باريس – «القدس العربي»: وحدت الأهداف المشتركة في الساحل السوري جماعات المعارضة المسلحة في سوريا فبسطت سيطرتها على معبر المنطقة الحدودية الجنوبية الغربية، ما يمثل تقدما إضافيا لجماعة أحرار الشام المتشددة وهي إحدى الجماعات الجهادية الرئيسية في سوريا إلى جانب تنظيم الدولة الإسلامية وجبهة النصرة جناح تنظيم القاعدة في سوريا.
وتمثل جماعة أحرار الشام المتشددة جزءا من تحالف إسلامي انتزع مناطق استراتيجية من القوات الحكومية في الأسابيع الأخيرة، ما أعتبره المتخصصون مؤشرا على تعافي الجماعة بعد القضاء على قيادتها العليا في العام الماضي، ودليلا على عودتها بقوة إلى ساحة القتال السوري.
ومعلوم أن السيطرة على المعبر انتقل بين عدة جماعات مسلحة كانت تعمل من حين لآخر مع بعضها البعض قبل أن تسقط في فخ الصراع فيما بينها، وهو ذات الصراع الذي أسقط البلاد برمتها في الفوضى الأمنية التي سرعان ما استغلها نظام بشار الأسد لصالحه بهدف تحذير العالم من مخاطر ذلك وتحول سوريا إلى مستنقع للجماعات المتطرفة التي تضم مقاتلين جاؤوا من كل العالم، بهدف كسب دعم سياسي وتثبيث قواعده في الحكم.
واستغل النظام السوري حساسية المنطقة بسبب قربها من مرتفعات الجولان المحتل من قبل إسرائيل من أجل توجيه اتهام لتركيا بما أسماه تقديم دعم لوجستي وإسناد ناري كثيف من الجيش التركي على حد تعبير بيان الخارجية السورية، حيث سددت السيطرة على إدلب قرب الحدود التركية وجسر الشغور ضربة للقوات الحكومية التي منيت بسلسلة من الانتكاسات في شمال وجنوب البلاد، في وقت سيطر فيه تحالف للمقاتلين الإسلاميين على قاعدة عسكرية في شمال غرب سوريا ما قربهم من اللاذقية وهي أحد معاقل الرئيس بشار الأسد.
وكان تنظيم أحرار الشام الذي يعتقد أنه يتلقى دعما وتمويلا من دول الخليج قد تلقى ضربة موجعة حين نجح نظام بشار الأسد في القضاء على قيادة التنظيم العليا في انفجار استهدفها في شهر أيلول/سبتمبر في إدلب فيما مثل ضربة كبرى لمنظمة يعتقد أنها تتلقى تمويلا من داعمين خليجيين، بينما ظلت دمشــق تنــفي باستمرار مسؤوليتها عن ذلك.
وفي مؤشر على عودته القوية تمكن تنظيم أحرار الشام بمعية مقاتلين متحالفين معه من الإستيلاء على المعبر في محافظة القنيطرة الجنوبية السورية من جماعة تطلق على نفسها اسم جيش الجهاد موالية لتنظيم الدولة الإسلامية. وتمكن مقاتلون متشددون يقاتلون إلى جانب المعارضة السورية المسلحة تحت اسم تحالف أطلق عليه اسم «جيش الفتح» من تحقيق مكاسب شمال سوريا في الأسابيع القليلة الماضية جعلتهم يظهرون وحدة نادرة يخشى البعض من أن تكون قصيرة المدى حينما بسطوا سيطرتهم على مدن في شمال غرب البلاد من بينها إدلب بعدما تمكنوا من طرد القوات الحكومية منها إثر معارك ضارية.
واعتبر الإنجاز المحقق من قبل التحالف الذي يضم في صفوفه تنظيمي جبهة النصرة وحركة أحرار الشام استراتيجيا ومهما بسبب اقتراب المقاتلين من محافظة اللاذقية الساحلية معقل الرئيس بشار الأسد.
غير أن التحالف لم يكن ليحقق ما حققه على الأرض في إدلب لولا مساندة ودعم مجموعة صغيرة من جماعات مقاتلة استبعدت من مركز قيادة التحالف المشاركة وترفض أهداف المقاتلين الإسلاميين المعادين للغرب مثل جماعة الفرقة 16 وتنظيم فرسان الحق وكلاهما مدعومان من قبل وكالة المخابرات المركزية الأمريكية (سي.آي.أيه) على نطاق واسع.
ويمثل التحالف بين الجماعات السورية المقاتلة رغم تشدد أغلبها في رأي المختصين نموذجا نادرا للتعاون بعد أسابيع فقط من قيام مقاتلي جبهة النصرة بسحق قوة معارضة سابقة مدعومة من الولايات المتحدة في ضربة لاستراتيجية واشنطن تجاه سوريا، ومن شأن استمراره إلحاق خسائر أكبر بنظام الرئيس بشار الأسد رغم أن تركيبة التحالف تسيطر عليها الجماعات الإسلامية المتطرفة والمعادية للغرب ولا تشكل باقي القوى المعتدلة سوى نسبة قليلة من مركز قيادتها أو غيابها كليا عنها.
وحتى الآن ترفض الدول الغربية في مقدمتها الولايات المتحدة دعم التنظيمات المتشددة التي تقاتل ضد قوات بشار الأسد، بحجة أن دعمها سيقتصر فقط على المعارضين المسلحين المعتدلين الذين يقاتلون ضد كل من قوات الأسد وتنظيم الدولة الإسلامية الذي يضع يده على أجزاء كبيرة من سوريا والعراق رغم الضربات الجوية التي تشن عليها من الطائرات الغربية في مقدمتها الولايات المتحدة.
وأبرزت التطورات الجديدة التي حدثت على الأرض خاصة في منطقة إدلب العودة القوية لتنظيم حركة أحرار الشام كأقوى قوة معارضة، رغم أن أحد مؤسسيها وهو أبو خالد السوري قاتل جنبا إلى جنب مؤسس تنظيم القاعدة أسامة بن لادن وكان من المقربين لخليفته على رأس التنظيم المصري أيمن الظواهري.
وجاءت عودة حركة أحرار الشام القوية إلى تصدر قوى الجماعات المسلحة، بعد انهيار حركة حزم، التي عرفت بكونها أول جماعة معارضة سورية تسلمت أسلحة مضادة للدبابات من الولايات المتحدة في اذار/مارس بعد قتال مع جبهة النصرة، حيث أن مقاتلي هذه الأخيرة سارعوا إلى نشر صور وفيديوهات لما قيل إنها أسلحة أمريكية انتزعوها من الحركة بعد سحقها.
غير أن اتفاق جماعات إسلامية متشددة على وقف القتال ضد التنظيمات السورية المعارضة المدعومة من الدول الغربية ووضع اليد في يدها، أثمر نصرا كبيرا في إدلب كانت من نتائجه طرد قوات الأسد منها، ما يعني في رأي المختصين أن التشتت الذي عاشته تنظيمات المعارضة السورية المسلحة على اختلاف انتماءاتها وتوجهاتها هو الذي ساعد القوات النظامية في بسط سيطرتها على عدة مناطق وتقوية شوكتها.
ووضعت التنظيمات الإسلامية المتطرفة وتلك المعتدلة المدعومة من الدول الغربية والخليجية خلافاتها جانبا ونسقت فيما بينها من أجل مقاتلة قوات الرئيس بشار الأسد والسعي لإسقاطه، بعد ان التزمت قياداتها بعدم السقوط في فخ الإقتتال بين بعضها البعض على اعتبار أن ذلك يقدم خدمة كبيرة لقوات النظام.
ولم يقتصر التحالف بين التنظيمات المسلحة على هذا الأمر، بل تعداه إلى التعهد بحماية أي تنظيم آخر والوقوف إلى جانبه في حال تعرضه لهجوم غادر دون وجه حق، كما هو الشأن بالنسبة لتنظيم أحرار الشام الذي سارع المتحدث باسمه ويدعى حسام أبو بكر إلى الإعلان بأن تنظيمه لن يتردد في استخدام القوة لحماية حليفه الفرقة 13 في حال تعرض لأي هجوم من جبهة النصرة المتطرف الذي يرتبطون معها بتحالف استراتيجي وتنسيق في القتال ضد قوات بشار الأسد.
غير أن التحالف بين التنظيمات المسلحة على اختلاف مواقفها وتوجهاتها ورغم تحقيقه لمكاسب على الأرض إلا أن المختصين يرونه هشا، ويتوقعون أن تنقلب التنظيمات على بعضها البعض في أي لحظة خاصة في حال تحقيق الأهداف العسكرية المرجوة، وهو ما ينفيه بعض أعضائها بالقول إنه طالما هناك استراتيجيات مشتركة لمهاجمة النظام وتنسيق العمل لن تحدث هناك أي مشاكل على اعتبار أن نظام بشار الأسد عدو مشترك لها جميعها، وأن إسقاطه هو هدف لكل التنظيمات المسلحة برمتها.
ورغم أن كثرة التنظيمات المنضوية تحت لواء تحالف «جيش الفتح» الجديد وتناقض مواقفه تجاه الغرب، قد يعجل بانفراط عقده ويشعل صراعات الاستيلاء على السلطة والمواقع فيما بينها، إلا أن جماعة أحرار الشام وحدها تمتلك مفتاح منع الاقتتال الداخلي على اعتبار أنها أكبر تنظيم داخله.
ولعل ما يعزز هذا الطرح في رأي البعض هو أن أعضاء ومقاتلي تنظيم أحرار الشام باتوا أكثر تسامحا إزاء الجماعات المدعومة من الغرب على اعتبار أن هدف إسقاط النظام وإنهاء وجوده مشترك للجميع، كما أن هذا الانفتاح الجديد موجود أيضا لدى مقاتلي الجماعة على الأرض أعطى ثماره بشكل كبير في إدلب وتوج بدحر قوات بشار الأسد منها بشكل مفاجئ.
وعزز تحقيق تحالف جيش الفتح نصرا كبيرا على قوات بشار الأسد في إدلب وطردها منها التوقعات بتحقيق إنجاز مماثل في منطقة اللاذقية، مسقط رأس الرئيس السوري، خاصة بعد زحف مقاتلي التحالف نحوها بهدف سحبها من تحت أقدام القوات النظامية، حيث خاضوا قتالا عنيفا ضدها في مناطق قريبة منها وذلك بعد المكاسب التي حققوها في إدلب.
ويصوب مقاتلو المعارضة المسلحة أعينهم على اللاذقية كهدف استراتيجي متقدم بعد انتزاع إدلب من خلال السعي إلى نقل معركتهم التي بدأت قبل أربعة أعوام للاقتراب من المناطق الساحلية في اللاذقية التي تسيطر عليها قوات الحكومة حيث معقل الأقلية العلوية التي ينتمي إليها الرئيس السوري بشار الأسد.
وتعتبر المعارضة المسلحة اللاذقية هدفا ثمينا باعتبارها تضم الميناء الرئيسي في سوريا، وباعتبارها إلى جانب العاصمة دمشق أهم المناطق التي تسيطر عليها القوات الحكومية، كما أنها تعتبر نقطة حيوية وحلقة رئيسية لإسقاط نظام الأسد وتشديد الخناق عليه.
ووضع مقاتلو تحالف جيش الفتح كهدف أولي السيطرة على القمم الجبلية القريبة في ريف اللاذقية ما سيجعل القرى العلوية في مرمى التنظيم بينها قمة النبي يونس التي تطل على قرى قريبة من القرداحة مسقط رأس الرئيس السوري بشار الأسد وعائلته.
ووجد مقاتلو تحالف المعارضة السورية المسلحة أنفسهم أمام خيارين بعد وضعهم اليد على جسر الشغور، فإما الزحف نحو السيطرة على الساحل السوري أو التوجه جنوبا لتحرير كامل سهل الغاب وكلاهما خيار صعب وطريقه غير مفروشة بالورود، خاصة وأن النظام استقدم تعزيزات كبيرة من اللواءين 47 و87 جورين في حماة إلى القرية، تحسبا لتوجه الثوار إلى محافظة اللاذقية، حيث تعتبر القرية نقطة عبور باتجاه صلنفة وقرى جبلة عبر شطحة، وخط الدفاع الأول عنها من الجهة الشرقية.
وأطلق نظام الرئيس بشار الأسد بنفسه شرارة معارك اللاذقية حين أعطى أوامر بهجوم شنه الجيش السوري بالتحالف مع ميليشيات محلية صغيرة في مسعى لطرد قوات المعارضة ومنعها من الاقتراب من المحافظة، وفي الوقت نفسه تمكين الجيش من التقدم في محاولة استعادة السيطرة على المناطق التي انتزعها مقاتلو المعارضة منه في إدلب، بينما دار قتال شرس قرب جبل الأكراد بالقرب من أعلى القمم الجبلية في سوريا التي تطل على قرى علوية وقريبة من القرداحة مسقط رأس عائلة الأسد. وبدا أن الجيش السوري يسعى في المقام الأول إلى تأمين الوادي والقمم الجبلية حتى يتقدم صوب بلدة جسر الشغور التي سيطر عليها مقاتلو المعارضة في محافظة إدلب، وفي الوقت نفسه تفادي تكرار سيناريو اب/أغسطس من العام 2013 حين نجح مسلحون إسلاميون بمساعدة مقاتلين أجانب من بسط السيطرة لفترة وجيزة على قرى تسكنها الأقلية العلوية قبل طردهم منها من قبل قوات النظام.
ويبدو خيار اتجاه مقاتلي تحالف المعارضة نحو الساحل السوري بهدف السيطرة عليه رغم التحصينات الكبيرة للنظام الأكثر عقلانية على اعتبار أن التوجه غربا عبر المناطق المحررة في ريف اللاذقية أقل خطورة من خيار التوجه جنوبا لتحرير كامل سهل الغاب نظرا لصعوبة القتال في مناطق مكشوفة لن يتردد النظام في استخدام الطائرات والمقاتلات الحربية لقصفها بسهولة.
وأطلق مقاتلو تحالف جيش الفتح أكثر من معركة في ذات الوقت بهدف طرد قوات النظام من المعسكرات المحيطة بمدينة إدلب، والسيطرة على طريق إمدادات الجيش السوري بين اللاذقية وإدلب، وأكثر من ذلك الضغط على قوات الجيش المرهقة في أكبر عدد ممكن من الجبهات لإنهاكها أكثر واجبارها على نشر مواردها بشكل أوسع بما يضعف قوته ويشتت تركيزه.
محمد واموسي