صار الشك أقرب لليقين أن العبث بالإعلام المصري «عموما» مقصود وممنهج بطريقة تمسخه وتمسخ الرأي العام معه، وأن هناك من يسمح بل ويدفع في اتجاه تعبئة الفضاء المصري «ناهيك عن الصحافة» بمعتوهين ومرضى نفسيين وذوي أطوار غريبة على مقدمة الشاشات، فننتهي بما انتهينا إليه من مشاهدة سيدة، إعلامية كما يصفونها، شفاها الله، وهي تقول على فضائية «الحدث اليوم» إنها استطاعت بقدراتها غير الطبيعية أن تسيطر على إعصار «إيرما»، الذي ضرب ولاية فلوريدا الأمريكية بعد طلب من سيدة عربية مقيمة في الولايات المتحدة.
«المذيعة» المصرية لبنى أحمد في برنامجها «كارما» على فضائية «الحدث اليوم»، قالت في كل هدوء على هواء برنامجها وعلى إيقاع موسيقى هادئة وحالمة إنها تدخلت للتخفيف من حدة الإعصار وتحويله إلى خليج المكسيك، بناء على طلب من سيدة عربية كان الإعصار يهدد مدينتها ومنزلها.
لست معنيا بحملة السخرية التي أعقبت هذا المشهد الفضائي الغريب، بل موجوع من حجم السخرية على فضائنا، خصوصا في استغلال كارثة طبيعية مؤلمة عكست بنية الدولة القوية في الولايات المتحدة و ما زلنا نتألم لردود فعل عصفت بوسائل التواصل الاجتماعي تشمت بالناس والبشر على أسس كراهية مقيتة، لتخرج لنا تلك المخلوقة «غير الطبيعية فعلا» وتتحدث بكل ثقة ولا أدنى حرج عن كرامات بصيغة الهبل الفضائي، بهذه الطريقة.
الأسبوع الماضي كان الفضاء المصري أمام فضيحة الطفلة غير العبقرية ضحية أوهام والدتها وفرق الإعداد اللاهثة وراء أي هبل عابر، وقبل ذلك وأثناءه وبعده ما زلنا نعاني من جنرالات الحماقة الثابتين، مثل أحمد موسى، وها نحن الآن أمام مذيعة قادرة على السيطرة على إعصار!!
في زمن سلطة الإخوان، كانت تلك الشعوذات على فضائيات الغيبوبة الدينية، تجد لبوسا دينيا، بالكاد يقدر على بلع الخرافة، واليوم في ظل حكم العسكر وضياع الوعي في غياهب الجب، نجد الدجل والشعوذة على وقع موسيقى حديثة وديكور حديث وسيدة تحمل لقب «إعلامية» بحاجة ماسة إلى مصح نفسي هي وطاقم إعدادها فورا!
عبث الفيشاوي المريض نفسيا
وفي سياق الانحطاط ذاته، تابعت ردود الفعل على ما أصبح خبرا مشتعلا على كل برامج الترفيه على الفضائيات في ما يتعلق بمدلل أبيه وأمه وصنيعة ظروف الوهم في عالم السينما المصرية أحمد الفيشاوي، والذي لا أرى فيه مطلقا أي موهبة تمثيل ممكنة غير تمثيله المصطنع والدائم في تقليعاته المتلاحقة هروبا من واقعه النفسي السيىء.
مهرجان الجونة السينمائي، حيث صعد الولد المدلل لأبويه الممثلين، على المسرح ليلقي كلمة فألقى ما يعكس بالضبط واقع الحال للنخبة التي تمسك زمام السينما، وكأن هناك استهدافا مقصودا أيضا للثقافة والفنون في مصر ليتنطح على نجوميتها المضطربون نفسيا.
الفيشاوي «الصغير» لم يخرج فعليا عن سياق واقعه ومحيطه الفني الراهن في مصر، هذا الفن الذي يحمل تاريخا أكبر بكثير من أن يستوعبه هذا الصغير أو غيره ممن يرون في تقديم برامج الفن والترفيه على الفضاء المصري حالة متميزة في تقديم راقصة درجة سابعة اسمها صافينار، صرت كلما أتعثر ببرنامج حواري فني، أجدها تضع ساقا على ساق ضيفة دائمة، غير قادرة على تركيب جملة مفيدة واحدة غير ضحكة رقيعة بعد كل سؤال موجه إليها.
في خضم كل ذلك، نقرأ أن الفنانة ناديا لطفي مثلا، تعاني من أمراض الشيخوخة التي تجعلها غير قادرة على استيعاب ما يجري حولها، ونحن نرى في ذلك رحمة إلهية لفنانة من الزمن الجميل، قدمت كل ما يمكن أن تثني عليه أو تنتقده، لكنها في كل حواراتها كانت سيدة راقية ومثقفة ولها مواقف محترمة.
نعم، الخط البياني في انحدار مستمر.
اللبنانيون شُطار بالترفيه
في الحقيقة، عالم الترفيه في الفضاء العربي لا يصلح بامتياز إلا مع اللبنانيين، مهما كان المحتوى رديئا فإن اللبناني «إعلاميا أو فنانا» لديه القدرة على النهوض به إلى حالة ترفيه ممتعة وجميلة.
ولا زلت كلما ضاق صدري بنكد الإعلام الفضائي العربي أهرب بحثا عن تسلية لطيفة في الفضائيات اللبنانية، و بعيدا عن اتفاقك أو اختلافك مع أي تيار سياسي في لبنان، فإن الفضائيات هناك على تعدد أجنداتها قادرة على انتشالك بأبسط تقرير إخباري محلي من نكدك.
من هنا ربما نجد عذرا لبعض الفضائيات المصرية والعربية حين تلجأ لمذيع أو مذيعة من لبنان، فالقدرة على صناعة جو لطيف موهبة فطرية لبنانية (أستثني حالات قليلة ثقيلة الظل مثل رزان المغربي)، ويدهشني في الإعلامي أو الإعلامية اللبنانية عموما تلك الثقافة الواسعة أحيانا، والقدرة على تشبيك العلاقات بما يخدم المحتوى الإعلامي.
ومن هنا فلا أجد في بعضهم إلا نجوما عالميين لا على الفضاء العربي وحسب، فمن يتابع اللبنانية رايا أبي راشد على «أم بي سي»، يكتشف أنها بحق بمستوى عالمي، سواء في حضورها الخفيف والمرن أو في ثقافتها السينمائية التي تتجلى في حواراتها مع فنانين عالميين، وهي حوارات لا تتناول أكلة الفنان المفضلة أو لون قميصه المفضل، بل حوارات تديرها بشكل يثير إعجاب ضيوفها والمتلقين أيضا.
إعلامي أردني يقيم في بروكسل
المصرية التي حرفت اتجاه إعصار إيرما على فضائية مصرية! وتحويل كل شيء إلى كوميديا لبنانية
مالك العثامنة