المصري محمد حامد: الكاتب الجيد هدفه الكتابة الجادة ولتذهب الجوائز إلى الجحيم

حجم الخط
3

القاهرة ـ «القدس العربي» من رانيا يوسف: الكاتب والباحث المصري محمد حامد تتجاوز مؤلفاته المئة عمل تتنوع بين القصة القصيرة والبحث في التراث والكتابة الفلسفية، صدر له حديثاً كتاب بعنوان «أدب الجواري» عن دار نشر إبداع، يستعرض الدور الذي لعبته «الجواري» في حقبة الخلافة الإسلامية، ويتناول الكتاب التأثير الذي تركنه في عقليات الخلفاء، بالإضافة إلى الإسهامات الأدبية اللاتي قدمنها للأدب العربي، ويشير فيه إلى أن للجواري دورهن الذي لا ينكر في التأثير على عقليات الخلفاء العباسيين والأمويين، بعد اتساع الفتوحات الإسلامية، وسبي العرب للعديد من الجواري من البلدان التي يفتحونها، أو التي تهدى إليهم، حتى وصل الأمر ببعض الخلفاء إلى الشغف بالجواري بشكل لا يضاهى، كان لـ»القدس العربي» حوار مع الكاتب محمد حامد عن عمله المقبل عن الكاتب عباس محمود العقاد.
■ التحولات في كتاباتك بين الكتابة الفلسفية والتحليلية والأدبية والروائية والتاريخية، هل على الكاتب أن يتنوع في كتاباته؟
□ التنوع في الكتابة يأتي قبله التنوع في القراءة وتعدد مشاربها من شعر وأدب وتاريخ وفلسفة ودين، حتى يكوّن أو تتكوّن لدى هذا الشخص حصيلة معرفية مؤهلة لأن يخوض عباب الكتابة ومن ثمّ التبحر والتنوع فيها. في بداياتي التزمت نوعاً معيناً من الكتابة وهي الكتابة اللغوية وأحيانا الدينية بحكم تخصصي، وصدرت لي عدة كتب في ذلك، ثم بدأتُ التنوع في منتصف الألفية، عندما تنوعت قراءاتي واتسعت رقعة اهتماماتي المعرفية.. فكتبت في التاريخ والاجتماع ومؤخرا في الأدب، خاصة القصة وبعض الكتابات الفكرية الثقافية التي تميل إلى البحث الأكاديمي أكثر إلى الكتابة الفنية المتعارف عليها، وهنا أجد المتعة كل المتعة في التنقيب والبحث في ركام المراجع والكتب، حتى أخرج بكتاب لا يتجاوز عدد صفحاته الـ 160 صفحة، كما فعلت مؤخرا في كتابي «أدب الجواري».
■ في الكثير من كتاباتك تهتم بإبراز دور المرأة في المجتمع وعلاقتها بالرجل، هل المرأة في عالمنا العربي تحظى فعلياً بهذا التقديس؟
□ المرأة ظلمت نفسها قبل أن يظلمها الرجل، حينما صدقت تلك المقولة بأنها «نصف المجتمع» وعلى الحقيقة فالمرأة هي كل المجتمع وفي الموروث الديني «استوصوا بالنساء خيرا» و«حببّ إليكم من دنياكم النساء « من هنا كان ولابد من إضاءة ولو إشارة بسيطة بإبراز دور المرأة في المجتمع ومكانتها، فكتبت عنها الكثير من المؤلفات مثل «لكِ» و«نساء خالدات» نشر في مصر و»نساء من ذاكرة التاريخ» نشر في لبنان، وكتاب، «أجمل نساء الأرض» الذي يشير إلى أن معني الجمال الحقيقي للمرأة في جوهرها وليس في مظهرها الخارجي، هذا العمل نفدت طبعته الأولى في أقل من ثلاثة أشهر، للأسف نظرة الرجل العربي إلى المرأة تغيرت للأسوأ، فاصبحت النظرة للمرأة على أنها «جسد» فقط، أما العبقرية والذكاء والفطنة فلم تُخلق إلا للرجل فقط.
■ حدثنا عن عملك الأخير «العقاد» وهو قيد النشر؟
□ هو ليس عملاً كبقية أعمالي بل هو مشروع عُمر في خضم هذا الكم الهائل مما تقذفه يومياً المطابع لا نجد إلا النُدرة والنَزر اليسير بمن يهتم بالفكرة الجديدة وإحياء بعث أدبنا وثقافتنا التليد، جاءتني فكرة جمع شتات مقالات كبار الأدباء، أمثال العقاد والمازني والرافعي وأحمد الزيات ومحمود تيمور وغيره منذ عام ونصف العام، وكانت الفكرة الرئيسة هي جمع تلك المقالات من مجلة «الرسالة» فقط لِما لها من أهمية كــــبرى في الشأن الأدبي والثقافي في مصر والعالم العربي وقتئذ، وبدأت بالتتبع والتصنـــــيف، وكانت مقــــالات الكاتب عباس محمود العقاد هي أولى تلك السلسلة، التي من المنتظر أن تصدر قريباً في خمسة أجزاء عن منشورات دار إبداع في القاهرة.
■ ذكرت ذات مرة أن «الزمن المقبل للقصة وليس للرواية»، هل ليس لدينا كتاب رواية أم أنه ليس لدينا قارئ للرواية؟
□ حين فاز الدكتور يوسف زيدان بجائزة البوكر العربية عام 2009 عن روايته «عزازيل» وترشح رواية «يوم غائم في البر الغربي» للكاتب محمد المنسي قنديل عام 2010 ووصولها ضمن أفضل 16 رواية للبوكر، ومن بعدهما بدأ طوفان الرواية، هل للشهرة؟ هل لحاجة السوق وتعطشه؟ هل هي موضة.. هل وهل؟ حتى نكاد الآن لا نتذكر لا أسماء كتابها ولا عناوينها وانظري إلى معرض القاهرة العام المنصرم كم رواية صدرت؟ ومع ذلك لا يغيب عن ذهني ولا تفكيري مقولة الكاتب عباس محمود العقاد «ليس هناك كتاب أقرؤه ولا أستفيد منه شيئا جديدًا، فحتى الكتاب التافه أستفيد من قراءته، أني تعلمت شيئا جديدا هو ما هي التفاهة؟»، ومن وجهة نظري ـ وقد أكون مخطأً ـ أن كتابة الرواية اصبحت موضة ولن يبقى إلا الجيد منها وأعتقد انه خلال 5 سنوات لن يعود هناك من يكتب الرواية ـ أقصد من الشباب الروائيين الحاليين ـ إلا أُناس يعدون على أصابع اليد الواحدة.
■ بعض الكتاب استطاعوا جذب فصيل مهم من القراء وهم جيل الشباب، هل على الكاتب أن يراعي مستويات التلقي المختلفة للقارئ أثناء الكتابة؟
□ الكتابة فعل ذاتي، وهي فن ومهارة وصنعة وحرفة لها أدواتها ومستلزماتها، وكما قال الهاشمي في كتابه «جواهر الأدب في أدبيات وإنشاء لغة العرب: «إن الطريق إلى تعلم الكتابة على ثلاث شعب: الأولى أن يتصفح الكاتب كتابة المتقدمين ويطلع على أوضاعهم في استعمال الألفاظ والمعاني ثم يحذو حذوهم وهذه أدنى الطبقات عندي.، والثانية أن يمزج كتابة المتقدمين بما يستجيده لنفسه من زيادة حسنه أما في تحسين ألفاظ أو في تحسين معان وهذه هي الطبقة الوسطى وهي أعلى من التي قبلها. والثالثة أن لا يتصفح كتابة المتقدمين ولا يطلع على شيء منها بل يصرف همه إلى حفظ القرآن الكريم وعدة من دواوين فحول الشعراء ممن غلب على شعره الإجادة في المعاني والألفاظ. ثم يأخذ في الاقتباس فيقوم ويقع ويخطئ ويصيب ويضل ويهتدي حتى يستقيم على طريقة يفتتحها لنفسه. وأخلق بتلك الطريق أن تكون مبتدعة غريبة لا شراكة لأحد من المتقدمين فيها. وهذه الطريق هي طريق الاجتهاد وصاحبها يعد إماماً في فن الكتابة، إلا أنها مستوعرة جداً ولا يستطيعها إلا من رزقه الله لساناً هجاماً وخاطراً رقاماً. «
فمتى تحقق الكاتب بهذه الأدوات وتسلّح بها، كان فعله لفعل الكتابة ذاتها لا مراعاة لمتلقي ولا حساب لفئة دون فئة ،وقديما قيل للعقاد: إن لغتك وعرة صعبة، فلو خففتها ونزلت بها حتى نفهمها وندركها؟ قال : ولمَ لا تصعد أنت إليّ.
■ في رأيك من هو أفضل كاتب روائي حالياً ولماذا؟
□ الأفضلية شئ نسبي فما أراه أنا جيد، قد يراه غيري سيئ لكن على العموم أنا من أنصار اللغة القوية الرزينة، والجملة المحبكة، والعبارة الرشيقة وقبل هذا كله الفكرة الجيدة الجديدة الجادة، فلابد من حصول الكاتب عندي على 3 جيمات ( جيدة + جديدة + جادة )، الكاتب الأبرز أو الكاتب الجيد هو الذي يستطيع أن ينقل إحساسه الصادق عن طريق حواسه، للتعبير عن الأوصاف المادية التي ينفعل بها، أو كما قال كامبل – وولزلي، «إن الكاتب الجيد ينبغي أن يكون لديه ما يقول وأن يعرف كيف يقوله».
■ هل تصنيف أي عمل على أنه الأكثر مبيعاً يعني جودة العمل؟
□ في زمن نجيب محفوظ كتب أحدهم رواية حققت مبيعات فاقت الربع مليون نسخة، لماذا؟ لأنها رواية جنسية، بينما كان محفوظ لا تتجاوز مبيعاته الـ 10 آلاف نسخة، وعليه فلا يعني انتشار الكتاب وازدياد مبيعاته أنه مهم وذو قيمة على صعيد الأدب والكتابة، ولا تعني كثرة طبعاته بالضرورة أنه سيصبح علامة فارقة في المنجز الثقافي للعصر الذي ولد فيه، الأمر تتحكم فيه علاقات السوق وأشياء أخرى عديدة مثل، الإعلام والدعاية المستمرة وحديث المشاهير عن الكتاب، ووجود بعض الإثارة التي تضمن للكتاب انتشاراً سهلاً.
■ الكاتب يرتبط دائماً بما يحدث حوله، إلى أي مدى يجب أن تؤثر آراء الكاتب السياسية على أعماله؟
□ الكاتب جزء لا يتجزأ من وطنه ومجتمعه، وخير من يمثل همومه وأحزانه وأفراحه، يدور حيثما دار، ولا ينفصل عنه، هو المرايا العاكسة له، يفيد ويستفيد، ودائما يكون في حراك وحركة دؤوبة، فإذا كان هكذا فلا بد له ـ ولو مساهمة بسيطة ـ في بعض أعماله وكتاباته ـ خاصة الأدبية منها، يكتب وينقد -لا ينقض – فكل كاتب له قناعته، واتجاهاته السياسية، وأيديولوجياته الفكرية الخاصة به.
■ كيف ترى حركة النقد الأدبي الحالية وهل لدينا بالفعل كتابة نقدية متخصصة، أم مجرد نقد انطباعي؟
□ هناك أربع زوايا نقدية في النظر إلى العمل الفني، زاوية نفسية، وزاوية اجتماعية، وزاوية شخصية انطباعية، وزاوية شكلية، والسؤال يكمن في، هل هذه الوقفات الأربع متعارضة؟ والأقرب إلى الصواب أن نقول: إن كل اتجاه يجيء إضافة إلى الاتجاهات الأخرى، فقراءة العمل الأدبي وفهمه من زاويتين أفضل من قراءته وفهمه من زاوية واحدة، ويزداد هذا الفهم إذا كان من ثلاث زوايا، ويكتمل الفهم إذا قرأ العمل الأدبي من خلال الزوايا الأربع مجتمعة.
ثم ارجع إلى سؤالك: هل لدينا بالفعل كتابة نقدية متخصصة أم مجرد نقد انطباعي. وبكل تجرد أقول لكِ، هو نقد انطباعي، فأين نحن من شكري عياد ومصطفى هدّارة ومحمد مندور ونبيل راغب وغيرهم الكثير والكثير.
قال إحسان عباس في مقدمة ترجمته لكتاب «النقد الأدبي ومدارسه الحديثة» لستانلي ادغار هايمن: «يلاحظ القارئ المتتبع أن زاوية النقد الحديث في المكتبة العربية تكاد تكون خاوية. فالمؤلفات التي كتبت في هذا الموضوع على قلتها لا تخرج عن نطاق النقد القديم غربيا وعربيا، ثم قال: ومضت القافلة في هذا السبيل، بطيئة متعثرة، والدراسات النقدية في العالم من حولها تسير سيرا حثيثا نحو التعمق والتخصص، حتى غدا الناقد العربي كالمنبت لا أرضا ولا ظهرا أبقى».
بعض الكتاب ملتصقون بالإعلام، رغم تواضع مستواهم الأدبي، والبعض الآخر في عزلة، كيف شكل الإعلام في رأيك زوبعة الشهرة عند الكاتب؟ ولولا تواضع مستواهم الأدبي ما التصقوا بالإعلام.، ولولا تواضع كتاباتهم ما صنعوا لهم «أولتراس» ينافح عنهم هنا وهناك، الكتابة الجيدة، والكاتب الجيد هو من يبحث عنه الإعلام وتلاحقه الصحف والمجلات ومن الأساس يجب ألا يكون هذا كل همه، ومركز تفكيره. وإلا فليسعه بيته ولينكفأ على مكتبه وورقه وأقلامه.
■ كيف تصف غزارة الكتب التي تنشر حالياً وكيف ترى مستواها ؟
□ العبرة بالكيف لا بالكم، وإني على ثقة كاملة بذائقة القارئ الذي يحفظ مقــــولة «العملة الجيدة تطرد العملة الرديئة» وهناك حِراك وموجة أراها مقبلة وسيشهد عليها معرض الكتاب المقبل نحو مثل هذه الكتابات.
■ هل أتاحت دور النشر الصغرى الفرصة للكتاب الشباب لنشر أعمالهم؟ وهل أضرت بمستوى النشر؟
□ العبرة ليست في كون الدار صغيرة أم كبيرة، بل العبرة في آليه النشر في تلك الدور، فمن يتقاضى أموالا من أجل نشر كتاب لكاتب شاب مبتدئ ـ من وجهة نظري ـ فهو غير جدير بأن يعمل في هذا المجال، ولا أحبذ التعامل معه مطلقا، فضرر هذا الناشر أكثر من نفعه، فلا لجنة قراءة، ولا محرر أدبي ولا مراجع لغوي، بل «إدفع تنشر» ثم كيف كان الحال؟ هذا العبث الذي نحيا فيه الآن، فكل من ملك بعض الجنيهات أصبح متاحا له أن ينشر هراءه وعبثه، حتى أضحينا نعيش في تلوث معرفي وفكري وثقافي.
■ هل أصبحت ظاهرة الجوائز العربية تؤثر سلباً على الكتاب العرب، أم أنها خلقــــت مناخا جديدا للتنافس بينهما؟
□ لا أخفيكِ سرًا إن قلتُ لكِ إن هناك من الجوائز من تستكتب كاتبا بعينه لعمل معين حتى يُتاح له الفوز في تلك المسابقة، القيمة الفنية والفكرية هي التي ينبغي أن تحكم الكاتب منذ أن مسك قلمه وبدأ في عمله لا الجائزة الفلانية ولا العلانية هدفه فقط: الكتابة من أجل الكتابة ولتذهب الجوائز إلى الجحيم.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية