في دراسة علمية رائدة وجادّة ومميّزة، وفق نظريات السّرد الحديثة واللسانيات ومن خلال اعتماد الموروث البلاغي العربيّ من ناحية، ومدارس ما بعد الحداثة الشائعة في الثقافات الأجنبية من ناحية أخرى، تحفر الباحثة والمحاضرة بثينة خالدي بجرأة وموضوعية وعمق «المضمر في الترسّل النسويّ العربيّ»، من خلال استقراء النصّ والميتانص، والغوص في تلافيف رسائل كاتبات عربيات، كان لكتاباتهن وشراكاتهن في الثقافة العربية، طيلة القرن العشرين حضور وفاعلية مثل، زينب فواز، نبوية موسى، هدى شعراوي، مي زيادة، ملك حفني ناصف، جوليا طعمة دمشقية، فدوى طوقان، نازك الملائكة، لطيفة الزيات، نوال السعداوي وغادة السّمان، وتؤكّد أنّ الكتابة النسوية مغيّبة، فالمدوّنة النسوية مقابل المدوّنة الذكورية تقوم على جدلية الظهور والغياب.
والمدوّنة النسوية تستعين بالمضمر لتثبت حضورها داخل متوارث غني بالعادات والتقاليد والمفاهيم التي تشكّلت عبر قرون. وهذا المضمر النسوي يخاتل الخطاب الرسميّ والمهيمن، وهو حاضر في الترسّل تحديدا، استجابة لحاجة يصعب الإفصاح عنها، أو يستحيل إعلانها لأسباب متباينة.
المضمر النسوي في نظــــر بثينة خالدي التفاف على المنع والقمع والكبت والتحريم ومن ناحية جمالية وعقلية هو استضافة ذكية ولماحة ورامزة لكلّ ما يتيح التوصيل وحضور المدوّنة النسوية، وهو في بعض الرسائل مثل رسالة نبوية موسى إلى السلطة، بمثابة تفجير للمضمر وهدم لأركان القمع والتهميش.
تؤسّس الباحثة مدماك بحثها على طغيان اهتمام الباحثين بالكتابة الذكورية في سائر الرسائل وتغييب المدوّنات النسوية، وتشير إلى أنّ المدوّنات الذكورية تشكّل المتن السائد في الثقافات، وهي تحول غالبا دون التنقيب في أدبيات المرأة. تستنتج الباحثة بثينة أنّ «المضمر النسوي هو استراتيجية الخروج عن هذا التكوين المفرط، لكنه ليس الاستراتيجية الوحيدة التي تتآلف مع غيرها من خطابات المقموعين والهامشيين».
تكشف الخالدي استعانة المدونة النسوية بالمضمر لتثبت حضورها داخل متوارث غني بالعادات والتقاليد والمفاهيم التي تشكلة عبر القرون، والترسّل النسوي يتفاوت في حجم استخدامه (للمضمر) وطرائق حضوره بين الكاتبات.
وتشيد الباحثة بتقديم الكاتبة غادة السمان للرسائل التي أرسلها إليها غسّان كنفاني، التي رأت فيه «تعاقدا بين اثنين ضد الموت وضد الموروث العتيق القائم على المكابرة والادعاء والفحولة في غير مكانها». وهذا في نظرها يشكّل ثورة على عدوانية التقاليد، التي تنتمي إلى تراث تأسس في مدوّنات القمع والحيف والإلغاء على حساب «إنسانية» الثقافة العربية الواسعة، في أيام ازدهارها في عصور الانبعاث منذ القرن التاسع ميلادي وإلى غاية القرن الخامس عشر. وترى خالدي أنّ المرأة الكاتبة الشابة هي القيمة على الأثر والوصية عليه، كما تفعل غادة السمان وماجدة المالكي في رسائل ماجدولين إلى البياتي، وآديل برشيني.
في نظر: الترسل النسوي لم يحقق حضوره داخل الركام الهائل من المعايير والسنن التي اتّكل المجتمع الناطق بالعربية عليها، لاسيما بين أفراد صفوته العارفة. فهو الجانب المهمل تماما في الكتابة النسوية، خلافا للسرد، كالقصة والرواية، والشعر وكذلك المقالة، ولو بشكل محدود نسبيا». وتتوصّل الباحثة إلى أنّ الغياب هو الميزة الغالبة للمضمر في الترسّل النسويّ، وهو غير مدروس في الثقافة العربية المعاصرة، وترى أنّ المضمر النسوي يمكن أن يدفع بالحذف إلى منتهاه، وتورد مثالا على ذلك ما فعلته الكاتبة العراقية ديزي الأمير برسائل الشاعر اللبناني خليل حاوي «فالرسائل المعنونة رسائل الحب والحياة ظهرت بلا جامع لها، لا كما كان ينبغي لها أن تظهر،إذ حذفت الكاتبة اسمها فبقيت بلا مرسل إليه. وجرى طمس المفردات التي تفصح عن عاطفة المرسل أو تنبئ بهوية المرسل إليه. وهكذا يكون الحذف سبيلا للتعمية والتضليل، لكنّه من الجانب الآخر يثير رغبة الآخرين في معرفة سرّ المحذوف والحديث عنه. وليس عجيبا أن تستنكر غادة السمان (1942) هذا الحذف».
تؤكّد الباحثة «الأمر الذي يستدعي وعيا ودراية هو أن الخطاب الذكوري ليس إنتاجا فرديا. إنّه حصيلة السلوك المتوارث داخل القوى المهيمنة، القوى التي تجعل الموروث المتداول ملكا خاصا بها، توظفه وتسيره حيثما تشاء. إنّه التوظيف الدلالي للغة لضمان هذه الهيمنة، وهي هيمنة تعني ضمنا إقصاء للغريب والطارئ والمناكد لا على صعيد المفاهيم ودلالاتها المصاحبة وحسب، بل أيضا على صعيد الشك في قدرة الآخر على خلخلة قواعد اللعبة، لعبة الهيمنة التي تشكّل تراكما واسعا من المتداول الذي لا دور له غير زيادة حضوره وبالتالي حماية مكوّناته». يتراءى المضمر وفق هذه الدراسة بأقنعة فنيّة متنوّعة مثل الاستعارة، الجناس التامّ، التساؤل البلاغي، الحذف، الخطاب الإشاريّ العلاماتي، الإسراف والغلو، الإلماح، التهكّم، المواربة، المقابلة والموازنة، الدربة التداولية التخاطبية، صدى الغياب، الحبس والمحبوس، مضمر القراءة البديلة. الرسائل الجامعة، وتؤكد بثينة أنّ الحذف ينطوي على إضمار وإخفاء يراد منه التعمية أو تمرير شيء ما، وهي تولي أهمية لبحث المحذوف إيهاما، لأنّ العبارات المقصية وفق منظورها تشكّل طاقة فاعلة داخل النصّ المكتوب، وهي في تعبيرها «الغائب المغيّب الذي لا يني يطالب بالحضور بصفته الطريد المطرود»، وهي تتصوّر كاتبة الرسالة وهي تطالب استرجاع ما كتبته بالأمس، وهذا في قاموسها مصادرة فعلية لشخصية المرأة الكاتبة، وانسحاب من عالمها الخاص إلى عالم تفرضه العادات والتقاليد.
تورد الباحثة مثالا صارخا لإقصاءات الترسّل النسويّ، من خلال العلاقة «الرومانسية» بين الكاتب المصري الراحل أنور المعداوي والشاعرة الفلسطينية الراحلة فدوى طوقان، ومي زيادة وجبران خليل جبران.هذه الدراسة المنهجية المذيّلة برسائل من المدونات النسوية هي شهادة رائعة لجرأة وإبداع كاتبات عربيات رائدات، في زمن محكوم بالإقصاء والتغييب لهنّ، وهي أنموذج رائع لذكاء المدوّنة النسوية في زمن الرقيب الأب، الزوج، الأخ والمجتمع، وتمردّ على مقصّه.
يقع الكتاب الصادر عن المؤسسة العربية للدراسات والنشر، سنة 2015، في أربعة فصول وملاحق على امتداد 223 صفحة، الفصل الأوّل من الكتاب، مهادات نظرية. والفصل الثاني فعالية المضمر، والفصل الثالث جدلية الحضور والغياب، والفصل الرابع أبواب الترسّل النسويّ.
هذه الدراسة العميقة هي بحث وتنقيب في مناجم نسوية ثمينة، واستخراج فرائد وإشراقات في مجتمّع معتّم …علّه يفتح كوّات ودروب بحث في فنّ الترسّل النسوي. ما أقوله ختاما، كان على الباحثة تفادي الأخطاء الطباعية في كتابة همزة الوصل والخلط بينها وبين همزة القطع ..تحية لبثينة على هذا البحث المهمّ.
كاتب فلسطيني
سمير حاج