لندن ـ «القدس العربي»: هل هناك علاقة بين الانتخابات الهولندية المزمع إجراءها يوم غد الأربعاء وبين الاستفتاء لتوسيع صلاحيات الرئيس التركي رجب طيب أردوغان في نيسان (إبريل) المقبل؟
الجواب نعم فهي عن الأصوات والهجرة والإسلام والديمقراطية والعلاقات المتردية بين كبرى الدول الإسلامية في وسط آسيا والقارة العجوز، كما أنها عن المخاوف من صعود اليمين الشعبوي الذي اوصل الرئيس دونالد ترامب إلى البيت الأبيض وأخرج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي. ومن هنا كانت مواقف الحكومات الغربية خاصة هولندا وألمانيا والنمسا من التجمعات الانتخابية التي نظمها الأتراك في المنفى ويعدون بالملايين ويحق لهم التصويت في الاستفتاء المقبل انعكاساً لرزمة المخاوف التي تدور في أوساط التيار الليبرالي من التطورات الأخيرة. فهذه تشعر وكأنها ستفقد المركز لجماعات تصعد في صناديق الاقتراع على أجندة التخويف من الإسلام والمهاجرين وانتقاد العولمة.
فبعد منع طائرته من الهبوط في هولندا وصف وزير الخارجية التركي مولود جاويش أوغلو حكومة هولندا بالفاشية فيما وزيرة الأسرة فاطمة بتول قايا التي منعت من الوصول إلى القنصلية في روتردام انتقدت الديمقراطية الغربية ومعاملة المرأة، أما أردوغان الذي رفع وتيرة النزاع بوصفه الحكومة الهولندية ببقايا النازية وهو ما أدى لأزمة دبلوماسية بين البلدين ونقد قادة أوروبيين خاصة ألمانيا للتصريحات. وهي عرض لما وصلت إليه العلاقات التركية- الأوروبية خاصة بعد الانقلاب الفاشل في 15 تموز (يوليو) 2016 والموقف الفاتر الذي أبدته الدول الأوروبية مما حدث في تركيا.
انتهازية
ولا غرابة أن موقف رئيس الوزراء الهولندي مارك روتا بمنع التجمعات الانتخابية للأتراك كانت محاولة لأخذ زمام المبادرة من زعيم الحرية، غيرت ويلدرز الذي يخوض حملة انتخابية تقوم على الدعوة لتجريد الأتراك من الجنسية الهولندية ومهاجمة المسلمين باعتبارهم «طابوراً خامساً» وإغلاق المساجد والمراكز الإسلامية ومنع القرآن الكريم وتخفيف موجات اللجوء والخروج من الاتحاد الأوروبي وزيادة النفقات الدفاعية والعناية بالكبار.
وحسب استطلاعات الرأي فحزب الحرية وحزب رئيس الوزراء، الشعب للحرية والديمقراطية متقاربان في استطلاعات الرأي وهناك إمكانية لتقدم حزب الحرية. وتعلق صحيفة «التايمز» على ما مخاوف الليبراليين الذين يشتكون من خسارة الثقافة المنفتحة التي عرفت بها هولندا. وتقول إنه حتى لو أصبح حزب ويلدرز الثاني في البلاد ولم يستطع تشكيل الحكومة فصعوده سيفسر على أن الثقافة الشعبوية تتقدم لكي تجتاح القارة الأوروبية.
وترى الصحيفة أن صعود حزب الحرية الهولندي ليس شأناً محلياً ولكنه يشير إلى أن المركز السياسي بدأ يتداعى وفقد مصداقيته ولم يقم بمعالجة المشاكل الاجتماعية. كما أن هناك ملمحاً آخر في صعود ويلدرز والمتعلقة بإعادة تشكيل اليمين المتطرف واتخاذه الإسلام مشجباً يعلق عليه كل المشاكل، فمعاداة السامية سببها المسلمون الغاضبون ومعاداة المثليين سببها المسلمين المتعصبون.
وقال إن حرية التعبير كممت بسبب النخبة التي آمنت بالتعددية الثقافية. وتعتقد الصحيفة أنه يجب التعامل مع ويلدرز بجدية نظراً لطرحه مشكلة المهاجرين التي ربطها اليمين بالجريمة ولأن أفكاره تجد صدى في دول أخرى مثل ألمانيا ودولة التشيك وفرنسا وربما في إيطاليا. فقد استغل اليمين قضية الهجرة وقدم نفسه باعتباره حامي الحقيقة. وتشير الصحيفة إلى مظاهر السخط النابعة من سياسة الأبواب المفتوحة للمهاجرين التي تبنتها المستشارة الألمانية أنغيلا ميركل.
بالإضافة للأعباء المالية التي تحملتها الخزينة الهولندية لمساعدة اليونان في أزمتها المالية. كما أن جبن رئيس الوزراء روتا الذي يأمل بتشكيل تحالف معاد لحزب الحرية مكون من الخضر والليبراليين والمحافظين ساهم في صعود اليمين. وتحالف كهذا لن يستطيع تشكيل حكومة ومن هنا ففي حالة تحول ويلدرز لزعيم المعارضة فالتغيير آتٍ كما تقول. وكان من الأولى لو استمعت حكومة روتا والأحزاب الأخرى لنبض المواطنين وأقنعتهم أن إزدهارهم مرتبط بالبقاء على صلة مع العالم والبحث عن إجماع للتعامل مع تدفق المهاجرين. وبدلا من ذلك فقد أغلقت الحكومة عينها وأذنها وهو ما سمح لويلدرز بالصعود.
عقلانيون
ولكن هل تركيز الإعلام الدولي على انتخابات هولندا ومنح حزب الحرية فرصا للفوز هو محاولة للتعلم من البريكست في بريطانيا وانتخابات الرئاسة الأمريكية؟ فقد فشل الإعلام والاستطلاعات فهم المزاج العام في كلا الحالتين. ومن هنا يرى جون هينلي في صحيفة «الغارديان» أن المزاج العام في البلدات البعيدة عن المركز لا يتعامل مع حمى ويلدرز بذلك الصخب البارز في الإعلام. وكما نقل عن الصيدلانية آنماري أكرمان (38 عاماً) من بلدة بيرميند، وتدعم الحزب الذي يقوده رئيس الوزراء «جاء بي بي سي وبعض القنوات الأمريكية وكلها قالت: قضي الأمر، جاء الدور على الهولنديين، وكما تعرف هذا هولندا، فنحن لا نفعل هذه الأمور ولكننا نتصرف بعقل». ويقول هينلي إنه بعيداً عن التركيز الإعلامي الدولي على الانتخابات الهولندية «فهذه انتخابات غريبة» ويمكن تصور فوز ويلدرز الذي قاد استطلاعات الرأي خلال العامين الماضيين من خلال أجندته المعادية للإسلام مع أنه تراجع خلف الحزب الذي يقوده رئيس الوزراء والذي ثبت من مصداقيته بين الناخبين بسبب موقفه من تركيا.
وهناك نسبة 40% من الناخبين لا يزالون لم يقرروا بعد. ويقول الكاتب إنه حتى لو فاز حزب الحرية في الانتخابات فلن يستطيع تشكيل الحكومة لأن أيا من الأحزاب لن تتعاون معه. ويرى هينلي أن القصة الأعمق في هولندا هي تخلي الناخب الهولندي عن الأحزاب التقليدية والرئيسية من يمين ويسار الوسط والتي قادت البلاد خلال العقود الماضية وبدأ يتجه نحو الأحزاب الصغيرة التي ظهرت حديثاً والمعادية للمؤسسة. ففي هذه الجولة مثلاً يتنافس 28 حزبا على 150 مقعدا في البرلمان. فالمقاعد موزعة بشكل متناسب ويمكن لـ 70.000 ناخب منح حزب مقعداً في البرلمان.
ولم يكن المشهد السياسي متشرذماً كما هو اليوم ويمكن أن تنتج الانتخابات وصول نائب واحد لأربعة عشر حزباً، وبعضها سيحصل على 8 أو 10 بما فيها حزب الحرية الذي قد يحصل على 25 مقعداً. ولن يحصل ويلدرز على الغالبية – 76 مقعدا، وحتى في هذا الوضع فزيادة تمثيل حزب معارض للمؤسسة هو بمثابة جني خرج من القمقم. وسيعقد هذا عملية بناء حكومة مستمرة ومتماسكة.
ويقول هينلي إن بيرميند التي لا تبعد سوى ساعة عن العاصمة أمستردام تقدم صورة عن الأوضاع في البلاد، فنسبة البطالة فيها تصل إلى 6% ويشكل المهاجرون نسبة 25% من سكانها، وهي بدرجة نسبية مزدهرة وآمنة أيضاً. وآخر مرة صوتت فيها في انتخابات جهوية كانت في انتخابات 2015 حيث حاز ويلدرز على النسبة الأولى من الأصوات- 18%.
ويتساءل الكاتب هنا عن الداعي الذي سيدفع السكان للتصويت لرجل بيانه الانتخابي قائم على التخويف والعزلة. وتنقل هنا إرين مواز/71عاماً/ التي كانت مع شريكها جوهان هيلفر/ 69 عاماً/ حيث كانا يتسوقان، وعلقت مواز على ويلدرز «إنه رجل لا يخجل»، و «هو يعرف كيف يثير مشاعر الناس». وما تعترض عليه هو استهداف حزب الحرية للمهاجرين المغاربة والأتراك حيث يوصف ويلدرز بالرجل الذي يثير الانقسام «وهذه ليست الطريقة الهولندية فنحن دعاة تسوية، ودائماً كنا هكذا».
استقطاب
ويعلق الكاتب أن الاستقطاب أصبح مرغوباً فيه فالسياسة الهولندية لا تدفع فقط بالناخبين تجاه ويلدرز بل لأحزاب مثل الراديكاليين الاشتراكيين والليبراليين التقدميين. لكل هذا فالأحزاب التقليدية لن تحصل إلا على 30 مقعدا فيما بينها وهذا تحول كبير عن عقد الثمانينيات من القرن الماضي حيث كانت الأحزاب المسيحية والاشتراكية تحصل على 50 مقعدا لكل منها. ومع التحولات نحو السوق الحرة في التسعينيات وزيادة الحركة تغيرت السياسة والمجتمع نفسه حيث يقول ناشط في حزب الحرية إن الكثيرين من سكان أمستردام انتقلوا منها بعدما جاء المغاربة وعاشوا في الاحياء.
ويعلق الكاتب أن احتجاجات في هولندا نظمت في ذروة أزمة اللجوء عام 2015 لمنع حدوث تغييرات اجتماعية بسبب المهاجرين. وفي الوقت الذي يزعم فيه ناشطون أن الهجرة هي السبب إلا أن المجتمع الهولندي عادة ما أظهر تسامحاً مع المهاجرين مقارنة مع الدول الأخرى. ففي دراسة إحصائية عام 2015 كشفت أن نسبة 70% يقبلون بفتح مركز لطالبي اللجوء في بلدتهم. ويقول الكاتب إن أزمة المهاجرين قد تراجعت وبالتالي تراجعت شعبية ويلدرز. وفي بيرميند هناك قلة من الناس كانت سعيدة بالقول إنها ستنتخب حزب الحرية. «قد أمنحه صوتي» قال رجل في منتصف العمر «لكنني لا أتوقع أن يصبح رئيس وزراء، فهذا ليس جيداً». ويظل ويلدرز يلعب الورقة المعادية للمؤسسة رغم أن الهولنديين مقارنة مع بقية الدولة في وضع جيد ولديهم اقتصاد وضعه جيد ومساواة نسبية ونظام رعاية اجتماعية يحسدون إليه. ومع ذلك فالأمر يعتمد على الطريقة التي ينظر فيها الشعب لنفسه، فالهولنديون لا يقارنون أنفسهم بمن هم في الخارج ولكنهم «يقارنون أنفسهم ببعضهم البعض» حسبما يقول المحلل السياسي غيجس شوماخر، في جامعة أمستردام. ومن هنا فالسؤال المطروح هو عن الطريقة التي ستتعاون فيها الأحزاب في البرلمان في ظل إمكانية فوز حزب ويلدرز.
مفهوم خاطئ
والغريب أن الحملة الانتخابية التي جعلت من المسلمين كبش فداء لا تأخذ بعين الاعتبار أن معدلات الاندماج التي حققها المسلمون في البلاد عالية. ومن هنا يشعر هؤلاء بالخوف ويراقبون الحملات الانتخابية بحيرة، فعمدة ثاني المدن الهولندية، روتردام أحمد أبو طالب ويتحدث اللغة الهولندية بطلاقة. وهو ليس وحده المنجز، فالمتحدثة باسم البرلمان هي خديجة عريب، مع أن حزبها «العمل» قد يخسر الانتخابات. وهناك طبقة مهنية من المسلمين الناجحين مكونة من العمال الاجتماعيين والصحافيين والكوميديين ورجال الأعمال والمصرفيين.
وقال عمدة المدينة التي يشكل فيها المسلمون نسبة 15- 20% من سكان مدينته ويعيش فيها مهاجرون من 174 دولة «هناك شعور أن هناك تأثيرات ثقافية متعددة من اجزاء مختلفة من العالم، وماذا يعني كل هذا لعاداتنا وثقافتنا الهولندية». وتعلق صحيفة «نيويورك تايمز» أن الانتخابات الهولندية تفتح موسماً للانتخابات الأوروبية التي ستكون امتحاناً لقيم التسامح والعلاقة مع الاتحاد الأوروبي. وتتساءل الصحيفة عن أسباب صعود اليمين المعادي للمؤسسة في بلد شهد موجات من الهجرة وقدم تجربة ناجحة في مجال دمج المهاجرين، مقارنة مع فرنسا وبلجيكا.
وتعطي قصة أبو طالب /55 عاماً/ الذي وصل إلى «الارض المنخفضة» آتياً من جبال المغرب عندما كان صغيراً ولم يكن يتحدث ولا كلمة هولندية، صورة عن الفرص التي منحت لجيله. وبالتأكيد فإن هناك مشاعر التحيز في تزايد ضد المسلمين وهذا ناتج عن موجات المهاجرين المسلمين الجدد إلى أوروبا ومشاعر الخوف من الإرهاب يقوم السياسيون باستغلالها. ويقولون إن هناك الكثير من غير البيض وغير المسيحيين اليوم في هولندا بشكل سيؤدي للقضاء على القيم والتقاليد الهولندية.
وتقول الصحيفة أن نسبة المهاجرين تصل إلى 10% في بلد يبلغ تعداده 17 مليون نسمة. وليس كل المهاجرين مسلمين، فهناك هندوس وبوذيون. وحسب المكتب المركزي الهولندي للإحصاء فهناك زيادة نسبية بعدد المهاجرين بـ 56.000 مهاجر عام 2015 و 88.000 مهاجر عام 2016. وأكبر الجماعات المهاجرة هي 2900 من سوريا. وفي الفترة ما بين 2002 – 2015 زاد عدد البلديات التي ارتفعت فيها نسبة غير البيض بما بين 15-20%. وهناك نسبة عالية من الجرائم التي يرتكبها الشبان المسلمون بطريقة لا تتناسب مع عددهم وهذا لا يصدق على المسلمين المغاربة بل وعلى المهاجرين من جزر الأنتيل والكاريبي.
وهناك جيل ثانٍ وثالث من المسلمين الهولنديين الذين يلعبون دوراً مهماً في القطاعين الخاص والعام. وحسب فؤاد الكنفواي، 28 عاماً المصرفي في إي بي أن أمرو، بمدينة هيغ ومن الجيل الثاني من المسلمين المغاربة إن «ويلدرز يتحدث مع قطاع من الهولنديين الذين يشعرون إن هويتهم مهددة». وتشير هناك لرد فعل الكوميدي الهولندي- المغربي أنور ولد عبد الكريم الذي كان جالسا بمطعم بأوتريخت عندماً اندلع الصخب حوله لمظاهرة نظمتها حركة «بيغيدا» التي انشئت في ألمانيا وأقامت فرعا لها «بعد 15- 16 في الكوميديا فإنني أرفض الظهور على التلفزيون لكي أوضح السبب الذي يدفع ملتحياً بعملٍ الكل يعرف أنه غير صحيح»، في إشارة للإرهاب. وقال «كل واحد يأتي للعرض من كل الأديان والألوان والكثير من مدراء الشركات». و»كان بعض الأشخاص يأتون إلي بعد ذلك ويقولون: تعرف أنا عنصري نوعًا ما ولا أحب جيراني ولكنني أحب عرضك». ويقول عبد الكريم أن الكثير من الناس في الأحياء مهاجرين وغير مهاجرين ترددوا في البداية للترحيب باللاجئين السوريين حيث قالوا «لا لا لا لا علاقة لنا بهم» ثم تغير الوضع 180 درجة وبدأوا بالمساعدة لأنهم تذكروا قصة وصولهم إلى هولندا.
وحسب أشرف بوعلي /24 عاماً/ الذي ترك عمله الدبلوماسي لخوض الانتخابات على قائمة «دي66» أن معاداة المهاجرين هي نتاج عناصر خارجية تؤثر على هولندا مثل الإرهاب في أوروبا والأزمة المالية العالمية عام 2008 والموجات الجديدة من المهاجرين إلى أوروبا. إلا أن ما يعطيه وغيره من الساسة المسلمين الأمل هي حقيقة أن المسلمين اندمحوا بطريقة سهلة في المجتمع الهولندي. وقال «نعمل معا ومنذ قرون من لحماية أنفسنا من المياه وبناء السدود» و»في النهاية هناك البراغماتية وروح العمل معاً لحل مشاكل، وهناك مشاكل».
ففي التسعينيات من القرن الماضي جاءت أعداد من المسلمين البوسنيين والأفغان الذين فروا من حكم طالبان وكلهم اندمجوا بشكل جيد. وقبلهم جاء المهاجرون من المستعمرات الهولندية السابقة ومن إندونيسيا في أربعينيات القرن الماضي. ثم جاء الأتراك والمغاربة في الستينيات والسبعينيات من القرن الماضي. ومع ذلك فالهجمات ضد المسلمين زادت وحسب منظمة «سبيور» التي تديرها ماريان فورذرين التي اعتنقت الإسلام وتزوجت طبيباً تركياً فقد سجلت 174 حادث كراهية ضد المسلمين في عام 2015 وهو ثلاثة أضعاف الرقم المسجل لدى الحكومة. وقالت إن النقاش الحالي يتركز حول فيما إن المسلمين اندمجوا أو ذابوا بما فيه الكفاية «وعندما تقول للناس إن مشكلتهم هي الهوية، ومن هم فلا مجال للحديث عن القضايا الحقيقية مثل الزواج المرتب والتشدد والعنف المنزلي».