القاهرة ـ «القدس العربي» من عبد السلام الشبلي: تعد الكاتبة المصرية سارة فوزي، من أبرز الكتاب الشباب الذين ظهروا في السنوات الأخيرة بشكل قوي على الساحة الأدبية المصرية، بكتابيها اللذين غلب عليهما طابع السخرية الهادفة، فبدأت أولا بكتابها «اسكريبتورا» الذي انتقد الكثير من أزمات المجتمع المصري بعد ثورة يناير/كانون الثاني، ثم تلاه كتاب «محاضرتين وكوباية شاي»، الذي حاولت فيه فوزي، تشخيص أزمات منظومة التعليم المصرية بطريقة كوميدية ساخرة. هنا حوار معها حول تجربتها الأدبية الساخرة.
■ بداية كيف تفسرين قدرة المصريين عموما على قلب المشكلات والأزمات الحــياتية إلى مواضيع فكاهية ساخرة؟
□ في حقيقة الأمر ـ نحن المصريين ـ نحاول أن نستعمل الكوميديا والسخرية كنوع من الرد والتنفيس عن المشكلات والأزمات التي تواجهنا، فضلا عن كون الثقافة الكوميدية عموما منتشرة بيننا، ناهيك عن الرغبة العارمة بين المصريين في الاتجاه نحو ما يُذهب الألم المنتشر من خلال ما نسميه بالعامية المصرية بـ»الألش» الذي يمكن أن يكون أكبر محرك ضد أي شيء يخالف رغبة الشارع عموما.
■ هل الأدب الساخر هو نوع من الاعتراض على أزمات المجتمع أم يستخدم للترويح النفسي كنوع من إبر التخدير فقط ؟
□ إن أحد تعريفات الأدب الساخر «أنه نوع من الإسقاط الذاتي الذي يمنع الخواء المطبق»، فالكاتب الساخر يحاول دائما أن يطبق المقولة التي عرفت عنه بأنه «كالنحلة يلسع»، فهو يعطيك نوعا من الإسقاط على مشكلات المجتمع في قالب كوميدي تحذيري يثيرالسخرية والانتباه في الوقت نفسه، وهذا أصعب ما يمكن تطبيقه لكتاب الآدب الساخرالذي يعتبر أحد أهم الكتابات الذاتية التي يمكن أن تعبّر عن الجموع.
■ في كتابيك هناك نقد لاذع لكل ما هو مأزوم في المجتمع المصري تقريبا من منظومة التعليم التي تقتربين منها بعملك معيدة في جامــــعة القاهــرة، إلى الأفكار البالية والشباب المشتت، هل تغير شيء بعد صدورهما بعامين؟
□ للأسف لم يتغير شيء، حيث هناك حالة ركود مجتمعي في جميع نواحي الحياة، وتنتشر حالة من التشاؤم، التي تنعكس على المجتمع وشبابه بشكل خاص، وبالتالي يصبح هناك نوع من اللامبالاة التي تزداد مع عدم وجود أي دعم أو تأهيل نفسي لأفراد المجتمع الذي يفتقد أي فرصة لتفاهم أو تفريغ لطاقات أفراده بشكل عام، وبالتالي المشاكل ذاتها، ويمكن القول إنها تزيد أيضا.
■ في الوقت الحالي، هل تجدين أن مصر بحاجة للسخرية أم الجدية في الطرح، لأجل حل مشكلاتها؟
□ أنا دائما اعترض على فكرة الأدب الساخر والأدب الجاد، وبرأيي أن الأدب الساخر هو أدب جاد يحاول أن يوصل فكرة ما من خلال قالب سخرية، وإننا في مصر في حاجة لجميع القوالب الأدبية والساخر يمكن أن يكون أهمها، وأضيف على ذلك أن أي دولة أو حكومة تحارب الأدب الساخر هي بالتأكيد فاشلة، لأننا من خلاله نستطيع خلق عوالم تفكير أخرى للمجتمع وأفراده، وأصوات ظل بما يشبه الحكومات الموازية.
■ كيف تنظرين إلى الحكومات التي تعاقبت على مصر في السنوات الخمس الماضية التي بدأت فيها الكتابة، وماذا كان نصيبها من نقدك؟
□ في الحقيقة حاولت عموما أن أسلط الضوء على أخطاء الحكومات منذ أيام مبارك، وشبهته بإحدى الأسر الجامعية التي كانت منتشرة، عندما ألفت كتابي «محاضرتين وكوباية شاي»، حيث كانت تحمل الفكر المتسلط نفسه والبيروقراطية نفسها، أما أيام مرسي فكانت كتاباتي عبارة عن مقالات سلطت الضوء على تلك الفترة وقد نشرتها في عدة صحف مصرية، وانتقدت فيها بعض الأخطاء التي كانت تحصل في تلك الأيام.
■ في النقد الساخر، يحتاج الكاتب لجرأة كبيرة تتمثل في قدرته على تفكيك كل ما هو سيئ ليحوله لمادة ساخرة، كيف تتعاملين مع ما حولك ليتحول إلى الشيء المطلوب سخرية؟
□ دعني أقول لك في البداية إن الأدب الساخر «الأنثوي» يعاني من تبعات الجرأة في الطرح، حيث يتعرض عموما للنقد بسبب أي كلمة قد لا تعجب الجمهور، وقد يصل النقد لحد الحرب ضد الكاتبة بسبب جرأتها في بعض العبارات، الأمر الذي لا نجد أن الكتاب من الرجال يعانون منه، وعموما فإن هناك جرأة في الأدب الساخر، لكنها يجب أن تكون ذات محاذير مثل عدم نقد ذوات الأشخاص، بل التركيز على الأزمات المجتمعية عموما، فضلا عن عدم التعدي على الآخرين بما يؤذيهم.
■ في منظورك الشخصي، ما هي وظيفة الكاتب الساخر بالتحديد؟
□ وظيفة الكاتب الساخر أولا إمتاع الناس، والثاني تحذيرهم بدون تفجير الأزمات الموجودة في وجههم بما يزيدها ويخلق نوعا من الإرباك لدى الجمهور القارئ، وبالتالي يزيد الأزمة بدلا من محاولة احتوائها.
■ تقتربين من الناس بالكتابة العامـــــية هل تعتقـــــديــن أن الكاتب الفصيح أقل قدرة على التعامل مع الجمهور؟
□ الأمر لا يتعلق بذلك بشكل خاص، برأيي أن الأمر يعود لأسلوب الكاتب، فأنا مثلا أنوع فيما أكتبه بين العامية والفصحى، بما يخدم الفكرة، ولدي مقالات كثيرة منشورة في الصحف باللغة الفصحى حقق قراءات كثيرة، وأيضا هناك الكثير من الكتاب الذين يكتبون بالفصحى واستطاعوا تحقيق جماهيرية كبيرة، وعموما فإن الأدب الساخر يتحمل العامية لأنه الأكثر قربا من الشارع الذي تختلف قدرات أفراده الثقافية واللغوية.
■ ما رأيك في التيار النقدي الذي يتهم كتاب العامية بتدمير الثقافة والأدب؟
□ لا أعتقد ذلك، إن العامية هي أحد التصنيفات اللغوية الموجودة باللغة العربية، واستخدامها لا يسيء للغة باستثناء أولئك الذين يحولون بعض ما يكتبونه على مواقع التواصل إلى كتب، وهنا ربما سنجد الكثير من التعديات والأخطاء اللغوية التي تسيء للغة والثقافة والأدب بشكل عام.
■ هل من أعمال مقبلة أكثر سخرية، وسخطا من التي سبقتها؟
□ لا، فأنا حاليا أعكف على كتابة رواية بعيدة عن الأدب الساخر الذي صرت أكتبه كمقالات تنشر في الصحف، والرواية المقبلة ستكون ذات قالب تشويقي بوليسي، وستصدر في بداية العام المقبل.
■ بما أنك تعملين في الجانب الأكاديمي إعلاميا، كيف تجدين البرامج المصرية الساخرة التي يستمر بعضها بينما أوقفت أخرى لأسباب سياسية؟
□ دعني أقول لك إننا حاليا في مصر نفتقد لأي نوع من البرامج الساخرة، أما في الحديث عن سبب توقفها، فهذا يؤدي بنا لمعرفة خطورة الأدب الساخر على أي نظام سياسي، لأنه يمتلك القدرة على كسر حالة اللامبالاة الموجودة لدى المجتمع، فالناس ربما لا تتأثر بنشرة أخبار تتكرر كل يوم للتحدث عن قتل هنا وأزمة هناك وحادثة في مكان ثالث، أما البرامج الساخرة، أو الدراما والسينما وغيرها من الفنون، فإنها دائما ما تحرك في الناس ما يجعلهم في حالة تيقظ مستمرة، وتفتح أعينهم على المآسي التي يعيشون فيها، لأنها تلمس وجدان المجتمع، ولذلك فإن برامج السخرية في دول أخرى قادرة على إسقاط حكومات وخلع روؤساء.
■ هل تجدين الإعلام المصري قادر حاليا على تبني جانب السخرية؟
□ الإعلام المصري بعيد عن البرامج الساخرة تماما، هو فقط يعمل على برامج اجتماعية تقليدية، ولا يشتغل على السخرية السياسية التي تعبر عن آراء المجتمع، والتي تمثل ربما حالة السخط الاجتماعي الأكثر رواجا، حيث لا يقدم سوى القليل من الأزمات المجتمعية التي لا يمكن حلها بهذه البرامج غير المجدية.