كثر الحديث في الفترة الأخيرة عن تاريخ متواصل من الاضطهاد والظلم الذي تعرّضت له الطائفة العلويّة في سوريا. يقوم بالترويج لهذه المقولات طرفان: الأوّل هو النظام أو عائلة الأسد تحديدا، لتظهر بصورة الطرف الذي أنقذ هذه الطائفة من «المعاناة» التي عاشتها قبل حكم هذه العائلة، ولتستمرّ هذه الطائفة بتقديم شبابها ليستمرّ آل الأسد في حكم سوريا.
والطرف الثاني هو مجموعة من المثقّفين العلويّين في الموالاة والمعارضة على السواء، ليجدوا مبرّرات لوقوف أغلبيّة الطائفة خلف هذه العائلة، رغم مشاهدتهم للجرائم التي ترتكبها أجهزة النظام العسكريّة والأمنيّة. فلنحاول التحقّق من صحّة هذه المزاعم عبر العودة بالتاريخ إلى الحقبات المختلفة التي مرت على سوريا.
من الصعوبة بمكان أن تجد أي مؤشّر على اضّطهاد للطائفة العلويّة في سوريا، خلال السبعين عاماً الأخيرة، أي منذ الاستقلال وحتى هذا اليوم، بل يمكن القول إنّه كان لهم دور متزايد على المستوى السياسي والثقافي، خصوصا في فترات الديمقراطيّة، حيث كان نوّاب علويون في البرلمان ووزراء مثل محمد سليمان الأحمد وزير الصحّة 1954، وكان من كتلة شكري القوتلي. وتزايد دورهم، كما هو معلوم، حتى أصبحت هناك كتلة كبيرة من الساسة والقادة العسكريّين العلويّين لا يمكن تجاهلها في نهاية الخمسينيات.
خلال سنوات الانتداب الفرنسي كان هناك خلاف بين العلويّين أنفسهم: طرف رحّب بالانتداب الفرنسي وقسم رفضه، قسم كان مع تقسيم سوريا لدويلات، وأغلبيّة كانت مع وحدة سوريا. وكان المزاج السائد ذا طابع وطني يجمع أغلب مكوّنات الشعب السوري، ولم يكن هناك في تلك الأيام أي خلاف سنّي علوي، فمثلا في عام 1936 كان محافظ دمشق عزيز بك هوّاش وهو سياسي علوي.
وبالعودة خمسين سنة أخرى إلى الوراء نصبح في أواخر أيّام الدولة العثمانيّة وبدايات الصحوة القوميّة لشعوبها، وفيها قام العثمانيّون بالعديد من المجازر بحق العرب والأكراد والسريان – الآشوريّين والأرمن، وهذه المجازر كانت ذات بعد قومي، أكثر من أن تكون ذات بعد طائفي. كمثال فإنّ شهداء 6 أيار 1916 «العيد الرسمي للشهداء المعتمد في سوريا حتى هذا اليوم»، وشهداء السنوات التي سبقتها والسنوات الّتي لحقتها كان هؤلاء الشهداء بالتوزيع الطائفي 65٪ مسلمين سنّة، و30٪ مسيحيين وشخصين اثنين فقط من المسلمين الشيعة. كما أن ثلث الذين تم إعدامهم هم من أبناء مدينة دمشق.
فخلال الفترة من 1516 (احتلال العثمانيين لسوريا) حتّى منتصف القرن التاسع عشر قامت السلطات العثمانيّة بعدّة حملات على جبال العلويّين على أساس طائفي صرف، باعتبارهم «كفّارا» وقتلوا الآلاف منهم وكانوا يحاولون إجبارهم على تغيير ديانتهم، وبحسب المصادر العلويّة فقد تمّ جذب عشائر تركيّة وإسكانها ببعض أراضيهم. لكنّ أيضا هذه الفترة نفسها لم تشهد أي صراعات سنّية – علويّة بين المكوّنات السوريّة نفسها، بل كانت حملات عسكريّة من خارج سوريا أي «عثمانيّة». بينما في الحقبة نفسها حدثت إقتتالات طائفيّة بين العلويّين والإسماعيليّين عام 1861 وهم يتقاسمون مناطق متجاورة، وانتهت الحرب بخسارة الإسماعيليّين وخروجهم من الجبال الساحليّة إلى لسهول الداخليّة: القدموس والسلميّة. وعند الحديث عن الصراعات الطائفيّة في ذلك الوقت لا يمكن إغفال الحرب الدرزيّة – المارونيّة في لبنان 1858 وانتقالها في ما بعد لعدة مناطق ومدن لبنانيّة وسوريّة وتحوّلها لصراع إسلامي مسيحي حتى عام 1860. وفي تلك السنوات حدث الكثير من الصراعات الدمويّة في الداخل السوري بين الدروز والبدو، وبين القيسيّة واليمنيّة في حوران ولبنان وبين البدو وقوافل الحج.
وإذا عدنا لأيام المماليك، قامت حملة بأمر من قلاوون سلطان مصر بقيادة إبن تيميّة عام 1305 على «العلويّين» في شمال لبنان (حالياً) فهرب العلويّون إلى جبال اللاذقيّة وأنطاكيا. وقامت حملة أخرى بعد ذلك على اللاذقيّة قتل فيها آلاف العلويّين وكما نعلم فإنّ المماليك نوعان: البحريّة أي أتراك الأصل والبرجيّة أي من الشركس كما أنّهم كانوا قادة لجيوش قادمة من مصر، وبالتالي فهذا أيضا ليس صراعا داخل سوريا بين السنّة والعلويّين. في الفترة الأيوبية كان هناك صراع متقطّع وتحالفات متغيّرة بين الأكراد والعلويّين والإسماعيليّين وتناوب بالانتصارات والهزائم.
يقول العلويّون أن تاريخهم يعود للدولة الحمدانيّة الّتي استمرّت من عام 890 ـ 1004 وشهدت العديد من الانتصارات والهزائم، وفي تلك الأوقات كانوا هم حكام هذه الدولة وبالتالي لا يمكن وجود مظالم بحقّهم.
بهذه الجولة السريعة نرى أنّه لا يوجد ما يدلّ على أن هناك صراعا بين السنّة السوريّين والعلويّين السوريّين أو اضطّهادا منتظما من قبل السنّة ضد العلويّين عبر كل تاريخ هذه المنطقة.
هنا نأتي لموضوع آخر وهو الجانب الاقتصادي، فعائلة الأسد توهم العلويّين بأنّهم كانوا خدماً قبل وصول هذه العائلة إلى السلطة. وهناك كثير من المؤشّرات على أن بعض مناطق العلويّين قد عانت من الإهمال وانعدام الخدمات وسوء الوضع المعيشي بشكلٍ عام، ولكنّ هذه المعاناة لم تكن على أساس طائفي، فهناك مناطق سوريّة أخرى شاركتها كل هذه المعاناة، وحتّى أشدّ منها مثل المناطق الشرقيّة والشماليّة الشرقيّة من سوريا وبعض مناطق ريف دمشق والمنطقة الجنوبيّة. وحول موضوع الإقطاع فقد كان هناك إقطاعيّون وملّاك أراض أغنياء ووجهاء من الطائفة العلويّة نفسها وكان هناك إقطاعيّون من السنّة يمتلكون قرى علويّة، خصوصا في مناطق غرب مدينة حماه. وكان هذا الموضوع أيضا اقتصاديا وغير طائفي. وبجميع الأحوال مهما كانت الإساءات المزعومة للسنّة بحق العلويّين فلا يمكن مقارنتها بما فعلته عائلة الأسد نفسها بحق وجهاء العلويّين بعد استيلاءها على السلطة…
في النهاية عمليّة شحن الكراهيّة الّتي تقوم بها عائلة الأسد لسبب واحد وهو الاستمرار في السلطة، هي جريمة بحد ذاتها ويحاسب عليها القانون، والمفروض دور المثقّفين من كل الطوائف هو التوعية والتحذير منها. ففي مقابلة مع الطيّار العلوي الذي سقطت طائرته ووقع أسيراً، وعند سؤاله من قبل المذيع: كيف تبرّر هجوم بعض القرى العلوية على بلدات سنية مجاورة وبكل الأسلحة؟ أجاب الطيّار: لدينا قناعة بأنّنا إذا لم نقتلهم فسيقتلوننا! إن عائلة الأسد قصدت عمداً الوصول لهذه النتيجة، عبر تزوير التاريخ وزرع الحقد. من يرى أن هناك مآسي تعرّض لها العلويّون من قبل جيرانهم السنّة وقد تمّ تجاهلها، فليخبرنا.
كاتب سوري
د. عماد الدين بوظو