لندن ـ «القدس العربي»: مع من ستتعاون الإدارة الأمريكية في سوريا، مع النظام أم مع الجيش السوري الحر؟ سؤال مطروح والجواب انها ستتجنب بشار الأسد في محاولتها لحشد الدعم الإقليمي ضد تنظيم لدولة الإسلامية – داعش.
ولن يكون في هذا التحالف مكان لنظام بشار الأسد رغم ان الحكومة السورية رحبت بضرب داعش ولكنها طالبت بالتنسيق معها حسب وزير الخارجية السوري وليد المعلم. وبالمقابل نقل موقع «دايلي بيست»عن متحدثين باسم الجيش الحر ومسؤولين في الإئتلاف الوطني السوري قولهم ان الغارات الأمريكية لن تكون كافية لهزيمة داعش ما لم ترفق بخطة منسقة على الأرض مع مقاتليهم. وقالوا ان لديهم القدرات الاستخباراتية التي تبحث الولايات المتحدة عنها لمواجهة تنظيم الدولة الإسلامية وضرب أهدافها. وقالوا ان الدعم الغربي لهم لمواجهة داعش ظل غير منسق وبدون حماسة خاصة بعد اندلاع القتال بين الجيش الحر وداعش بداية العام الحالي. والنتيجة كانت ضعف المعارضة وتعزز قوة الجهاديين.
وأشار تقرير موقع «دايلي بيست»إلى ان الجهود الدولية لمساعدة المعارضة السورية وقادتها الولايات المتحدة لم تتعد تدريب مجموعات من مقاتلي المعارضة في الأردن وتركيا وهو ما لم يكن كافيا لتقوية جانب الجيش الحرالذي كان يواجه داعش في شمال وشرق البلاد. بل وعزز داعش من قواته العسكرية والمالية بعد التقدم الذي أحرزه في العراق وحصل على معدات عسكرية متقدمة. ويشير التقرير إلى ان المعارضة السورية تلقت اتصالات من قوى غربية تطلب منها المساعدة في احتواء خطر داعش في سورية.
طائرات تجسس
ويأتي هذا في وقت ذكرت فيه صحيفة «نيويورك تايمز» ان الرئيس أوباما صادق على طلعات استخباراتية فوق سوريا كمقدمة لعملية عسكرية محتملة. وتقول ان ما يقلق الإدارة هو كيفية استهداف المقاتلين السنة بدون مساعدة نظام بشار الأسد.
وقال مسؤولون في الدفاع ان الإدارة أرسلت طائرات بطيار وبدون طيار للقيام بطلعات جوية فوق سوريا، واحتمال استخدام طائرات درون وطائرات التجسس «يو 2». وبحسب مسؤولين بارزين في الإدارة فقد صادق الرئيس أوباما على العمليات نهاية الأسبوع الماضي. وينظر للطلعات الجوية كخطوة مهمة في اتجاه التدخل العسكري الأمريكي المباشر في سوريا ويمكن ان تغير معادلة الحرب الأهلية.
كما تعبر التطورات عن اعتراف بأهمية جمع الحصول على معلومات استخباراتية كي تتوضح الصورة ولتتمكن الإدارة من توسيع العمليات العسكرية في سوريا. وبحسب «وول ستريت جورنال» فقد طلبت القيادة المركزية التي تقوم بالإشراف على العمليات في الشرق الأوسط تزويدها بطائرات استطلاع بما فيها طائرات بدون طيار حتى تجمع المعلومات حول أهداف محتملة. ونقلت عن مسؤول بارز قوله «تقوم وزارة الدفاع – البنتاغون بالتحضير لعمليات استطلاع فوق سوريا»، مضيفا «لم يتم اتخاذ قرار بعد لتنفيذ الغارات، ومن أجل المساعدة في اتخاذ القرار فأنت بحاجة لمعرفة بالوضع قدر الإمكان». ويقول مسؤول دفاعي ان طائرات الاستطلاع سيتم احضارها من أوروبا وأفريقيا لان «الدرون» وكل طائرات الاستطلاع الموجودة في الشرق الأوسط تستخدمها المخابرات ووحدات الاستطلاع. ودفعت القيادة المركزية باتجاه تزويدها «بالدرون» لانه بدون هذه الطائرات فلن يكون بإمكان أوباما تطوير خيارات. ونقلت الصحيفة عن مسؤول أمريكي قوله «يجب ان نكون مستعدين». وتشير إلى ان الوضع في سوريا مختلف عنه في العراق، ففي هذا البلد تحلق طائرات «درون» في الجو ولديها مصادرها الاستخباراتية من شبكة العملاء، والأكراد والحكومة العراقية. وفي الوقت الذي طورت فيه الاستخبارات الأمريكية شبكة من المقاتلين السوريين الذين يقدمون لها المعلومات إلا انها تظل محدودة في مستواها وطبيعة ما لديها من معلومات.
لن نخبر الأسد
وبحسب مسؤولين في الإدارة فلن يتم إعلام الحكومة السورية بالأمر، خاصة ان أوباما طالب في أكثر من مناسبة بتنحي الرئيس السوري، ولا تريد الإدارة والحالة هذه الظهور بمظهر من يساعد حكومته.
وبناء على الخطط المعدة في البنتاغون فسيتم استهداف داعش داخل المنطقة التي محا فيها التنظيم الحدود بين العراق وسوريا وتجنب استهدافه في داخل العمق السوري. وفي الوقت نفسه تتحرك الإدارة من أجل تعزيزالدعم للجماعات السورية المعارضة «المعتدلة».
ولن تكوالمرة الأولى التي ستخرق فيها طائرات الاستطلاع الأمريكية الأجواء السورية ففي 4 تموز / يوليو نفذت وحدات من القوات الخاصة عملية في داخل العمق السوري وبحماية من طائرات الاستطلاع في محاولة لتحرير الأمريكي جيمس فولي وغيره من الرهائن الذين اختطفهم تنظيم داعش. وكان الرئيس أوباما قد التقى يوم الإثنين مع وزير الدفاع تشاك هاجال ومستشارين آخرين لمناقشة الخيارات المتوفرة لدى الولايات المتحدة. لكن أوباما لم يقرر بعد التدخل مباشرة حيث أكد البيت الأبيض انه لا يخطط للتعاون مع الأسد أو حتى إعلامه بالأمر.
وبحسب بنجامين رودز نائب مديرة الأمن القومي «لا علاقة له بعدو عدوي صديقي»، مضيفا ان التعاون مع الأسد سيؤدي لتهميش السنة في سوريا والعراق، وهم مهمون في هزيمة تنظيم الدولة الإسلامية في العراق والشام». ومع ذلك يعترف مسؤولون في الإدارة ان التهديد المباشر الذي بات يمثله داعش على حياة الأمريكيين عقد من حسابات الإدارة في نزاع حاولت جاهدة تجنب الانجرار إليه.
في الرقة
وبحسب الخطة التي تناقشها الإدارة حاليا فسيتم استهداف قادة داعش البارزين في داخل معقله السوري، أي مدينة الرقة وكذلك ملاحقتهم في مواقع معزولة قرب الحدود مع العراق. وهناك أكثر من سيناريو لضرب أهداف داعش بدون السماح للدفاعات الجوية السورية التدخل منها قيام الطائرات الأمريكية بالتحليق قرب الحدود السورية وضرب الأهداف في سوريا مستخدمة أسلحة دقيقة وذات مدى طويل.
ويمكن للجيش الأمريكي التشويش على النظام الدفاعي السوري من خلال إرسال إشارات تجعل من الصعوبة بمكان أمام السوريين اكتشاف دخول الطائرات الأمريكية المجال الجوي السوري، وفي هذه الحالة لن يكون أمام المقاتلات الأمريكية إلا وقتا محدودا لضرب مواقع داعش. وعليه فيمكن في سيناريو ثالث للجيش الأمريكي إرسال مقاتلاته بي-2 التي لا يمكن للرادار اكتشافها، ويمكنها ضرب مواقع في سوريا باستخدام صواريخ «تومهوك» التي تنطلق من بارجة في وسط البحر.
لا تريد خسارة المعارضة
ويأتي تجنب الولايات المتحدة التعاون مع الأسد لمخاوفها من الضغط على المعارضة السورية التي ستجد نفسها محاصرة من النظام وداعش، وبحسب فردريك هوف الذي عمل سابقا في الخارجية الأمريكية «فسنجد انفسنا نتحرك باتجاه موقع غير مريح، وسنكون مثل من يمشي بلا وعي لكمين». ويراهن البيت الأبيض على إمكانية مساعدة الغارات الجوية للمعارضة التي تواجه كلا من الأسد وداعش خاصة في منطقة حلب. ويواجه الجيش الحر خطر خسارة معابر آمنة نحو الحدود التركية. ونقل عن أبي شهبندر، المتحدث باسم الإئتلاف الوطني «لقد عبر قادة الجيش الحر الذين يقاتلون في شمال سوريا عن استعدادهم للتنسيق مع الولايات المتحدة في الغارات على داعش».
ومع ذلك لا يملك الجيش الحر القدرات العسكرية المتوفرة لدى قوات البيشمركة الكردية التي تعمل بالتنسيق مع الأمريكيين في مواجهة قوات داعش في شمال العراق، ولم ينجح مقاتلو الجيش الحر وبالدعم المحدود الذي حصلوا عليه من الولايات المتحدة حرف ميزان المعركة لصالحهم. وكان المسؤول الإعلامي في البنتاغون الأدميرال جون كيربي قال ان وزير الدفاع هاجال يفكر ببرنامج لتدريب وتسليح المعارضة السورية. من الأسباب التي تدفع الإدارة عدم التعاون مع النظام السوري هو محاولتها لتشكيل تحالف إقليمي ضد داعش يضم دولا مثل تركيا والسعودية والأردن. وبحسب باحث في معهد التقدم الأمريكي فعملية تشكيل هذا التحالف ستكون صعبة حالة نظرت هذه الدول للغارات كوسيلة لتعزيز سلطة الأسد.
وتحاول الإدارة في الوقت نفسه دفع الحكومة العراقية للعمل أكثر في مواجهة تهديد الجهاديين. فقد اتصل جوزيف بايدن، نائب الرئيس الأمريكي يوم الإثنين مع رئيس الوزراء المكلف حيدر العبادي للتأكيد على أهمية تشكيل حكومة عراقية تستطيع الحصول على دعم في البلاد ومن دول المنطقة لقتال داعش.
دغدغة
وبدون خطة على الأرض يرى مقاتلو الجيش الحر ان الغارات لن تكون إلا «دغدغة» لداعش ولن تنجح في تدمير مواقع التنظيم بل وسيزيد التدخل الأمريكي من سوء الأوضاع إلا في حالة تم التنسيق مع الجيش الحر على الأرض. وفي الوضع الحالي فليس بإمكان المقاتلين السوريين التحضير للضربة العسكرية، لانهم لم يعودوا يثقون بالرئيس أوباما ولعدم توفر القدرات العسكرية لديهم. ونقل «دايلي بيست»عن حسام المري المتحدث باسم الجيش الحر قوله ان غارات أمريكية ضد داعش في سوريا «لن تكون مفيدة، لانها لن تهزمه»، مضيفا ان «داعش ليس دولة يمكن توجيه ضربة له وما هو إلا مجموعة من رجال العصابات سيهربون إلى الصحراء السورية في الشرق، وعندما يدخلون المدن يقومون باستخدام البنايات المدنية، ولهذا فالغارات لن تكون كافية للتخلص من هؤلاء الإرهابيين، وفي الوقت نفسه قد يقومون باستهداف المدنيين وهذه هي المشكلة».
ويشعر قادة الجيش الحر بالإحباط لأن الولايات المتحدة لم تلتفت بما فيه الكفاية للوضع في سوريا. ويقول إياد شمسي، المسؤول عن الجبهة الشرقية ان «قتل داعش لجيمس فولي وتهديده بقتل صحافي أمريكي آخر يظهر كيف لم تلتفت الولايات المتحدة كثيرا لخطره على سوريا».
وكان شمسي قد قاد مقاتلي الجيش الحر في مدينة دير الزور كبرى المدن السورية على الحدود والتي سقطت بيد داعش في تموز/يوليو وبعد مناشدات حارة للمساعدة التي لم يستجب لها الغرب. ويحذر شمسي وقادة الجيش الحر الآخرين من إمكانية سقوط حلب التي تعتبر أكبر جبهة ضد داعش. وكشف كيف تلقت المعارضة السورية اتصالات من دول غربية طلبت مساعدتها في مواجهة خطر الجهاديين ووعدت بتقديم المساعدة اللازمة. وتعرض المعارضة خدماتها في مجال الاستخبارات حيث تقول ان لديها الإمكانيات الاستخباراتية للمساعدة في تحرير الرهائن لدى داعش.
وتعتقد ان التنظيم يحتجزهم في سجن تحت سد الرقة. ويقول أحدهم ان «العمل مع الجيش الحر مفيد، نحن سوريون ونعرف متى وكيف نتحرك في البلد». ويرى قادة المعارضة السورية ان السياسة الأمريكية والغربية لقتال داعش يجب ان تشمل على مساعدة الجيش الحر ودعم المجتمع المدني كي يستطيع مواجهة أيديولوجية داعش. ويقول بسام بربداني، وهو ناشط الحركة من أجل التغيير، منظمة غير حكومية في أمريكا «انْ كانت الولايات المتحدة جاد في مواجهة داعش وليس محاولة احتوائه فهي بحاجة لسياسة قوية في سوريا».
ورغم كل هذا فقد خفضت المعارضة المعتدلة من سقف توقعاتها من أوباما وهو الذي قال الشهر الماضي ان فكرة قدرة جيش من مقاتلي المعارضة على هزيمة النظام السوري «فانتازيا».
إبراهيم درويش