إسطنبول ـ «القدس العربي»: في الوقت بدل الضائع، وبعد أسابيع من المباحثات والمحاولات، نجحت المعارضة التركية في تشكيل تحالف انتخابي يتكون من 4 أحزاب لتتمكن من خلاله من مواجهة «تحالف الشعب» الذي يضم حزبي العدالة والتنمية الحاكم وحزب الحركة القومية والذي ما زالت الاستطلاعات والتوقعات تمنحه الأغلبية في الانتخابات المبكرة المقرر إجرائها في الرابع والعشرين من حزيران/ يونيو المقبل.
ومن المتوقع أن يضم التحالف الذي تسربت تفاصيله وسيجري الإعلان عنه رسمياُ اليوم الخميس حزب الشعب الجمهوري أكبر أحزاب المعارضة التركية إلى جانب حزب السعادة الإسلامي، وحزب «الجيد» القومي العلماني، والحزب «الديمقراطي»، في حين ما زال من غير المعروف مصير حزب الشعوب الديمقراطي الكردي.
ويهدف التحالف الجديد في الدرجة الأولى إلى محاولة إنهاء سيطرة حزب العدالة والتنمية الحاكم على الأغلبية البرلمانية، وذلك من خلال تجميع أصوات المعارضة، ومساعدة أحزاب صغيرة على دخول البرلمان ما يساهم في توزيع الأصوات بين أحزاب متعددة ربما ينتج عنها سحب الأغلبية التي يتمتع بها الحزب الحاكم منذ 16 عاماً.
ولا يدخل البرلمان التركي أي حزب لا ينجح في تجاوز حاجز «العتبة الانتخابية» والمتمثلة في 10٪ من إجمالي أصوات الناخبين، وهو الشرط الذي لا يمكن الأحزاب الصغيرة من دخول البرلمان، حيث تشكل البرلمان على مدى العقود الماضية من 3 إلى 4 أحزاب على الأغلب، وهي الأحزاب الرئيسية الكبرى في البلاد.
ولكن بموجب التعديل الذي قدمه العدالة والتنمية والحركة القومية إلى البرلمان وجرى إقراره، بات بإمكان الأحزاب تشكيل ما أطلق عليه «تحالف انتخابي»، وهو تحالف يتيح عقد تحالفات انتخابية بين حزبين أو أكثر لخوض الانتخابات البرلمانية، وهو الأمر الذي سيتيح على الأغلب ولأول مرة منذ عقود دخول أحزاب تركية صغيرة إلى البرلمان بموجب هذه التحالفات.
وبموجب القانون الجديد، شكل حزب العدالة والتنمية «تحالف الشعب»، مع حزب الحركة القومية الذي كان يخشى قدرته على تجاوز العتبة الانتخابية في الانتخابات المقبلة، في المقابل سيضمن تحالف المعارضة لأحزاب السعادة والديمقراطية و«الجيد» حظوظ كبيرة لدخول البرلمان المقبل.
وبينما يبدو «تحالف الشعب» متماسكاً ومتجانساً إلى درجة كبيرة عبر ضمه أحزاب تجتمع في توجهاتها القومية والمحافظة، يعاني تحالف المعارضة من اختلاف التوجهات القومية والسياسية والأيديولوجية وتجتمع فقط في هدفها الموحد هو محاولة إنهاء حكم أردوغان والعدالة والتنمية.
فالتحالف الجديد يضم حزب الشعب الجمهوري العلماني المتشدد إلى جانب حزب السعادة الإسلامي المحافظ جنباً إلى جنب مع حزب «الجيد» القومي المنشق عن حزب الحركة القومية والحزب الديمقراطي القومي المحافظ، وهو ما قد يؤدي إلى نتائج عكسية ويخلخل القواعد الشعبية لهذه الأحزاب وبالتالي يدفعها إلى عدم التصويت بقوة ما قد ينتج عنه تشتيت الأصوات بدل تجميعها.
وعلى الرغم من أن تحالف المعارضة المتوقع أن يطلق عليه «تحالف الديمقراطية» يتكون من 4 أحزاب، مقابل حزبين فقط لـ«تحالف الشعب»، إلا أن الاستطلاعات والتوقعات ما زالت تمنح الأخير أفضلية بالانتخابات البرلمانية، بانتظار مصير أصوات حزب الشعوب الديمقراطي.
ويرى مراقبون أن شكل التحالفات الحالية أعاد إبراز أهمية أصوات أكراد البلاد الذين يصنفون حالياً كثالث أكبر كتلة انتخابية بعد حزبي العدالة والتنمية الحاكم والشعوب الديمقراطي المعارض، لكن تحالف المعارضة تجنب ـ في المرحلة الحالية ـ الدخول في تحالف مباشرة مع حزب الشعوب الديمقراطي الكردي خشية الأثر السلبي نتيجة الاتهامات الملتصقة بالحزب والمتعلقة بتعاونه مع تنظيم بي كا كا الإرهابي في البلاد.
وعلى الرغم من أن تحالف العدالة والتنمية والحركة القومية يتمتع بأغلبية مريحة بالبرلمان الحالي وما زال يتمتع بالأغلبية في الاستطلاعات الحالية، إلا أن المخاوف تبقى قائمة عند الحزب الحاكم من أن يحصل تحالف المعارضة ـ مجموع مقاعد الأحزاب التي ستدخل البرلمان حديثاً إلى جانب مقاعد الأكراد ـ على أكثر من 50٪ من البرلمان المقبل وهو ما يعني فقدان الأغلبية البرلمانية للحزب الحاكم واللجوء إما إلى حكومة ائتلافية أو إعادة الانتخابات كما جرى في الانتخابات الماضية، وهو الخيار الأرجح في حال فقدان الحزب الحاكم للأغلبية، وهو الأمر غير المرجح حتى الآن. وعلى الجانب الآخر، وفيما يتعلق بالانتخابات الرئاسية، لن يقدم التحالف الجديد مرشحاً للانتخابات الرئاسية وسيكتفي كل حزب بتقديم مرشح له على أن يجري التحالف بين جميع هذه الأحزاب على دعم المرشح الذي يتمكن من الوصول إلى الجولة الثانية مع أردوغان في حال عدم تمكن الأخيرة من حسمها من الجولة الأولى.
وحتى الآن، أعلن حزب «الجيد» أن رئيسته ميرال أكشينار ستكون مرشحته للانتخابات الرئاسية، بينما أعلن حزب «السعادة» ترشح رئيسه تمل قره مولا أوغلو، وتقول مصادر بحزب الشعوب الديمقراطي إنه سيقدم زعيمه السابق صلاح الدين ديمرطاش الذي يقبع بالسجن حالياً مرشحاً للانتخابات الرئاسية، في حين يستعد حزب الشعب الجمهوري للإعلان عن مرشحه يوم الجمعة المقبل، وسط تسريبات نشرتها وسائل إعلام تركية تقول إن الحزب يتجه لحسم اسم «محرم إنجي» مرشحاً للحزب بالانتخابات الرئاسية، وذلك بعد فشل المعارضة في التوافق على عبد الله غًل مرشحاً موحداً للمعارضة.
وتعول أحزاب المعارضة على تمكن المرشحين الثلاثة السابقين من تشتيت الأصوات وجر الانتخابات الرئاسية إلى جولة ثانية، ومن ثم التوحد خلف مرشح المعارضة الذي سيصعد إلى هذه الجولة، لكن وبعيداً عن الإعلانات الرسمية، تقول المعارضة بالدرجة الأساسية على صول مرشحها في الجولة الثانية على دعم الأكراد ولو بشكل غير مباشر وغير معلن من اجل تشكل تهديد حقيقي على حظوظ أردوغان.