القاهرة ـ «القدس العربي» من محمد عبد الرحيم: «ما أن أبدأ في قراءة عدة أسطر حتى أشعر بثقل في رأسي، ولا أطيق استكمال القصيدة، وكأنها جمل ينبغي مروره من ثقب الإبرة … الثقل الذي شعرت به في البداية كان داخلي أنا، ثقب الإبرة كان في رأسي، وطرف الإبرة كان هو الأرض التي أقف عليها، ولهذا كنت أتألم». هذا الموقف من الشعر وعالمه يسرده الشاعر المصري فتحي عبد السميع في كتاب بعنوان «الشاعر والطفل والحجر»، وهو أشبه بشهادة تفصيلية عن تجربة الشاعر مع الشعر، ومواقفه وقيمته الحياتية، بعيداً عن كلاشيهات مُستعادة دوماً، حالة دائمة وحتى الآن من صراع خفي بينه وبين الحالة الشعرية، البدايات والإيمان المؤقت، والتيه في أغلب الأحيان، محاولات متكررة من البحث عن الذات أولاً، ومحاولة العثور عليها من خلال الشعر. صدر الكتاب عن الهيئة المصرية العامة للكتاب في 133 صفحة من القطع الكبير.
انتفاضة الحجارة
يُشير عبد السميع إلى أن انفعاله الشعري تحقق من خلال انتفاضة أطفال الحجارة، وإن كان انفعاله الإنساني في خفوت الآن، إلا أن انفعاله الشعري لم يزل كذلك. ويذكر أن انتفاضة الحجارة تعد «حدثاً شعرياً بالدرجة الأولى، قامت على الدهشة وكسرت المنطق.. الطفل يُربك جندياً!، والحجر يُربك دبابة، تلك قصيدة وليست حدثاً يجري على أرض الواقع».
الأمر هنا يختص بالفعل الشعري، دون كتابة الشعر، أي مخالفة المعتاد وخلق حالة من الدهشة الدائمة.
ثورة 25 يناير/كانون الثاني وقصيدة النثر
«لا أصدق/باب الزنزانة مفتوح/والحراس يهنئونني/يطلبون السماح/ويرجونني أن لا أنسى حلاوة الخروج/لا أصدق/الحرية ترقص عارية/أمام تخت شرقي/وأنا لم أمت بعد/لم أمت/أفكر فيما سيحدث للحياة/عندما أعطي ظهري للسجن». (من قصيدة باب الزنزانة مفتوح/ديوان «الخيط في يدي» 1997).
يحاول الشاعر فتحي عبد السميع هنا أن يعقد مقارنة بالمنطق نفسه، فيرى ثورة الخامس والعشرين من يناير، بأنها فعل شعري بامتياز، فما حدث ينبع من مكان القصيدة نفسه، خاصة قصيدة النثر. الهامش في مواجهة المتن. اكتساح الحالة الثورية لنظام بالٍ قديم، كذلك اكتساح قصيدة النثر لتراث كبير وعتيق من لغة تخلقت من الشعر بالأساس. ليبدو هذا التساؤل مشروعاً إلى حد كبير «هل كان اكتساح قصيدة النثر للمشهد الشعري في السنوات الماضية نبوءة بتلك الثورة، نبوءة وقف أمامها الشيوخ حائرين وعاجزين عن بلوغ مغزاها الباطني العميق؟ إن مَن صنعوا ذلك الحدث أنفسهم أشبه بالشعراء الذين راحوا يكتبون قصيدة من دون أن يعرفوا إلى أين تذهب بهم الكلمات على وجه التحديد».
بؤس المشهد الشعري
ويستكمل عبد السميع شهادته حول المشهد الشعري المصري والعربي بشكل عام، فيرى كماً هائلاً من الشعراء، من دون مردود مكافئ له. كما أن الصدفة هي التي تضع الشاعر على الطريق الصحيح، فالغالبية تسلك الطريق الخطأ، إما التقليد أو استنساخ أصوات شعرية أخرى، والعديد من آفات الشعر وحالات الإغواء الموهومة. الأمر الأهم الذي يُشير إليه الشاعر فتحي عبد السميع، يتمثل في المناخ العربي العام، كهنة المحافل والجوائز الأدبية مثلا، الذين يحاربون كل جديد وخارج عن السائد، فهم يقتلون الشعراء قبل ميلادهم. وكذلك حالات أخرى تجهز على الشعر تماماً، نذكر منها هذه المقارنة اللافتة «لي شقيق فكر يوماً في تجارة الخراف. أحضر قطيعاً من الشلاتين، وقال أعلفه قليلاً وأتاجر فيه. أحضر أجولة الخبز الناشف، واتفق مع فلاح ليورّد له البرسيم وأشياء أخرى. في الليلة الأولى ماتت الخراف. فكّت أجولة الخبز والتهمت الطعام الوفير، تموت الخراف حين تملأ بطنها بالخبز وحده. رأسمال شقيقي صار خرافاً نافقة. وكان المشهد مأساوياً. أتذكر فرحة المسكين وهو يحضر أجولة الخبز القاتلة، كلما شاهدتُ صُناع الأمسيات أو المهرجانات الشعرية. يقتلون الشعر وهو يحسبون أنهم يحسنون صُنعاً. فتحي عبد السميع شاعر وباحث مصري، أصدر 6 دواوين شعرية هي.. «خازنة الماء، فراشة في الدخان، الخيط في يدي، تقطيبة المحارب، تمثال رملي، الموتى يقفزون من النافذة»، إضافة إلى كتاب نقدي بعنوان «الجميلة والمقدس»، ومؤلف في البحث الاجتماعي بعنوان «القربان البديل.. طقوس المُصالحات الثأرية في جنوب مصر»، الذي نال عنه جائزة الدولة التشجيعية لهذا العام.