المناضل إنسان نذر نفسه لأجل شعبه وبلده، والقضية الكبرى هي بوصلة عقله ووجدانه ونشاطه، لا يتوانى عن الجهر بالحق ولو على نفسه، ويبذل أقصى الجهود لوحدة أبناء شعبه في مواجهة المحتل أو المستبد، ولأجل هذه القيم نراه يبحث عن ما يجمع ويستبعد ما يفرّق، يتقبل النقد، بل وينتقد نفسه، ليس في قاموسه الشخصي كبرياء إلا أمام الظالمين، مهيض الجناح أمام أبناء شعبه، وينظر بعطف ورحمة حتى مع المخطئين بحقه من أبناء شعبه.
المناضل لا يستغل موقعه لمنح مقربيه امتيازات مادية، ولا يخص أفراد أسرته أو إحدى عشيقاته بمشروع ربحي وامتيازات، وأكبر الحرام والكبائر عنده، أكل مال أبناء الشهداء والأسرى، لأنها نار في بطن من يقترب منها.
مصيبة شعبنا ليست بالخونة والجواسيس التقليديين، هؤلاء قلة ويكشفون، وشعبنا يتقيأهم، ولكن المشكلة الكبرى بأولئك الذين يحملون شهادة مناضل مخضرم، أو المناضل الكبير، وأخطر هؤلاء من كان في يوم ما مناضلا بالفعل فقاتل، أو سجن وربما جُرح، ولكنه بدّل اتجاها وقناعات، وتلاعبت به العواصف، فراح يصرف رصيده النضالي بالعملة الصعبة والنفوذ وحياة الرفاهية، خطورته أنه ما زال يحوز ثقة واسعة من الجمهور، بل يوجد أناس تعلقت معيشتهم اليومية به، وما أن ينتقده أحدهم حتى يشهر بوجهه نضاله القديم.
في مجموعة قصصه القصيرة «الطعنات» يتطرق الراحل طاهر وطار إلى الفساد في السلطة، بعد وصول الثوار إليها، ليصبح العمل الثوري تشريفا لا تكليفا، وهذا اقتباس من قصة اليتامى بتصرف: «كنا نعرف ماذا يريد عبد الواحد أن يُسْمِعَه للمدير. سيقول له أولاً، إننا نحتاج إلى أجرة عملنا التي لم نقبضها منذ ثلاثة أشهر، والتي بلغنا أنها جاءتنا، لكن المدير فضّل أن يسدد بها الديون المترتبة على المزرعة التي لا علم لنا بها. أيها المدير هذه خمس سنوات وأنت تشلُّ عملنا بمنعنا من التجمع، وتكوين لجنتنا أو نقابتنا. أيها المدير سرقتنا مع جهازك الحسابي، فعملنا هو هو، لكن مردوده يتضاءل في أوراقك مهما بذلنا من جهد. أيها المدير، إنك تبيع محركات جراراتنا الجديدة وتستبدلها بقديمة، وإنك ترسلها للإصلاح دونما عطب أو خلل. أيها المدير لقد بلغنا إنك من خونة الثورة. أيها المدير إنك وزوجتك وابنتك وكلبك وسيارتك تنفق أكثر من عمال المزرعة. أيها المدير أنت سبب آلامنا وتعاستنا وشقاوتنا، وإنك ستعين مديرا في مكان آخر لتواصل مهمتك بينما نحن نتبعثر، نجرجر الخيبة والتعاسة. ما كان سيقوله عبد الواحد الجزائري في هذه القصة هو هاجس معظم الفلسطينيين اليوم.
الشارع في الضفة الغربية متذمر نتيجة الفساد المستشري في السلطة والمحسوبيات في ظل الانقسام وغياب المجلس التشريعي وغياب الرقابة. تدهورت المعايير حتى صار هناك حديث عن بحث أمر وقف رواتب أسر الشهداء والأسرى مع الأمريكيين، وهو أمر أنكره مسؤول فلسطيني لصحيفة «هآرتس» يوم أمس الأربعاء، ولكن لا دخان بدون نار، فقد اعترف هذا المسؤول بقطع الرواتب عن 277 من أسرى حماس، الذين أطلق سراحهم في صفقة شاليط، وعلى رأيه أن هذا ليس ضمن خطة وقف مخصصات الأسرى والشهداء، بل ضمن سياسة الضغط على حماس، في الواقع هذا عقاب لمئات الأسر التي قاومت الاحتلال.
في قطاع غزة تعاني الأكثرية معاناة شديدة من فقر مدقع، هذا الضغط يزيد الفقراء فقرا، حماس تحاول إيجاد منفذ، ولكن مصر السيسي ترى فيها عدوا، والتحريض ضد حماس دموي في الإعلام المصري وحليفه الإعلام السعودي. بعض الجامعيين في القطاع يعملون كحمالين مقابل سبعة دولارات في اليوم، الحصار والحرب التدميرية وانسداد الأفق أتعب الناس، كذلك تقليص أو قطع الرواتب، لكن أكثر ما أتعب الناس وأيأسهم هو الانقسام والإمعان فيه، فالوحدة قوة حتى مع الفقر المدقع، ولكن تحويل الاحتلال إلى حليف وتحريضه ومنحه غطاءً عربياً وفلسطينياً لجرائمه، وهو الذي لا ينتظر إذنا من أحد في عدوانه، فهذا بلاء لا يتحمله الشعب ويجعله يكفر بكل القيادات، ويدفع الناس للخلاص الفردي، شاهدنا هذا بضعف التضامن مع الأسرى، بل وعرقلة التضامن معهم من قبل السلطة.
في إدارة قطاع غزة أيضا هناك فئة من الأغنياء الجدد، وهناك تعامل خاص مع المقربين من سلطة حماس، وتهميش وتجاهل وحرمان لغير المنتمين للحركة، ولكن هذا لا يبرر لأي كان الاصطفاف إلى جانب الاحتلال والانضمام إلى الحلف الذي يشيطن حماس، فالاحتلال يشيطن كل مقاومة، حتى ولو كانت لوحة أو قصيدة.
سلطة رام الله منذ البداية لم تسع بإخلاص للم الشّمل، وهذا ما أثبتته الأيام لاحقا، وليس هذا فحسب، فقد صارت قضية دعم عائلات الأسرى موضوع نقاش، هذا يبدأ كبالون تجريبي، لا يلبث أن يتحول إلى واقع، بحيث يصنفون المقاومين إلى درجات، إلى شياطين وإلى أقل شيطانية، فيجزّئون المُجزّأ، في الوقت الذي لا يتوقف فيه تمدد الاستيطان ولا للحظة واحدة، ويزداد الإجماع الصهيوني حوله أكثر وأكثر كلما تراجع الفلسطينيون والعرب أكثر عن مطالبهم وحقوقهم. كل هذا ظنا من سلطة رام الله أن أمريكا ستضغط على إسرائيل باتجاه حل الدولتين، ولكن كل هذه التنازلات والفذلكات لم ولن تسفر إلا عن مزيد من التشرذم الفلسطيني، وقتل روح المقاومة، مقابل المزيد من الجشع الاحتلالي، لقد بات من كانوا ثواراً في يوم ما والحاصلين على شهادة مناضل مخضرم عبئا على شعبهم وعلى قضيتهم، وعليهم أن يعيدوا حساباتهم، وعمل متأخر أفضل من لا شيء، وإلا فالأفق قاتم وشديد السواد وللجميع.
كاتب فلسطيني
سهيل كيوان