المصري ناصر عراق: في (الأزبكية) استلهمت التاريخ لأشيد معمارا من الخيال

حجم الخط
1

يرى الروائي ناصر عراق الفائز بجائزة كتارا في حقلي أفضل رواية منشورة، وأفضل رواية تصلح للتحويل لعمل درامي، أن العوامل الأساسية في نجاح تحويل النص الروائي لعمل درامي هو جودة السيناريو، وبراعة المخرج، بغض النظر عن جودة الرواية ومتانتها.
ناصر عراق أديب وإعلامي مصري، تنوع قطافه الإبداعي بين الرواية والفن التشكيلي، تخرج في كلية الفنون الجميلة جامعة حلوان 1984، وعمل في الصحافة الثقافية في مصر مديرا لتحرير «اليوم السابع»، ثم انتقل إلى دبي سنة 1999 وأسهم في تأسيس دار الصدى للصحافة، ثم تولى رئاسة القسم الثقافي في مجلة «الصدى» الأسبوعية لمدة ستة أعوام، أسهم بعدها في تأسيس مجلة «دبي الثقافية» ليصبح أول مدير تحرير لها بدءا من العدد الأول في أكتوبر/تشرين الأول 2004 ولمدة سبع سنوات، وكان صاحب فكرة إصدار كتاب «دبي الثقافية».
صدر له عدد من الروايات بينها «من فرط الغرام»، و«العاطل» التي وصلت لقائمة «البوكر» القصيرة عام 2012، و«الأزبكية» التي فازت مؤخرا بجائزتين في مسابقة كتارا للرواية العربية.
هنا تفاصيل الحوار:

■ أيهما سبق الآخر في التسلل إلى عوالمك: الإعلام أم الأدب، ومتى فكرت بكتابة أول رواية؟
□ لا أستطيع التحديد، فقد تسلل الإعلام والأدب إلى وجداني في وقت واحد، وأنا مازلت طـــفلا صغيرا جدا، فوالدي الراحل عبد الفتاح عراق كان مثقفا عصاميا بامتياز، ورغم أنه لم يحصل على أي شهادة دراسية، غير أنه كان قارئا نهما، يطــــالع كتب طـــه حســـين وسلامة موسى والعقاد والحكــــيم، ويحفظ شعر المتنبي وشوقي وأبو نواس، ويتردد على دور المسرح والسينما في النصف الأول من القــــرن العشرين، ويطرب كثيرا لأم كلثوم وعبد الوهاب، ويتصفح «الأهرام» يوميا، وقد انعكس هذا الشغف بالثقافة والآداب والفنون على أشقائي الكبار (إبراهيم وفكري وماجدة وفـــــوزي)، الذين شاركوا والدي في تحريضي على عشق الأدب والصحافة وإعمال العقل، فكانوا يتبادلون المعارف في بيتنا البسيط في شبرا الخيمة في القاهرة، وكانوا يتناقشون في السياسة والاقتصاد والتاريخ والآداب والفنون تحت مظلة والد أوتي من الحكمة الكثير والكثير، وما أنا سوى ابن لأسرة مصرية تعشق الوطن وتبحث عن المعرفة والحقيقة في أي مكان. أما متى فكرت لأول مرة في كتابة رواية، فذلك يعود إلى عام 1976 عندما كنت تلميذا في الصف الثالث الإعدادي، حيث كان مقررا علينا الجزء الأول من «الأيام» لطه حسين، فافتتنت بها، وبعد أشهر قليلة قرأت ثلاثية نجيب محفوظ موفورة الصيت، فبهرتني وقررت أن أكون مثل هذين العبقريين، وظل هذا القرار يضغط على أعصابي بشدة لمدة تزيد عن ربع قرن حتى تصديت لتنفيذه في مطلع عام 2001، عندما شرعت في كتابة أولى رواياتي «أزمنة من غبار».
■ فازت روايتك «الأزبكية» بجائزة كتارا كأفضل رواية قابلة للتحويل إلى عمل درامي، من وجهة نظرك، ما هي أهم العوامل التي يتوقف عليها نجاح تحويل نص روائي إلى عمل درامي؟
□ في تقديري أن الرواية المصنوعة بذكاء، وتحمل بين طياتها حبكة مثيرة ومشوقة تصلح للتحول إلى عمل درامي، ولكن الفيصل في نجاح أي عمل درامي هو جودة السيناريو وبراعة المخرج، بغض النظر عن جودة الرواية ومتانتها، لأن قوانين الدراما ومتطلباتها غير قوانين النص الروائي المكتوب.
■ جاءت أحداث رواية « الأزبكية» في فترة مهمة تكاد تكون مهجورة من تاريخ مصر، أيهما استلهمت أكثر التاريخ/ أم الخيال في صياغتها؟
□ في «الأزبكية» استلهمت التاريخ لأشيد فوقه معمارا من الخيال، بحيث يصبح من الصعب على القارئ أن يحدد بالضبط أين الحقيقة وأين الخيال في هذا العمل الروائي. وفي ظني أن هذا التضافر بين الاثنين هو ما يمنح العمل حيوية ونبضا وحرارة تثري مشاعر القارئ وتغني مخيلته، وهو ما حاولت أن أفعله في (الأزبكية).
■ ألا ترى أن الجوائز تزيد من إحساس الكاتب بالمسؤولية تجاه الكتابة حد تقييد إبداعه؟
□ في البداية علينا التأكيد على أن الكاتب الجاد لا يكتب من أجل اصطياد جائزة من هنا، أو اقتناص تكريم من هناك، وإنما يكتب تحت ضغط إلحاح داخلي يقض عليه مضجعه، ويريد أن يعبر عنه بشكل إبداعي، فإذا جاءته جائزة، فأمر مفرح لا ريب، لكنه سيظل يواصل إبداعه مادام يمتلك مشروعا يعمل على إنجازه. صحيح أن حصوله على جائزة مهمة سيجعله أكثر حرصا، لكن إذا كان كاتبا جادا، فالحرص سيظل قرينا به حتى لو لم يحظ بنعمة الظفر بالجوائز.
■ ما دور الرقيب الذاتي داخل الكاتب العربي في تحجيم حرية الإبداع لديه؟
□ سؤال مهم جدا أستاذة منى، فالمحرمات العربية كثيرة ومؤسفة وفي ازدياد، من أول السياسة حتى الدين والجنس، ولا سبيل إلى الشك في أن هناك رقيبا ذاتيا داخل كل كاتب يعرقل انهمار إبداعة بطريقة سلسة، لأنه يعرف أن وراءه حمولة ثقيلة من المحرمات السياسية والاجتماعية ستقف حتما ضد نشر روايته أو نصوصه، ولكن الكاتب الحصيف يستطيع بذكاء التحايل على هذه المحرمات ويتجاوزها بفطنته الإبداعية وخياله الوثاب.
■ من «عطر الأحباب» في مصر، إلى «دبي الثقافية»، ماذا أضافت تجربتك الصحافية لمسيرتك الأدبية، وهل ثمة تداخل بينهما؟
□ يعد باب «عطر الأحباب» الذي كنت أحرره كل يوم جمعة في «اليوم السابع» عام 2014، من آخر الأعمال الصحافية التي أنجزتها وسعدت بها كثيرا، أما مجلة «دبي الثقافية» فقد أسسناها في عام 2003 في دبي، برئاسة تحرير الشاعر والإعلامي الإماراتي سيف المري مدير عام دار الصدى للصحافة التي تولت إصدار «دبي الثقافية»، والتي أصدرت العدد الأول منها في أكتوبر/تشرين الأول 2004، حيث كنت أول مدير تحرير لها، وظللت في موقعي حتى فبراير/شباط 2010، أصدرت خلالها 57 عددا. على أي حال، فقد أفادتني الصحافة كثيرا جدا في تطوير مهاراتي الروائية، وأهم هدايا الصحافة لي تتمثل في الاقتصاد اللغوي، لأن الصحافة تنفر من الثرثرة والإطناب، لأن مساحات النشر في الصحف صغيرة لا تسمح بذلك، هذا الاقتصاد اللغوي وهب النص الروائي – كما أعتقد – إيقاعا حيويا وسريعا يشد القارئ ويدفعه دفعا لمواصلة القراءة. كذلك منحتني الصحافة نعمة البحث عن ابتكار تراكيب لغوية جديدة تفتن القارئ وتسحره وتجعله ينتشي بما يقرأ.
■ وصلت روايتك «العاطل» للقائمة القصيرة في جائزة البوكر العربية، الدورة الخامسة 2012، فهل شكل هذا دافعا جيدا لمسيرتك الأدبية؟
□ من المعروف أن الجوائز المهمة تعزز فضيلة الحرص على الإتقان لدى المبدع، وعندما وصلت «العاطل» إلى القائمة القصيرة سعدت بها جدا، لكنني كما قلت لحضرتك… الكاتب الجاد يظل مخلصا وفيا لنصوصه، يعمل عليها ويجوّدها، بغض النظر عن نصيبه من الجوائز، وما سيسقط في فمه من تفاح هذه الجوائز.
■ بعيدا عن الجوائز، وفي ظل التزايد المستمر في عدد الروائيين، ما هي أهم التحديات التي تواجه الروائي العربي الآن؟
□ في اعتقادي أن الروائي كي ينجح في عمله عليه أن يكون مدججا بعدة أسلحة بالغة الأهمية، منها: الاستزادة من المعارف كافة، خاصة الرواية والشعر والفنون بتنويعاتها المختلفة من مسرح وسينما وموسيقى وفنون تشكيلية، ومنها تطوير علاقته باللغة العربية وإتقانها إتقانا لا شبهة فيه، ومنها الاطلاع على إبداعات الآخرين المتميزة المكتوبة بلغات أجنبية، ومنها تطوير مخيلته وإغنائها باستمرار، ومنها الاطلاع على نظريات النقد المختلفة، وكتابات النقاد التطبيقية…. إلى آخره.
■ يقول واسيني الأعرج: «إن الكتابة الأدبية عن الثورات العربية لم تحن بعد»، فماذا عن الكثير من الروايات التي دارت حول ثورة الربيع العربي/ مصر أنموذجا، وهل ترى أنها استطاعت أن تأتي في مستوى توثيق وتأريخ الحدث؟
□ من المعروف تاريخيا أن الأدب الجيد لا يزدهر إلا في فترات استقرار اجتماعي، حتى لو كان هذا الاستقرار يتسم بالسلبية، لذا ففترات الثورات والحروب من الصعب أن ينتج عنها أدب رفيع إلا فيما ندر، وعندنا مثالان: الثورة الفرنسية التي اندلعت عام 1789، والثورة الروسية التي اشتعلت في عام 1917، لقد توقف المبدعون عن إنتاج أعمال متميزة طوال سنوات طويلة عقب هاتين الثورتين، حيث شهدت تلك الأعوام اضطرابات اجتماعية عنيفة وصراعات على السلطة أكثر عنفا.
وفي بلدان الربيع العربي، خاصة مصر، كابدنا شيئا مشابها، وإن كان الوعي بمصير هذا الربيع قد تجلى مبكرا، فتصدى عدد من الروائيين إلى كتابة أعمال توثق بعض أجواء ثورة يناير/كانون الثاني 2011 وتوثقها، بوصفها ثورة مغدورة كما كتبت ذلك مبكرا في أحد مقالاتي في «اليوم السابع» في نوفمبر/تشرين الثاني 2011.
الشاهد أن كلام الروائي الصديق الأستاذ واسيني الأعرج صحيح تماما، وأظن أن ثورات الربيع العربي ستظل تلهم الكتاب سنوات طويلة مقبلة، خاصة بعد أن تستقر الأوضاع ويتوقف دويّ الرصاص، وتخلو السماء من دخان المعارك.

المصري ناصر عراق: في (الأزبكية) استلهمت التاريخ لأشيد معمارا من الخيال

حوار منى حسن

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية