من القرارات التي واكبت القضية اليمنية إبتداء بالقرار 2014 (2011) الذي دعا صالح لقبول المبادرة الخليجية القائمة على النقل السلمي للسلطة، والقرار 2051 (2012) الذي أكد على شرعية الرئيس هادي وندد بإعمال البند 41 من الميثاق الذي يتيح إستخدام القوة، وقرار العقوبات الذي إعتمد تحت الفصل السابع 2140 (2014) والقرار 2201 (2015) الذي أدان بكل قوة تصرفات الحوثيين وخاصة حل البرلمان وتشكيل مجلس رئاسي واعتبر كل هذه الإجراءات لاغية ولا قيمة لها، والقرار 2204 (2015) والذي جدد ولاية فريق الخبراء المعني بإعداد قائمة للأشخاص المشمولين بالعقوبات والقرار الأهم حول حل الأزمة اليمينة الذي إعتمد تحت الفصل السابع 2216 (2015).
إتبع الحوثيون وحليفهم علي عبد الله صالح أسلوبين متميزين: يشاركان في أي حوار جاد كجهة مسؤولة تحاول إخراج البلاد سلميا من الأزمة بمشاركة الأطراف الأخرى أما على الأرض فكان الحوثيون يتمددون عسكريا في كل إتجاه. من صعدة إلى عمران ودماج إلى صنعاء ولحج وتعز وصولا إلى عدن. بعد كل إنتصار يقفون على الأرض ويعودون مرة أخرى للحوار والاتفاق على شيء جديد يعزز قوتهم.
بعد سيطرتهم على العاصمة بتاريخ 21 ايلول/سبتمبر 2014 والاستيلاء على المؤسسات وحل البرلمان وتعيين مجلس رئاسي ووضع الرئيس تحت الإقامة الجبرية وفرض اتفاقية السلم والشراكة كان على الأمم المتحدة أن تحسم الموقف بشكل واضح لا لبس فيه. لم يقم بنعمر بإدانة ما حصل في العاصمة وبقي يتعامل مع الأزمة من موقع المحافظة على مسافة واحدة من جميع الأطراف. عند تلك اللحظة فقد السيد بنعمر مصداقيته كطرف وسيط ومحايد وهو يعرف أن القرار 2140 الذي أنشأ لجنة عقوبات لكل من يهدد وحدة اليمن وسلامة أراضيه وسلمه الداخلي ينطبق تماما على حالة الحوثيين. كأن عليه أن يصرخ بصوت عال ضد السيطرة على العاصمة أو أن يستقيل. سارت الأمور بعد احتلال العاصمة في إتجاهين: بدأ الحوثيون يتمددون بقوة السلاح نحو الجنوب وصولا إلى عدن مما إضطر الرئيس هادي وحكومته إلى الانتقال إلى المنفى، من جهة أخرى دخلت السعودية منذ 26 اذار/مارس طرفا في الصراع المسلح بإطلاق ما سمي «عاصفة الحزم». تحول الصراع الآن وكأنه حرب بالوكالة بين السعودية الداعمة للشرعية التي يمثلها هادي وبين الحوثيين وحليفهم صالح والمدعومين من إيران وكأن هناك إعادة إنتاج للمشهد السوري.
إعتمد الحوثيون على قوتهم العسكرية على الأرض بينما إعتمد عبد ربه منصور هادي بقوة الشرعية التي يمثلها ويعترف بها المجتمع الدولي والمدعومة أيضا بسلاح الطيران السعودي .
إذن جاء الطرفان إلى جنيف وبينهما بون شاسع من التوقعات: هادي يتوقع تطبيقا للقرار 2216 والذي يعني وقف إطلاق النار أولا والانسحاب من المدن وخاصة عدن وتعز كبادرة حسن نية للاستعداد للعودة إلى الشرعية وتنفيذ ما اتفق عليه سابقا وهو أمر غير وارد بالنسبة للحوثيين وحليفهم. أما الحوثيون وأنصارهم فكانوا يريدون من جنيف إعادة تقسيم المحاصصة السياسية بحيث يتم الاعتراف بهم طرفا موازيا للشرعية وعلى هذا الأساس تعاد صياغة تركيبة الدولة بما يقر لهم بهذا الوزن. وهو طبعا أمر غير مقبول للحكومة الشرعية. الفرق بين التوقعات والواقع كان كبيرا. لقد فشل مبعوث الأمين العام إسماعيل ولد الشيخ بقراءة الخريطة جيدا وآثر أن يتمسك بالشكل لا بالجوهر. إذن لا غرابة أن إنهارت المشاورات دون أن يستطيع ولد الشيخ أن يجمع الطرفين حول طاولة واحدة.
اليمن الآن على مفترق طرق. فإما العمل مع وسطاء إقليميين ودوليين لإيجاد مخرج سياسي يفرض على الأطراف ضمن توافق إقليمي ودولي ينقذ ما تبقى من اليمن أو أن الاحتكام إلى السلاح سيبقى سيد الموقف لأسابيع أو شهور مقبلة إلى أن ينهار اليمن برمته بعد أن وصلت المأساة الإنسانية لأكثر من عشرين مليون يمني حافة الكارثة الجماعية. وعندما تصل المعركة إلى نهاياتها سيقف المنتصر على كومة من الجماجم وتلال من الخراب ينعق قربه بوم ويحوم فوق رأسه رف من الغربان وسيرفع ذاك الطرف إشارة النصر ثم يسقط فوق الخراب من جوع أو عطش أو نقص في الدواء ويعلن عندها سقوط بلد كان إسمه يوما اليمن السعيد.
عبد الحميد صيام