المعادلات الحسابية في سياسة إيران الخارجية

حجم الخط
1

■ من أجل أن تصبح إيران قوة لا يمكن استبعادها من حسابات التوازنات الاقليمية، ارتكزت في مجال سياستها الخارجية على عدد من الاستراتيجيات المصنوعة وفق نمط وطريقة خاصة، ميزتها عن باقي دول المنطقة ودفعت بها الى أن تكون الفاعل أو اللاعب الاقليمي، الذي جعل الجميع يصغي اليه ويحسب له حسابا، وحتماً إن تلك الحسابات لحد اللحظة لم تستطع أن توازي الحسابات الايرانية القائمة على اساس تحقيق أعلى درجة من الربحية وأقل قدر من الخسارة.
إذ من الملاحظ ان سياسة إيران الخارجية مرتكزة ومعتمده على إستراتيجيات عديدة كانت حسب الرؤية التحليلية الموضوعية سر النجاح والتفوق الإيراني، ومن أهم هذه الاستراتيجيات ما يأتي:
استراتيجية التحفيز الذاتي: وتهدف هذه الاستراتيجية إلى تأكيد دور إيران الإقليمي وضرورة إشراكها في المعادلة السياسية الإقليمية وفي الترتيبات الأمنية الإقليمية، أي أن إيران تريد ان تدخل في التفاعلات الإقليمية بقوة وتسمع صوتها، من أجل فسح المجال أمام تحركاتها وحساب نصيبها في كل تفاعل اقليمي، والا ستكون المخاطر التي تترتب على خلاف ذلك وخيمة بالنسبة لأطراف التفاعل. وهذه الاستراتيجية عبر عنها محمود غلام مستشار الأمن القومي الإيراني عندما قدم رؤيته عن الدور الإيراني بأنها: «جعل الجهات الفاعلة الأخرى تصغي إليك وتستشيرك، بحيث يمكنك إحباط العمليات إذا كانت تضر بمصالحك». وبهذا يتضح ان كسب الاعتراف بقوة إيران الإقليمية لا يمكن أن يتحقق إلا من خلال توسيع نطاق دورها الإقليمي. إذن تُعتبر القوة ونيل الاعتراف بها، حجر الزاوية لسلوك إيران الخارجي. يفهم من ذلك ان إيران تعمل في مجال سياستها الخارجية وفق فرضية حسابيه فحواها، «أيّ تحرك إقليمي لابد أن يُراعى فيه مصالح إيران، وإلا فإن الانهيار والفشل سيكون مصير ذلك التحرك». من أجل إثبات صحة تلك الفرضية في سياسة إيران الخارجية، يمكن الاستدلال في بعض الشواهد لتحركات إيران الاقليمية، لاسيما تحركها حيال العراق بعد عام 2003، واثباتها للجميع انها الفاعل الاقوى في الساحة العراقية، وانه من غير الممكن ان يتم حسم أي موضوع يتعلق بالعراق من دون حضور إيراني، بوصفها صاحبة أكبر رصيد حسابي في بنك الادخار العراقي. وليس ببعيد تحركاتها حيال سوريا ودعمها الواضح لنظام بشار الاسد وانتهاجها سياسة واضحة في تقديم الدعم والاسناد لهذا النظام، ما أكسبها قوة ومكانة متميزة عن باقي الدول الاخرى الداخلة في لعبة التوازنات الاقليمية. إذن فان التحركات الايرانية حيال دول الجوار ليس آتية من فراغ، بل هي قائمة على حسابات مدروسة، الربح فيها مقدم على الخسارة مهما بلغ حجم التكاليف.
استراتيجية المساومات: وتهدف إلى تحقيق أعلى درجة من الربحية من خلال المناورة والمساومات من أجل تغليب مصالح إيران القومية على حساب مصالح الأطراف الأخرى وعبر (المناورة الدبلوماسية). أي أن إيران ترفع شعارا في نطاق تحركاتها الاقليمية هو، «لا يمكن أن أساعد من دون فوائد». وهذا الشعار واضح في مجال سياسة إيران الخارجية، إذ ان إيرانما كانت لتمانع بوجود الولايات المتحدة الامريكية في المنطقة لولا أن ذلك الوجود يقيد نطاق تحركها فيها، لذلك فهي لم تدعم مطالب العراق في الحصول على سيادته ودفعه باتجاه المطالبة بالانسحاب الامريكي من أراضيه، الا لئن في ذلك الانسحاب فائدة تجنيها في مجال توسيع نطاق تحركاتها وتفاعلاتها الاقليمية. فقد أصبح من الواضح أن إيران تسعى الى توسيع نفوذها ودورها لتكون قوة متنفذة في أي معادلة إقليمية، على حساب القوى الأخرى الإقليمية أو الدولية. وأوضح ذلك شاهرام تشوبين، مؤلف كتاب «طموحات ايران النووية» بقوله: «إيران تسعى الى نظام إقليمي تكون فيه القوى الخارجية مستبعدة وتلعب فيه إيران دوراً ريادياً في كل من القوقاز والخليج، والشرق الأوسط، وأجزاء من جنوب آسيا. وهذه الاستراتيجية تستلزم بداية تقليص الوجود الأمريكي ونفوذه في المنطقة».
إيران لم تقم بدعم ومساندة بعض الفصائل الفلسطينية إن لم تكن مستفيدة من ذلك الدعم، وينطبق الحال على دعمها لـ»حزب الله» اللبناني. فالفوائد التي تجنيها من ذلك الدعم كبيرة جداً، إذ يوفر لها مساحة أكبر للتحرك في المنطقة الاقليمية. ويظهر ذلك من استراتيجية المساومة التي اتبعتها، عندما أرادت أن تربط القضية النووية بالوجود الأمريكي في المنطقة وبمستقبل العراق وأفغانستان، حين عرضت على إدارة بوش الابن، أن تستخدم نفوذها للمساعدة على تحقيق الاستقرار في هذين البلدين، مقابل أن تبدي الولايات المتحدة تسامحاً أكبر مع برنامجها النووي.
استراتيجية التصلب: وتُظهر من خلالها إيران استقلاليتها عن الغرب لاسيما الولايات المتحدة الأمريكية، بالتأكيد على قوتها الإقليمية الرافضة للهيمنة الأمريكية، والتمسك بمبادئ الثورة الإيرانية، أي أن الحسابات الايرانية في هذه الاستراتيجية تقوم على الفكرة نفسها التي كان يرددها تشرشل، «لا توجد صداقة دائمة ولا عداوة دائمة إنما هنالك مصالح دائمة».
من الملاحظ على سياسة إيران الخارجية إنها تعول كثيراً على ما يظهر في وسائل الاعلام، في ما يتعلق بشرح تفاصيل سياستها الخارجية حيال الولايات المتحدة الامريكية، التي تحاول في أغلب الاحيان أن تظهر بمظهر العداء للمصالح الامريكية، ويتعلق ذلك ربما بالتنظيمات السياسية الداخلية في إيران، كوجود التيار المحافظ الذي يمانع التقارب مع امريكا هذا من جهة، ومن جهة أخرى فان الدستور الايراني يحظر مساندة أو معاونة أي جهة مستكبرة (حسبما جاء في المادة 154 من الدستور الايراني) لان من واجب الجمهورية الاسلامية الايرانية أن تقوم بدعم النضال المشروع للمستضعفين ضد المستكبرين، فـي أي نقطة من العالم، وبهذا فانه يمكن اعتبار تلك الامور موانع داخلية تعيق اقامة علاقات مصلحية معلنة مع الولايات المتحدة الامريكية.
لكن ذلك لا يعني أنه لا توجد حسابات مصلحية (مشتركة) بين إيران والولايات المتحدة، إلا إن ذلك لا يعني أيضاً أن هنالك تطابقا تاما في الرؤى والسياسات بين الدولتين، ولا يمنع وجود تعارض في بعض المصالح واختلاف حول بعض القضايا (كمسألة الملف النووي الإيراني).
من خلال ما تقدم يمكن القول إن الحسابات الايرانية تدرك تماماً ان الشعارات والكلمات غير مهمة، وان المصالح هي التي تدوم، ولهذا يتبين ان طبيعة العلاقات بين الطرفين تتمثل بوجود تنسيق وتعاون سّري، اذ أن هناك مصالح مشتركة تجمع بين الطرفين، وفي الوقت نفسه هناك تعارض وتقاطع في بعض المصالح الاخرى، فإن ما يظهر على مستوى الإعلام فيما يخص العلاقات بين الولايات المتحدة وإيران أقرب الى الشعارات التي تُطلق على مستوى الاعلام والتي يمكن أن نسميها بـ(حرب المنابر).
إذن سياسة إيران الخارجية يمكن أن نعتبرها سياسة تنتهز توافر الفرص من أجل أن تغتنمها بطريقة حسابية وفق معادلات قياسية تعتمد فيها على حسابات منطقية، يقدم فيها الربح على الخسارة، ومقياس ذلك يكون من خلال افتراض «أطلب المزيد تحصل على ما تريد». هذه الطريقة في الحساب حتماً لا تستطيع كل الدول أن تلعبها، نظراً لصعوبتها وتعقيداتها الكبيرة من جهة، وخطورتها من جهة أخرى. فأما صعوبتها فآتية من عدم توافر الامكانيات نفسها التي تمتلكها إيران لمن يحاول أن يبني سياسته الخارجية على مثل تلك الحسابات. في حين أن مخاطر تلك الحسابات نابعة من إمكانية حصول نتائج عكسية تعد بمثابة انقلاب عكسي في مؤشرات سوق التعاملات والتفاعلات الاقليمية والدولية. اذن يمكننا أن نصل الى قناعة بان الطريقة الحسابية التي تتبعها إيران في سياستها الخارجية هي طريقة خاصة وليست متاحة للجميع.

٭كاتب عراقي

د. عمار مرعي الحسن

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية