المعارضة السورية.. وخيارات الإصطفاف الأمريكي

حجم الخط
0

سوريا ـ «القدس العربي»: على إيقاع التصريحات الأمريكية الجديدة ذات النبرة المختلفة، تأتي إنعطافة المعارضة السورية الأبرز لهذا العام، لتضعها وجهاً لوجه أمام ذات الأحجية مرة أخرى، الأحجية التي لم تخلص الأخيرة إلى فهم شيفرتها البسيطة منذ جنيف1 وحتى اليوم.
قدمت الولايات المتحدة الأمريكية ومنذ وقوعها كلاعب أساسي على الساحة السورية مراراً، استعدادها لدعم للمعارضة، إلا أنه دائماً ثمة حلقة مفقودة في طبيعة العلاقة لم يفهمها حتى اليوم الزعماء الذين تناوبوا على قيادة الأجسام المعارضة والتي ابتدأت من المجلس الوطني وصولاً للائتلاف الوطني لقوى الثورة والمعارضة.

السباق نحو تحقيق
لمصالح الأمريكية..

لا ينكر أي من المتابعين تحالف الولايات المتحدة في وقت ما مع الجماعات الجهادية لا سيما في ثمانينيات القرن الماضي، ولا تشكل محاربتها لهم عقب أحداث أيلول/سبتمبر 2001 وحتى اليوم إلا امتداداً طبيعياً لسير المصلحة الأمريكية، التي يقدمها البيت الأبيض دائماً على شكل خيارات لا بدّ منها، الأمر الذي تتسابق القوى على الأرض اليوم في سوريا إلى تحقيقه.
يقول السفير الأمريكي روبرت فورد الذي قدم استقالته في شباط/فبراير الماضي بأن الرئيس الأسد والجهاديين على حد سواء يمثلان تحديا للمصالح الأساسية للولايات المتحدة حيث «يترأس الأسد نظاماً معيبا على القيم الإنسانية، تسببت أساليبه الوحشية في تدفق فيضان من اللاجئين ربما يزعزع المنطقة» في حين «شكلت فروع القاعدة المشاركة في الحرب خطرا كامنا على أمننا كما نبه مدراء الإستخبارات الوطنية وجهاز التحقيقات الفيدرالية، ويتمتع هؤلاء الإرهابيون بملاذ آمن يستطيعون استخدامه لشن هجمات ضد أوروبا أو الولايات المتحدة”.
تصريحات فورد تكشف بجلاء عن وجهة المصلحة الأمريكية التي بات الجميع اليوم يتسابقون لتحقيقها، بمن فيهم نظام الأسد، الذي لم يتردّد في تسليم السلاح الكيميائي مقابل وقف الضربة المزعومة في العام الماضي، ويبدو جلياً استقرار المصلحة الأمريكية لدى المعارضة السورية في محاربة المتطرفين، لا سيما تنظيم الدولة الإسلامية الذي حقق تقدماً سريعاً وساحقاً في الأيام الأخيرة بالسيطرة على أجزاء واسعة من العراق والجزء الشرقي من سوريا.

محاربة المتطرفين..
خيار المعارضة القاسي

يطلّ خيار محاربة المتطرفين من تنظيم الدولة الإسلامية وجبهة النصرة، كواحد من أقسى الخيارات أمام المعارضة السورية، فالإدارة الأمريكية تدرك اليوم عواقب عدم تسليح المعارضة منذ البداية كما يقول السفير الأمريكي «روبرت فورد» الذي اعتبر أنه «كان على الإدارة الأمريكية أن تقدم أكثر وتسلّح المعارضة السورية المعتدلة». وبعيدا عن أن المعارضة السورية والفصائل المقاتلة عموماً شرعت بشكل فعلي في محاربة تنظيم الدولة، إلا أن تنظيم جبهة النصرة الوليد من رحم «الدولة» يبقى خياراً قاسياً لا سيما وأنه على لوائح التنظيمات الإرهابية الأمريكية لكنه في الوقت ذاته يقود إلى جانب فصائل الجيش الحر أقسى المعارك ضد تنظيم الدولة، لذا سيكون خيار التخلي عن النصرة كارثيا لما سيحققه من نتائج سلبية على الأرض.
إصرار واشنطن على محاربة المتطرفين بلغ أوجه خلال لقاء وزير الخارجية الأمريكي جون كيري زعيم المعارضة السورية أحمد الجربا يوم الجمعة 27 حزيران/يونيو حيث أبلغه أن «من المهم أن يتصدى الائتلاف الوطني السوري المعارض لجماعة الدولة الإسلامية في العراق والشام التي تستلهم نهج القاعدة وتقاتل في كل من سوريا والعراق». وأبلغ الجربا كيري بأن تفاقم الوضع يعني الحاجة إلى مزيد من الجهد من جانب واشنطن والرياض بالإضافة إلى آخرين لبحث الموقف في العراق الذي قال إن حدوده مع سوريا «مفتوحة عمليا”.
وطلب الرئيس الأمريكي باراك أوباما يوم 26 حزيران/يونيو موافقة الكونغرس على تخصيص 500 مليون دولار لتدريب وتجهيز مقاتلي المعارضة السورية المعتدلة الساعين للإطاحة بالرئيس بشار الأسد.
الوضع السوري اليوم بات معقدّاً أكثر من أي وقت مضى، ففوضى السلاح على الأرض، ودخول قوى «شيعية» تقاتل إلى جانب النظام و»سنية» تقاتل إلى جانب المعارضة، جعل الخيار الأمريكي يعود إلى المربع الأول في ضمان أمن ومصالح الولايات المتحدة، ويأتي كل ذلك أمام معارضة سياسية سورية، غارقة في النزاعات الداخلية وضجيج التجاذبات والمحاصصة، التي لم تبق أمام الولايات المتحدة سوى خيارين أحلاهما علقم، فإما محاربة المتطرفين بمن فيهم «النصرة» والسقوط داخليا، وإما المخاطرة بطوفان خارجي لا يدري أحد عواقبه.

عابد ملحم

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية