بغداد ـ «القدس العربي» ـ من علي لفته سعيد: يعد يسري عبد الغني واحدا من أهم الأقلام النقدية العربية التي مازجت بين النقد الأدبي والنقد الأكاديمي وكذلك البحث العلمي، فهو منذ أن نشر أوّل مقالةٍ ثقافية عام 1969 وأوّل بحثٍ أكاديمي عام 1971، وأوّل كتابٍ أصدره عام 1973 لم يزل ينشر المقالات في العديد من المجلات في مصر والوطن العربي وأوروبا، حتى وصلت مؤلفاته إلى أكثر من 45 كتابا في مجالات الفكر والثقافة والأدب والتاريخ والنقد، كما له العديد من الكتب المحققة، في مختلف مجالات التراث العربي والإسلامي، وعمل خبيرا ومحرّرا وكبير مستشارين في عددٍ من المؤسّسات الثقافية داخل مصر والوطن العربي. حصل عبد الغني على العديد من الجوائز أكثرها خارج مصر. وقد خص «القدس العربي» بهذا الحوار..
• تعدّد المجالات الإبداعية بين الصحافة الثقافية والعمل الأدبي وترؤس مؤتمرات، هل يحتاج المبدع إلى دربة وموهبة؟ أم إلى حبّ ما يقوم به؟
□ العمل الثقافي أو البحثي يجب أن ينطلق من حبّ حقيقي يحرّك ما يقوم به الإنسان، مع السعي إلى تحقيق أهداف محدّدة من أجل خدمة الناس، وبالذات المهمشين الذين يحتاجون من يأخذ بيدهم، والثقافة ممكن أن تؤدي دورها في التنمية لمجتمعاتنا العربية، أما الكلام والثرثرة الفارغة التي نتشدّق بها ليل نهار فلا تجدي، بل تضرّ مجتمعاتنا التي أسأنا إليها، وبالطبع الموهبة أمرٌ ضروري في كلّ من يتصدّى للعمل الثقافي أو البحثي، المعطّل عن الموهبة لا يمكن أن يكون مؤثرا، وأيضا الثقافة الموسوعية الشاملة أمر واجب ففاقد الشيء لا يعطيه.
• هل تعتقد إن الأدب يمكن أن يخلق مجتمعا واعيا؟ وهل أثر إنتاجك على الخريطة الإبداعية لأجيال مختلفة؟
□ الأدب أو الإبداع بوجه عام إن لم يعبّر عن المجتمع وقضاياه ومعاناته فلا صفة له، والأديب الفاهم الواعي عليه أن يجمع بين الشكل والمضمون، كما تعلمنا قديما، الأدب الذي لا يقترب من همّ اليومي ويحلّق في تهويماتٍ فارغةٍ، على أصحابه البحث عن مهن أخرى أفضل لهم ولنا. بالنسبة لتأثير مؤلفاتي المتواضعة جدا، التي اقتربت من 45 كتابا، لا أستطيع أن أحكم على ذلك، القارئ هو الذي يحكم، والتاريخ الأدبي والثقافي هو الذي يقرّر ما إذا كانت لها قيمة، أو من الأفضل أن تلقى في سلال المهملات، وإن كنت أشعر بسعادةٍ غامرة عندما أجد بعض الشباب يعتمد في أبحاثه وأطروحاته العلمية على بعض مؤلفاتي، وبكلّ أسف فبعض المثقفين يعرفونني في الوطن العربي وفي بعض البلاد الأوروبية، ولكن في مصر العبد لله شبه مجهول، وبالذات لدى مؤسساتنا الثقافية الرسمية.
• يعاني النقد العربي من أزمة ظهور نظرية خاصة به، ما رأيكم؟
□ نحن لا نملك نظرية نقدية، نحاول أن نزرع في تربتنا بعض المذاهب النقدية الغربية الغريبة علينا، التي لا نفهم أصلا أهدافها ومراميها الهادفة إلى تفكيكنا وتقسيمنا وتمزيقنا. والسبب في فشلنا النقدي منذ القرن الرابع الهجري أيام الجرجاني ورفاقه، أننا لا نمتلك نظرية فلسفية، وليس لدينا منظومة ثقافية أو تعليمية حقيقية تؤدي إلى ذلك.
• قلت إن الرواية العربية بدأت تنحدر إلى مستويات مخيفة، ألا تعتقد أن هذا الرأي صادم أمام الضخّ الروائي الذي وصل إلى أكثر من 3 آلاف رواية خلال العقد الأخير؟
□ أنا لا أهاجم الرواية، وأعلم جيدا دورها وأهميتها في وقتنا الحالي، وهناك العديد من الروائيين يسعون إلى أن تقوم الرواية بدورها، أنا أشفق على الرواية وفقا لما أراه على الساحة من روايات هابطة، لا يعرف أصحابها معنى كلمة رواية، وليس لديهم أدنى فكرة عن تاريخها أو أصولها أو قواعدها أو بنائها، ما يحدث في حقّ الرواية هو جريمة بكلّ المقاييس، وإذا استمرّ الحال على ما هو عليه فأعتقد أن الرواية العربية مهدّدة بالاندثار. فلنقل أننا في زمن النصّ الأدبي الجيد، أو في زمن النصّ الأدبي الذي نتمنّى أن يعّبر عنا عقليا ووجدانيا، بغض النظر عن تحديد الجنس الأدبي.
• قلت إن مشكلة البعض أنهم بمجرد قراءتهم كتابين أو ثلاثة لنيتشه ودوستويفسكي وصولا لكونديرا وسيوران، يعتبرون أنهم بلغوا مرتبة تسمح لهم بإطلاق الأحكام. ألا تعتبر تأثير ذلك على مناسيب القراءة وثقة المتلقّي بالمنجز الثقافي؟
□ نعم، كل من قرأ كتابين على الشبكة العنكبوتية، أو قل بعض البوسترات أدّعى أنه من أهل الثقافة، القراءة هي تكوين عقلي ونفسي، أضف إلى ذلك تنمية للشخصية بوجه عام، ويجب أن نقرأ في كلّ شيء وأيّ شيء إذا أردنا أن نكوّن بحقّ فكرنا وذائقتنا الجمالية، عبر مشروعِ قرائي منظم في شتى فروع المعرفة، التي أصبحت متاحة للجميع الآن، عكس أيامنا التي كانت المعرفة أو الحصول عليها من المعضلات أو المستحيلات. علينا أن نعود مرة أخرى إلى الاهتمام بالمكتبات في المدارس والجامعات والنوادي والملتقيات.
• هل في إمكان القراءة أن تضيف تجربة للمتلقّي؟ أم أن الأدب هو ماكينة شخصية تابعة للمؤلف؟
□ المؤسسات الثقافية الرسمية في وطننا العربي بوجه عام ـ إلا من رحم ربي ـ في غرفة الإنعاش منذ سنوات طويلة، ومن هنا تحتم على الجهود الأهلية أن تفعل، وتنزل إلى الشارع، وإلى الناس، وتحاول أن تقدم لهم ثقافة رفيعة بناءة تسمو بهم. هنا أطالب بضرورة أن يكون هناك تنسيق وتعاون بين المنظمات الأهلية الثقافية، ولا داعي لأن يعمل كلّ كيان في عزلةٍ عن الآخر، وأيضا فلنترك الشوِ الإعلامي ونعمل بجدّ واجتهاد من أجل صالح الثقافة، بعيدا عن الأنانية والنرجسية والادعاءات الباطلة. وطالما لا نمتلك استراتيجية ثقافية مبنية على أسسٍ علميةٍ سليمةٍ، فمن المستحيل أن نرتقي ثقافيا على كل الأصعدة، وسيظل ما نحن فيه من تخبط وعشوائية هدامة مستمرة.
• عايشت كبار الأدباء سواء على مستوى مصر أو الوطن العربي، هل يمكن تحديد المستوى الثقافي بين الزمنين، وإلى أي سببٍ تعزو نجاح أو تفوق أحدهما على الآخر؟
□ أحزن كل الحزن عندما تردد الأجيال الجديدة مقولة (نحن جيل بلا أساتذة)، وصدقني إن قلت لك: إنهم بالفعل محقون. لقد تعلمنا من أساتذتنا أن نأخذ العلم والمعرفة من أي إنسان مهما كان، لقد تعلمت وقرأت على يد عمال المخازن في دار الكتب المصرية، الذين مازلت أدعو لهم بكل الخير، فالعلم مطروح أمام الجميع المهم أن نأخذه بحب ونستفيد منه من أجل صالح مجتمعاتنا.
• هل أصبح التراث يتيما وأنه سيموت أمام التقلبات التي يشهدها الواقع العربي؟
□ مَن ليس له ماض لا حاضر ولا مستقبل له، وبدون التراث لن نستطيع أن ننهض بفكرنا ونعتز بهويتنا، التراث هو روح الأمة وعصبها، وعلينا أن نسعى لأخذ أحسن ما فيه ونطوعه للحاضر، ونأخذ منه دروسا مستفادة تنفعنا في المستقبل، وعلينا أن نجعل الصلة دائمة ومستمرة بتراثنا الذي استفاد منه العديد من الأمم وبنت حضارتها عليه، أما نحن فحرقناه وبددناه ودمرناه وتركناه للنهب والسرقة والتهريب، فلنتق الله في تراثنا، فالأجيال القادمة ستحاسبنا على ما فعلناه بهذا التراث.
• كيف يمكن أن نجعل المتلقّي العربي يسعى للقراءة وبطنه خاوية؟
□ أيام شبابنا لم نكن من الأثرياء أو من علية القوم، ورغم ذلك كنا نبحث عن الثقافة في أيّ وعاءٍ معرفي، كتاب، مسرح، سينما، معرض، إذاعة، تلفزيون، ندوة. لم تكن في أيامنا وسائل تكنولوجية حديثة، لنضغط على زرّ ليخرج لنا كتاب على الشاشة، كنا نذهب إلى المكتبات في الصيف والشتاء ونجلس الساعات الطويلة، نقرأ ونتعلّم ونحاول أن نعي ما حولنا، وفي الوقت نفسه كنا نتعلّم في الجامعات، بل ونعمل أيضا لننفق على أنفسنا.
أعتقد أن معادلة الجوع والقراءة معادلةٌ غير مستحبة، ومنذ متى ونحن بعيدون عن الجوع! ليتنا نسعى بقدر المتاح لنا للعلم والثقافة والتنوير، الكتاب بثمنه لا يساوي شحن كارد محمول أو نقال، كم ننفق على الثرثرة الفارغة على الهواتف المحمولة طوال اليوم، فلنوفر ولو جزءا قليلا من هذا السفه ونشتري كتابا حتى لو كان قديما من على الأرصفة، أو نستفيد من مواقع الكتب العديدة الإلكترونية المتاحة لنا.