اِستيقظ فجر هذا اليوم على غير عادته، كان الاضطراب باديا على سحنته التي طبعتها الشيخوخة في وقت مبكر. كان يتعوذ بالله من الشيطان الرجيم، ويبسمل ويحوقل.. يهمهم … لقد ضاع منه كل شيء. ضاع منه مصدر رزقه الوحيد… ووجد نفسه في ساحة رحيبة مقفرة. كان محاطا بسياج من أسلاك شائكة انتظمت في أعمدة إسمنتية وحديدية وبعضها خشبي ركزت كلها في الأرض على شكل دائري. كانت يداه مكبلتين إلى الخلف بقطعة حبل تشبه الحبل الذي يوثق به بقرته الوحيدة.. وفي رجليه قيد من الدوم مفتول، كما تفتل قيود الدواب الجامحة… لعله قيد أتانه الهزيلة، وكان بجانبه قليل من التين المجفف وكسرة خبز يابسة وحبيبات زيتون في كيس بلاستيكي أبيض. بدأت تداهمه عواصف من الأسئلة: كيف جئتُ إلى هنا، ومتى؟…الموت ولا هذا المكان… والبقرة من سيتبن لها، والأتان من سيوردها؟ يا إلهي ما هذه القدرة؟…ها هو ذا ما يزال سادرا في أسئلته تهاجمه فيقاومها… وما هي إلا لحظات حتى سمع وقع أقدام تتجه نحوه مصحوبة بجلبة من الأصوات تترامى نحو مسمعه… شك أن تكون مجرد وقع أقدام بشر… لا شك أنها حوافر بغال. حاول الالتفات إلى الجهة التي ينبعث منها صوت وقع الأقدام والحوافر، ولكنه لم ير شيئا… يا إلهي! من الذي أتى بي إلى هذا المكان؟ لا تستطيع «حادَّة «زوجة أبي الله يرحمه ويوسع عليه ويغطس عظامه في الجنة، أن ترعى البقرة والأتان. البقرة ستخور جوعا وسيسمع الجيران خوارها فيتشفون من أسيادهم … والأتان ستقطع طِوَلها وستتجه نحو البردعة فتخرمها وتأكل تبنها، حتى إذا جاء يوم السوق كنا مضطرين لبيع وجهنا واستجداء بردعة للتسوق. ولكن من سيضعها في يدك؟ قلوب الصخور والقبور؟ هم لم يكرهوا أن تموت الأتان التي تهز أرجلنا في الطريق وحبات الدقيق. هم لم يكرهوا أن تموت البقرة ونبقى من دون قطرة حليب. لم يكرهوا أن نخفي وجوهنا عنهم من هنا! لم يكرهوا أن يذهبوا إلى عيون «الدوار» الثلاث لوحدهم ويسقوا الماء دوننا… لم يكرهوا أن يسبحوا في النهر وحدهم ويصطادوا أسماكه وحدهم، ويجنوا ثمار الأشجار التي تحفه وحدهم، ولكن الله كبير… كبير سوف لن نموت جوعا… سننحت عشاءنا من الحجر، لهم الثمار ولنا لحاء الشجر… وإلا… رحم الله من قال: «قبر مملوء خير من جيب فارغ».
اِختفت الأصوات التي كانت تداهمه… وها هي الروائح تنبعث من المكان نفسه؟ فمن يطهو يا ترى؟ رائحة السمك المقلي تقرع الأنوف… كم اشتهيته مع كسرة الخبز التي أمامي، لكنه يعطّش ولا ماء لديه… اختفت رائحة السمك المقلي وانبعثت رائحة الكسكس بالبصل والزبيب… ليته باليقطين والقرع السلاوي واللفت والجزر والباذنجان وحبيبات الحمص… عالم وأي عالم هذا. ها هي أصوات المزامير والطبول والدفوف تمتزج بروائح الأطعمة… ها هي الأصوات تقترب منه وهو يلتفت يمينا وشمالا علَّه يرى شيئا، لكن من دون جدوى… كلما اقتربت منه أصوات المزامير والطبول والدفوف، تتخللها بين الفينة والأخرى أصوات رجالية ترتفع بالصلاة والسلام على الرسول، وزغاريد نسائية لذيذة تتناهى إلى مسمعيه كما تتناهى لقيمات جافة إلى جائع ليال ثلاث… كلما اقتربت منه هذه الأصوات ازداد حيرة… يريد أن يخرج من السياج الشائك فيجد نفسه مكبل اليدين مصفد الرجلين… هبة ريح أثارت نقعا أصابت عينه اليمنى بقذى فبدأت تدمع… يريد أن يكفكفها فلا يجد لذلك حولا ولا قوة. اذرفي يا عيني اذرفي اذرفي…ابكني وأنا حي… أما إذا مت فلا داعي للبكاء. بدأت الأصوات تخفت شيئا فشيئا إلى أن انقطع حسها تماما… ولا أحسبها إلا راتعة في ذلك الوادي الذي لم يعد به إلا الحصى القضيض والأحجار المفتتة. الله وحده يعلم من ابتلع رماله الرمادية الحرشاء… ما زلت أتذكرها وأنا أداعبها وأحتضن دفئها، هناك تعلمت مداعبة التنين، كاد أن يسرطني قبل أن يألفني.. أذكر أن أبي بعثني لأجلب الرمل لتهيئة فناء «الخيمة» استعدادا لعرس عمتي «الضاوية» لكن رجلا غريبا سوطني وطردني من هناك وهو يقسم أن يفعل بي شيئا قبيحا لو عدت إلى هذا المكان.
اختفت الأصوات، إذن، في الوادي…ولكن من أين قدمت هذه التي تتراءى له قادمة من بعيد ترفل في فستانها متعدد الألوان… أهي عروس فرت من البيت ليلة عرسها؟ هل تبحث عن ملجأ يأويها؟ أين تقصد يا ترى؟ المكان قفر… والسياج الشائك من ضربه؟ بدأت تقترب وبدأت ملامحها تتضح…هَبْ أنها فرت ليلة عرسها، فلم؟ الجمال جميلة والحسن باد على محياها، والقد والقوام ها هو! بدأت تقترب منه وتأويله يزداد، وفرائصه ترتعد… بدأ يتصبب عرقا.. لو كلَّمَتْه بم يجيبها؟ وهل سترضى تكليمه؟ لم تعد يفصلها عنه سوى بضع عشر امتار… ما زال يتابعها، يهمُّ أن يلوح لها فيجد نفسه مكبلا… ها هي تتوقف وبادرته بتلويحة يدوية… حركت رأسها إلى الخلف بعنف لطيف تحرك على إثره شعرها الفاحم المُرْخى إلى الوراء… ثم أخذت نهديها بملء كفيها وحركتهما فتموج صدرها تموجا اهتز له قلبه… كان ينتظرها أن تنبس ولو بكلمة واحدة، لكنها لم تفعل… كلَّمها هو بصوت مسموع ولكنها تبدو صماء… حاول أن يتخلص بقوة من قيوده فوجد نفسه محكم الوثاق… ها هي تتقدم خطوتين إلى الأمام… ثلاث…أربع خطوات… رسمت على محياها ابتسامة رقيقة، ضمت أناملها وسددتها نحو ثغرها وقبلتها… وألقت بها نحوه متفرقة وكأنها تبعث له قبلة… أشارت إليه أَنْ تعالَ… بدأ يرتعش، لا يدري ماذا يفعل… والتين المجفف والزيتون بالقرب منه. أراد أن يجيبها وأن يبعث لها بالحركة نفسها، أراد أن يضم أنامله مثلها ويقبلها ويبعث بها نحوها، لكنه ألفى نفسه مكبلا… أراد أن يتراجع قليلا إلى الوراء ويلملم قواه ويقفز من على السياج الشائك ليضمها إليه ويقبلها ويقول لها إنه مستعد ليكون عريسها… مستعد لذبح البقرة الوحيدة التي كان يكسبها… لو أن القطار لم يدهسها، لو أن القطار لم يدهسها…!
٭ قاص مغربي
مصطفى الورادي