في مجموعته الجديدة «كسماء أخيرة» الصادرة في مطلع عام 2015 عن دار فضاءات مع غلاف للفنان نضال جمهور، يضع الشاعر عماد الدين موسى فاصلا بينه وبين الطبيعة التي يفترض أنه يتغنى بها.
في كل قصائده السابقة كان الشاعر يبحث عن المطلق من خلال المتناهي، أو عن امتدادات الحالة الجوهرية من خلال معاناة الأفراد، لاسيما من يعاني من نكبة، أو من يمر بكبوة فرس.
هذه المجموعة، من عنوانها، رهان على تجاوز الماضي والمعنى الشعري لحساسية القصيدة الجديدة. فالعنوان لا يكتفي بتشبيه المحاولة بسماء، وإنما يزاوج ذلك مع معنى ختام أو نهاية ويصفها أنها «أخيرة». أهم ما يميز هذه المجموعة نقطتان في غاية الأهمية.. الأولى أنها تعبير عن صوت منفرد يهتم بمعاناته، وهي ليست من النوع الواقعي الذي يحاكي الحياة، فالمشاهدات البصرية غائبة والتحقيب غير موجود وكل هذه المعاني تكتفي بإشارات عامة.
مثلا العجوز يمكنه أن يكون بديلا عن الطفل.
يقول في قصيدة «بينما الأزهار تتساقط»:
الطفل وهو ينظر
في قارب حياته،
العجوز وهو يغمض
قلبه كوردة.. «ص 5».
والعصور والأحقاب أيضا لا يمكن قياسها بالأعوام ولا الشهور، وإنما بمقدار وكم المعاناة وطبيعة العذاب الذي يطبع هو ومرادفاته كل القصائد بطابعه.
يقول: الأشياء بموسيقاها الهادئة
إلى زوال محتم،
والكائن كذلك «ص 6».
النقطة الثانية أن هذه القصائد ليست انطباعية ولا تعبيرية.. بمعنى أنها لا تحول انطباعات الشاعر عما تراه لتعبر عن أحاسيسه، فالمشاعر عنده غير متراكمة، إنما هي ممتدة وغير حقيقية ولكنها ذهنية. وهذا فرق مهم بينه وبين مجايليه والأجيال التي سبقته، أمثال رياض الصالح حسين أو بندر عبدالحميد، أو حتى أحمد بغدادي وخالد درويش. هؤلاء الشعراء يحاولون تطعيم الشعرية بالفكرة، والأفكار ليست هي مضمون الصور فحسب، بل هي تجسيد للصور، يعني الصورة تخاطب الخيال والفكرة تخاطب الذهن المنتج للمخيلة. إن العلاقة تكاملية، أحد الطرفين ضروري لتوصيل المعنى.
بينما في قصائد عماد الدين موسى «الحالية هذه المجموعة بالذات» يعبر التصوير وقدح زناد الأفكار عن حالة. إنه ينقل هما وجوديا وبتعبير آخر: إنه يعيد تجسيد ذاته بذاته. فهو يكتفي بتجميع الملاحظات التي يرعاها بجوارحه المهيضة والمعوّقة، ثم يعمد لترتيبها.
يقول في القصيدة السابقة «عندما الأزهار تتساقط»:
ترى ما الذي سيفعله الفجر
إن استيقظ غدا
دون عصافير أو غصن «ص 6».
إن القصائد هنا هي سياق نفس لمدخرات سقطت من الفجوة في الطبيعة، والفجوة هنا هي الفجوة الوجودية التي تدل على العدم السابق لتكرير المعاني وتجسيدها. أما الطبيعة فهي إشارة لنوعية الحساسية المنتجة، إن قصائد «كسماء أخيرة» محاولة للاقتراب من التفاهم مع الذات، حيث الشعر يختلف مع أفكاره لأنها لا تحقق له الكيان المرجو، ولكنها تفتح أمامه باب الصراع مع الموجود بكل ما فيه من بذاءات وموانع وأسباب للحزن والندم، ولذلك على الشعر أن يلاحظ كيف أنه يسبح في بحر من الرماد هو ناجم عن احتراقه، وأن يلاحظ كيف أنه أسود لأنه نزف آخر نقطة دم من الجرح الذي لا يمكنه أن يندمل، هذا غير مشكلة الاقتراب من الموت، باعتبار أنه غياب وتراجع إلى ما وراء النهاية.
يقول في قصيدة «كمن يصطاد السماء»:
المكان رماد الآخرين
بينما الذكرى شيء آخر «ص 17».
إن عماد الدين موسى في هذه المجموعة شاعر وجودي بالمعنى الذي بشر به الروسي برديائيف حين تكلم عن وجود يتذكر إيمانه بما فوق الماورائيات لأنها الحقيقة الوحيدة التي تساوي ما بين الشعر وعلة الوجود.. كلاهما يخلق شيئا ليس له وجود سابق، فالعلاقات بين الأشياء غير منطقية، وتتحرك في الفضاء النفسي، وفي المساحة التي نعيد فيها ترتيب الانطباعات بحيث لا تكون انعكاسا للمعنى ولكنها إنتاج له. ولذلك ترى الخريف بصورة جزار «يبتر قدم أوراق الشجرة – ص 6»، وترى الحياة تترادف مع اللاحياة «نفي المثبت ص 7»، والغابة لا تحتمل أن تكون غابة «ص 9». ربما لأنها ترتعد من قانون الغاب المرعب، حيث القوي يفترس الأضعف، وهلم جرا…
وتلك هي الحكمة المرجوة من الفن. أن يكون مطلقا ومبتكرا وأن تناط به مهمة تخليص الشخصية الإنسانية من مغبة أن تكون ظلا لغيرها «كما قالت أمل ديبو في دراستها عن الالتزام في شعر السياب».
كاتب سوري
صالح الرزوق