إن الاشتغال على قوانين قراءة النص الشعري، ليس سوى إمكانية محددة ضمن أخرى للاشتغال على قوانين انكتابه، في متاهاته المؤثثة بإشكالاتها، جلية كانت أو متخفية، التي تُعدُّ بحق، الفضاء الأكثر جاذبية لاستنفاد ما تتمتع به هذه القوانين من صلاحية، لا تعدو أن تكون ظرفية، ومهددة دائما بانحسار فاعليتها، بما يؤثر في تجديد الممانعة الدلالية التي يتمتع بها النص الشعري، وفي تصعيد لذة الحفر والتنقيب، كرد فعل تلقائي من قبل القراءة، في مواجهتها لتقلبات رياحِ اللامتوقع النصي، وتسرب سحبه الداكنة إلى مساحة الرؤية. وهو الطقس ذاته، الذي يستعيد فيه الغامض الدلالي حركية حضوره، كي يشحن النص الشعري، بقلقه المحفز لتساؤلات القراءة، حيث لا مجال لأي هدنة أو طمأنينة، داخل هذه الحركية المنذورة لتحولاتها، باعتبار أن فرحة التمثل، غالبا ما تكون مؤقتة، ومؤطرة باحتمال تبددها وتلاشيها. إلا أنها ومع ذلك، ستظل المصدر الأساس، لسحرية تلك الرعشة المصاحبة عادة للتلقي الشعري، والناتجة عن الاحتجاب الفوري لوهم الصيد الدلالي، الذي تتعلل الذات القارئة بتملكه، بعد طول مكابدة حوارية وتأويلية، كما هي نتاج تتالي الإبدالات التأويلية، التي تمليها علينا ضراوة معيش، يحْكم قبضته المعدنية على رتاج الذاكرة، أو بالأحرى، ضراوة عواء مجازي وحقيقي، يحيط بخيمة الكينونة وبمتخيلها، تحت جنح ليل الوجود.
إن الأمر لا يتعلق في هذا السياق، بالترويج لما يمكن اعتباره حالة مأتمية، تطارَدُ بها مصائر الكائن، بقدر ما يتعلق بالإحالة الرمزية إلى فداحة رؤية تركيبية، هي خلاصة تفاعل مرجعيات القراءة التأويلية، بالإيقاعات الشبكية لتلفظات الكتابة، بمعنى أنها رؤية لا تستسلم لأيٍّ من إغراءات جاهز المكتوب، أو تساكن المعيش، كما أنها رؤية لا تتنازل عن عنفها وشراستها، في مواجهتها لضواري المكتوب والمعيش على حد سواء، انسجاما مع هويات أنساقها الخاصة بها، التي تكون معنِيّة بانتقاء أسئلتها، التي يتحقق على أساسها مبدأ تماسكها أو تفككها. وبالنظر لما تتصف به هذه الأنساق من حساسية على المستوى المفهومي، فسيكون من الطبيعي أن تتخذ شكل ملاذ مؤقت ودائم، معزول ومندمج في آن، وسط متاهات القول وصحاراه. متيحة لك فرصة تبين الوجهة التي يمكن أن تؤدي إلى المنتظر أو نقيضه، أي إلى مواقع الثناء الموعود، حيث ينهض الحد الفاصل بين سلط تعميمِ التشابه، وبين سلط كينونة/كتابة أخرى، مستقلة بمساراتها، وبنياتها الدلالية، علما بأن الحد ذاته، يخضع هو أيضا إلى إكراهات الظرفي والآني، اللذين يتحكمان نسبيا في نوعية الأنساق المقبلة على انبثاقها. فالنسق – شاءت الكتابة أم أبت – يظل نتاج قوة تفاعلات الآني المتخللة لصيرورة الخطاب، مهما بدا للقراءة مستقلا عن أي مرجعية، محكومة بملابساتها الذاتية والموضوعية. وهي المرجعية التي لا تتردد في الإعلان عن حضورها، كلما دعت الضرورة التأويلية لذلك، بمعنى أن «الآن» وباعتباره سياقا، والذي يحدث أن يكون مهدا كما يحدث أن يكون لحدا، يظل محتفظا بسحرية إشعاعه في خلفية النسق. وهو ما يغرينا بالتأكيد على جدلية تلك العلاقة التفاعلية، القائمة بين السياق وبين النسق، حيث لا جدوى من السياق، ما لم يكن مؤهلا لبث الحياة، وزرع بذور الروح في جسد الأنساق. بمعنى أن السياق هو العتبة المساعدة على إشعار الوعي بإطلالةِ مُستهلِّ كتابة، أو تباشير خطاب. والعتبة ذاتها التي تستضيف خطاك إلى مسكن مختلف من مساكن الكينونة، على غرار مسكن الحلم، الذي تميل الكتابة إلى الحلول فيه، نكاية في بؤس الواقع، باعتباره المسكن المجازي، الذي تأبى الكتابة أن تدرجه في خانة المستحيل، تعبيرا منها عن رفض الكائن لاستمرارية تعامله مع «المتعذر حدوثه»، وفق مسلمة انتمائه إلى عوالم الاستحالة. رفضٌ، يقطع دابر مبررات الاستمرار في استعباده، وفي تقبل حيثيات إذلاله التي تكرهه على تكييف وجوده كي يكتفي، بالنزر القليل من بقاياه.
إن حصر الكينونة في «ما هو متاح فقط»، يؤدي إلى تكريس منطق الإكراه على الكائن، كما يؤدي إلى تحجيم أسئلته، كي لا تتجاوز حدودها المرسومة سلفا. ولعل اهتمام الكتابة باستحضار «المتعذر حدوثه»، يعود إلى هاجس الحد من نزف الاستحالة، علما بأنها لا تستحضره باعتباره مجرد عزاء، أو مجرد حلم عابر، بل في أفق تحويله إلى معيش، ليس لمخيلة الكائن أن تستغني عنه.
إن «المتعذر حدوثه»، غالبا ما يحتجب خلف غبار البداهات، التي تعاني من تشويه متفاقم، يفقدها تباعا ما تمتلكه من وضوح وصفاء، وهو بؤس تواجهه الكتابة الشعرية، بجمالية إنكارٍ ذي نبرة تنديدية، متسائلةٍ عن السر في احتجاب ما «يقتضي حضوره» الكشفَ والجهر، وفي صيغة شعرية، تروم تخفيف «عبء الإحاطة بكل شيء» عن الذات. إن الشعري ومن خلال تظاهره بتجاهله للبداهات وقد طالها التحريف، يتعمد الإبقاء على متعة الالتباس المُبَيَّتِ، الذي يسترد به مسار النص أنفاسه، من أجل تجديد وتمديد حركية تدفقه. هذا الغموض، هو الذي يحفز المعرفة على مضاعفة فضولها داخل النص وخارجه، كما يتضمن بشكل أو بآخر، إشراك القراءة في لعبة استجلائه.
إن تظاهر الكتابة بعجزها عن تمثل ما «تراه أو ما لا تراه»، هو اللازمة التي يمكن أن تفاجئ القراءة بين قول وآخر، حيث «الأكثر وضوحا»، يبدو كما لو أنه قطع كل صلاته بحد الفهم والتأويل. إن التساؤل عن المعلوم، لا يكتفي فقط بتشكيك القراءة فيه، وبتحييده جهة الغامض، بل إنه يوحي لها بتواضع آلية الفهم لدى ذات الكتابة، بما يلغي أي تراتبية بينهما.
عموما، إن مراوحة النص بين واضح يتحول خلسة إلى غامض، وبين غامض قابل لأن يسلم للقراءة مفاتيح أسراره، هو المفارقة التي تؤدي إلى إنتاج شعرية النص وجماليته، التي تفجر حالة الإدهاش الكبير، لدى القراءة التي ليس لها سوى أن تضاعف من قوة فضولها، إزاء هذا الواضح جدا، والذي أمسى ممعنا في غموضه، وأيضا هذا الغامض جدا، وقد أمسى ممعنا في وضوحه.
إن حركية النص الشعري، تتنامى عبر تفكيك بنية هذه المفارقة إلى عناصرها الدنيا – التي هي عناصر الكون – في أفق صياغة ملفوظ، لا يملك بالضرورة سوى أن يكاشف القراءة بغرائبية تصبح مع انفتاحها، مألوفة، ومطلوبة أيضا، لأن مصدر الألفة يعود أساسا إلى تمرس القراءة بحضور مفارقة المجهول والمعلوم داخل النص. إنه القانون الذي ينسحب إلى الظل، من دون أن يختفي تماما، حيث تظل روحه حاضرة في خلق واستحداث دوائر صغيرة، ومويجات مفارقة. وشوشات وتلوينات، بالكاد تلمحها عين التملي، أي أنها تكون مندغمة تماما في النسيج النصي، ومعلنة عن حضورها الخاص، ضمن الحضور العام لغيرها من باقي العناصر. إنها وبموجب هذا الاندغام، وهذا الانحباك، تُقرأ ضمن تعالقاتها العميقة والعضوية مع غيرها. بهذه المنهجية تقريبا، نتعرف على طقوس الكتابة، على صخب بحار الذاكرة، وهدوئها، وأيضا على مستويات حضور الآخر، أي على المســارات التي تعتمدها الطعنة في الاهتداء إلى فرائسها.
هناك تماما تكمن تلك التراجيديا المتعددة الأبعاد، التي تتبارى ممكنات واستحالات المرئي واللامرئي على تطويق الكائن بها. إنها التراجيديا أيضا، التي تشحنه بتلك القدرة الجبارة على تعهد حواسه بالرعاية والصيانة، كي تظل مؤهلة لاكتشاف تلك التفاعلات الخفيضة والشفيفة الشبيهة بأنفاس الفراشات، حيث سيكون بوسع مجس الكتابة، أن يتأكد من حضور أول النبض، في اللاجسد، كما في الهيولا. إن الحديث عن هذه التراجيديا، لا يمكن أن يتحقق إلا بالعودة من جديد إلى مدونة الكينونة، لاستعادة ما يتخلل ظلماتها من ضوء، مهما كان شحيحا، لأن ما يوحي بفناء الضوء، هو ما يوحي من جديد بتألقه، وبتجدد إشعاعه. إن النصوص الشعرية العالية، هي الأكثر خبرة بمواجهة التراجيديا البشرية والكونية، من خلال تلمسها لمسالك الكائن في قلب التلاشي، بحثا عن كينونة أكثر تماسكا. إن المتلاشي، وفي حالة عدم قدرتنا على ضبط جوهره، هو الذي يضاعف من إحساسنا بتفاقم هذه التراجيديا. هنا تحديدا يكمن دور الشعر، وقد أمسى مندمجا في قلب هذه النهايات، وفي عمق هذا التلاشي، من أجل استعادة لهب الرغبة، الذي لا يفصل بين الإمكان وبين الاستحالة. ولعل طفولة القول، هي جوهر الرغبة التي تتحول إلى شوكة في حنجرة التلاشي، تبعا لشعرية وجودها، في كل ما يزرع بذور حياة مضاعفة، وواعدة بتجدد مساراتها، وبإمكانية انبجاسها ثانية، ضدا على سلط الزمن، وعلى قوانينه، كي تُصَعِّد من إحراجها الصارخ لقدر النهايات، ومن بؤس إيقاعاته التراجيدية.
تلك هي شعرية طفولة الأشياء، وشعرية بداهة الضوء، الرؤية، اللون والإشارة، الحاضرة برجاتها اللامتوقعة قي مضايق التطريس، وفي مضايق القراءة.
٭ شاعر وكاتب من المغرب
رشيد المومني