الناصرة -«القدس العربي»: رغم أن اليمين المتطرف فاز في الانتخابات البرلمانية في إسرائيل بل بسبب ذلك تمثّل وحدة الأحزاب العربية ضمن «المشتركة» مكسبا هاما في حد ذاته في ظل تحديات داخلية وخارجية خطيرة تنطوي على طاقة مؤثرة على وعي فلسطينيي الداخل وعلى وعي الإسرائيليين بعد تتويجها الكتلة الثالثة في الكنيست. وبفضل هذه المبادرة الوحدوية ارتفعت نسبة مشاركة فلسطينيي الداخل في انتخابات الكنيست من 56٪ عام 2013 إلى نحو 67٪ هذه المرة وحازت «المشتركة» على 98٪ من أصواتهم بعدما كنسوا تقريبا الأحزاب الصهيونية من شوارعهم وزادوا عدد ممثليهم بعضوين. يشار أن عدد النواب العرب في الكنيست الإسرائيلي هو الأعلى منذ الانتخابات الأولى بعد عام من نكبة 1949 حيث هناك أربعة نواب عرب ضمن أحزاب صهيونية: زهير بهلول(المعسكر الصهيوني) أيوب القرا(الليكود) حمد عمار(يسرائيل بيتنا) عيساوي فريج(ميرتس).
كانت بداية مساعي التوحيد مع مشروع قانون لوزير الخارجية أفيغدور ليبرمان برفع نسبة الحسم إلى 3.25٪ في محاولة لجعل الكنيست خاليا من العرب، فكانت سخرية القدر أن اتحد هؤلاء وتحطم حزبه(يسرائيل بيتنا) وتراجع من 15 مقعدا إلى ستة مقاعد فقط بسبب فضائح فساد.
يد الله مع الجماعة
رغم الاختلافات الايديولوجية والخصومات الحزبية والشخصية نجح قادة الأحزاب العربية الأربعة(الجبهة الديمقراطية للسلام والمساواة، التجمع الوطني الديمقراطي، الحركة الإسلامية الشق الجنوبي والحركة العربية للتغيير) بتشكيل القائمة المشتركة بناء على برنامج سياسي عام صلبه العمل من أجل مواطنة حقيقية ومساواة كاملة للمواطنين الفلسطينيين في إسرائيل(17٪) ومن أجل تسوية الصراع على مبدأ الدولتين ومناصرة شعبهم ضد الاحتلال. وترمز هذه الوحدة الانتخابية التي يراد لها أن تصبح سياسية ودائمة في ظل تفاقم التحديات المشتركة لاسيما أن الوحدة حولت الأحزاب العربية من الهوامش للمركز. وصارت «المشتركة» بفضلها لاعبا بارزا في الحلبة السياسية كانت ستلعب دورا أكبر لو فاز «المعسكر الصهيوني» برئاسة اسحاق هرتسوغ رغم أن المشتركة لن تشارك في إئتلاف حكومي بصرف النظر عن هوية الحزب الفائز.
المقاطعون
لمن يتساءل عن جدوى مشاركة فلسطينيي الداخل في برلمان إسرائيل الدولة التي قامت على أنقاض شعبهم وأوطانهم فإنهم يخوضون معركة بالغة التعقيد وهم داخل بطن الحوت بلوروا خلالها معادلة دقيقة تحافظ على البقاء والهوية الوطنية والحقوق القومية والمدنية ثمنها حيازة الجنسية الإسرائيلية والمشاركة السياسية في معظم الأحيان ضمن قواعد اللعبة المتاحة. هذه معادلة دقيقة تجمع الوطن والمواطنة وتتفق عليها الأغلبية الساحقة منهم عدا الحركة الإسلامية الشمالية بقيادة الشيخ رائد صلاح والمهددة بالإخراج عن القانون فهي تعارض المشاركة في الكنيست وترى في التمثيل العربي فائدة لإسرائيل ومعها في ذلك حركة «أبناء البلد». لكن المقاطعة المبدئية ما زالت قليلة جدا ولا تتعدى بضع نسب مئوية وما زالت اللامبالاة هي السبب الرئيسي خلف المستنكفين عن المشاركة في الانتخابات.
تنتظر القائمة المشتركة صراعات كثيرة في الكنيست في ظل وجود نحو 40 مشروع قانون عنصريا أبرزها قانون «الدولة اليهودية» سيتم تداوله تمهيدا للمصادقة عليه.
في ضوء الإئتلاف الحاكم المتشدد الذي سيقوده نتنياهو قريبا فإن «المشتركة» على موعد طويل ومرّ من أجل المحافظة على حقوق جمهورها ومساندة شعبها لمناهضة استمرار الاحتلال والاستيطان والتهويد في ظل أجواء مشبعة بالكراهية والعنصرية والتحريض على العرب.
وتستبطن تصريحات رئيس حكومة إسرائيل بنيامين نتنياهو خلال يوم الانتخابات مؤشرات على تعاظم المد العنصري لحد الفاشية في المرحلة المقبلة حيث استخدمهم فزاعة لترهيب اليهود وبالذات الشرقيين بقوله إنهم «العرب» يهرعون لصناديق الاقتراع بجماهيرهم لإسقاط حكم اليمين.
عندي سؤال
ويعتبر عضو الكنيست الجديد د. يوسف جبارين هذه التصريحات تحريضًا عنصريًا من الدرجة الأولى، وخاصة أنه يأتي من فم وصورة الشخصية السياسية الأولى في الدولة. جبارين وهو محاضر في الحقوق يقول لـ «القدس العربي»: «ليست هناك دولة في العالم تدّعي الديمقراطية ويقوم فيها رئيس وزرائها بالتحريض على مليون ونصف مواطن بسبب مزاولتهم حق أساسي في التصويت». ويتساءل: هل كان سيمرّ مثل هذا التصرف لو كان الحديث عن شخصية سياسية في أمريكا أو أوروبا تقوم بالتفوهات نفسها تجاه مواطنين يهود فيها؟
ويضيف من الواضح أن هذا سيعتبر مخالفة جنائية على أساس تحريض عنصري ولا سامية أما في إسرائيل اليوم فكل شيء متاح دون رقيب.
ويضيف «هذا التحريض يناقض أيضا المعايير الدولية والأوروبية المتعلقة بحماية حقوق الأقليات ومنع التحريض ضدها». ولذا يطالب عضو الكنيست أحمد الطيبي بأن يقدم نتنياهو اعتذارا للمواطنين العرب.
منافع المشتركة
ويرى رئيس القائمة «المشتركة» المحامي أيمن عودة أن فوز القائمة بتمثيل محترم داخل الكنيست هو أفضل رد لمحاولات إبعاد هذه الشريحة الفلسطينية عن العمل السياسي، وقتل 2200 فلسطيني في غزة، ومحاولات تهجير العرب ومنعهم من البناء، وسن القوانين العنصرية والفاشية ضدهم.
ويوضح عودة لـ «القدس العربي» أن «المشتركة» تجسد منافع سياسية هامة أهمها تحويل العرب إلى قوة ثالثة. لافتا إلى أن هذه المكانة من شأنها أن تعزز وجود فلسطينيي الداخل في وطنهم وتعينهم على مواجهة كافة مخططات الترحيل السياسي وتقزيم وجود السكان الأصليين فوق ترابهم. ويشكر عودة ابن جبل الكرمل فلسطينيي الداخل لأنهم هم من صنع «المشتركة» ومارسوا ضغوطا من أجل تشكيلها ومنحها 95٪ من أصواتهم. ويقر بأن التجربة الجديدة كشفت جهل العلمانيين بالمتدينين والعكس صحيح، ويقول إن العمل المشترك أتاح فرصة للتعرف واللقاء والإصغاء وساهم في بلورة ثقافة حوار وإدارة اختلاف.
كينغ الفلسطيني
ويستعد عودة لبدء مسيرته السياسية البرلمانية بالسير على الأقدام من القرى غير المعترف بها في النقب، حتى مقر الكنيست بهدف تسليط الضوء على مأساة عشرات الآلاف من الفلسطينيين المحرومين من شبكات الماء والكهرباء. وعن ذلك يقول إنه يهدف بذلك لدفع الإسرائيليين للنظر في المرآة وفضح ممارساتهم بحق السكان الأصليين معترفا بأنه يستلهم تجربة السود وقائدهم المناضل الراحل مارتين لوثر كينغ.
وردا على سؤال يوضح أن فلسطينيي الداخل قدموا كل ما في وسعهم لمنع اليمين من تشكيل الحكومة المقبلة.
وتابع «للأسف ما زالت أوساط واسعة جدا من الجمهور اليهودي المشبع يوميا بالعنصرية والإنغلاق منذ نعومة أظفارهم قد قررت دعم نتنياهو بهذا الشكل الكبير والمأساوي «.