القاهرة ـ «القدس العربي» : بينما المصريون يقاومون الجوع بمزيد من الإيمان بقضاء الله وقدره، فاجأت الحكومة الجماهير بقرار رفع أسعار مياه الشرب ورسوم الصرف الصحي، اعتبارا من أول أغسطس/آب الجاري، حسب ما نشر في الجريدة الرسمية.
وفي الوقت ذاته لم تنس حكومة شريف إسماعيل، التي تتولى مقاليد الامور والتي قررت أخيراً تخفيض حصص الخبز المدعم، وهي التي تنفذ تعليمات صندوق النقد الدولي، الذي سبق وكان الأداة التي تسببت في إفلاس العديد من بلدان العالم الثالث، في المضي قدماً في خططها الرامية لتجفيف منابع حرية الرأي، سواء بالأوامر الحكومية المباشرة، أو عبر أبواقها. وفي هذا السياق بحثت الحكومة مؤخراً الوسائل المثلى في مراقبة الهواتف ووسائل التواصل الاجتماعي، بهدف الحيلولة دون عودة المد الثوري للمدن والقرى في طول مصر وعرضهاً، خاصة مع تزايد معدلات السخط العام بين المصريين، الذين انتظروا على مدار السنوات الاربع الماضية الانتقال من سلم الفقر لعالم الرفاهية، فإذا بهم أمام نظام حكم لم يحترف سوى صناعة الفشل وإذلال الفقراء، مع نشر ثقافة القمع والاضطهاد.
ولم تكن أوضاع الصحافيين والإعلاميين المصريين أفضل حالاً من غيرهم، حيث شهدت صاحبة الجلالة قبل يومين تسريح عدد من الصحافيين العاملين في «اليوم السابع»، بإجبارهم على تقديم طلبات إجازات بدون راتب، ووفقاً لبيان صادر عن أفراد المجموعة أكدوا أن موقفهم الرافض لاتفاقية تيران وصنافير وتسليمهما للسعودية، هو السبب المباشر وراء إجبارهم من قبل الإدارة على تقديم طلب بالحصول على إجازة.
أمس الخميس 3 أغسطس/آب كانت المعارك الصحافية تزداد وتيرتها حدة مع اقتراب البلاد من موعد الانتخابات الرئاسية.. ترى إلى أي السيناريوهات ستقود الأقدار الأغلبية، التي لم تعد تطلب سوى ما يبقيها على قيد الحياة من غذاء، ولتذهب أحلام الحرية والعدالة الاجتماعية للجحيم. وإلى التفاصيل:
انتخابات في علم الغيب
أسوأ ما قد يحدث في الانتخابات الرئاسية المصرية المقبلة، وفقاً لعبد الله السناوي في «الشروق» ألا تكون هناك منافسة جدية على اكتساب ثقة الرأي العام بين رجال وأفكار وبرامج. عندما تغيب أي قواعد تسمح بمثل تلك المنافسة فإن الانتخابات نفسها تتحول ـ بقوة الواقع ـ إلى استفتاء مقنع على مرشح واحد. في النص الدستوري فإن التعددية السياسية وتداول السلطة صلب نظام الحكم. إذا غابت التعددية الحقيقية فإن الشرعية تشرخ بما يستعصى ترميمه، والمستقبل يغيم بما لا يضمن أمنا واستقرارا وتثبيتا للدولة. هذا وضع ينال على نحو خطير من منسوب الثقة العامة في المستقبل، التي تحتاجها مصر لمواجهة أزماتها المستعصية، ويضرب بقسوة في جذور الشرعية الدستورية. قبل أي حديث عمن ينافس الرئيس الحالي عبدالفتاح السيسي، لابد من طرح الأسئلة الرئيسية عن البيئة العامة، التي تضفي على الانتخابات جديتها، وتدفع قطاعات عريضة من المواطنين للذهاب إلى صناديق الاقتراع، حتى يحددوا بأنفسهم مستقبلهم السياسي. في انتخابات على هذه الدرجة من الأهمية، يفترض أن تتوافر فرص السؤال العام عن السياسات المتبعة، ما نجحت فيه وما أخفقت، وأين الأخطاء الجوهرية وسبل تجاوزها؟ قبل أن يقرر المواطنون إلى أين تذهب أصواتهم. بقدر اتساع المجال العام للتنوع السياسي في المجتمع، تكتسب أي انتخابات قدرتها على التصحيح والتصويب، وضخ دماء جديدة في شرايين الشرعية. إذا جفت السياسة لا يمكن الحديث عن انتخابات لها صفة الجدية. وإذا حجبت الأفكار والتصورات عن أن تطرح نفسها بحرية، فإن المشهد كله سوف يكون فقيرا ومنذرا في بلد منهك يبحث بالكاد عن أمل. الحوار من طرف واحد مشروع أزمات لا سبيل للفكاك منها، فهو لا يؤسس لأي توافق وطني ضروري ولا يسمح بتصحيح أي أخطاء. التوافق قضية إقناع لا إملاء والتصحيح ضرورة إنقاذ لا تآمر».
لا نحتاج «كومبارس»
نبقى مع مشهد الانتخابات الرئاسية والكلام لسحر جعارة في «الوطن»: «كنت أتمنى أن أجد خصماً قوياً يعلن عن خوضه للانتخابات في مواجهة الرئيس الحالي، حتى لا يتحول الأمر إلى «مسرحية هزلية» تهدر آليات الديمقراطية وقيمة «صندوق الانتخابات»، لكن للأسف حتى الآن ورغم الحملة الشرسة التي يتزعمها عصام حجي، المستشار السابق للرئيس المؤقت عدلي منصور، الموجود في الولايات المتحدة الأمريكية، للترشح بفريق رئاسي في انتخابات الرئاسة عام 2018، لم تفلح حملته في طرح اسم يليق بحكم مصر. كنت أتمنى أن يتقدم حزب «الوفد»، وهو أعرق حزب ليبرالي بمرشح للرئاسة، لكن سيد البدوي، رئيس الحزب، أعلن دعمه لترشح الرئيس السيسي. دعونا نعترف بأن النخبة السياسية في مصر تم تجريفها لأكثر من ثلاثين عاماً، وأن خصوم السيسي يشنون حملات تشويه للرئيس وحكومته، بدلاً من طرح رؤى وأفكار تفيد البلاد.. وأن حمدين صباحي وخالد علي أصبحا من الوجوه المحروقة، من كثرة فشلهما في انتخابات الرئاسة، وانعدام شعبية كليهما، بخلاف سطحية رؤيتهما للحكم وبرامجهما الهزيلة، التي تدغدغ مشاعر الفقراء لا أكثر.
وربما كان المأزق الرئيسي للقوى السياسية الموجودة على الساحة، أنها منقسمة على نفسها، لن تتفق على مرشح واحد، تلتف حوله وتدعمه. وسوف تكتفى بالندب ولطم الخدود والطعن في العملية الانتخابية برمتها».
سيفعل بنا ما يشاء
وكما يشير أشرف البربري في «الشروق»: «مصر تواجه مخاطر وتهديدات كبيرة، مثلها في ذلك مثل العديد من دول المنطقة، بل ودول العالم. وبالطبع أيضا هناك دول ومنظمات تتآمر على مصر، ونظام حكمها كما يحدث مع العديد من الدول، كما أن مصر تمر اليوم بواحدة من أصعب وأسوأ مراحل تاريخها الحديث، وتحتاج إلى تكتل كل طوائف الشعب وراء هدف الخروج بها من أزمتها. وبالطبع فالغضب الشعبي من السياسات الحكومية التي لم يرَ منها أي خير تقريبا، ليس حلا، وأضراره ربما تكون أكبر بكثير من فوائده في الفترة الراهنة، لكن أعتقد أن عبء الخروج من هذه المرحلة الخطيرة يقع بالدرجة الأولى على السلطة، وليس على الشعب كما يروج لذلك إعلام السلطة. فالسلطة في مصر تكاد تملك مفاتيح كل شيء، فإذا أرادت انفتاحا سياسيا فعلت ذلك وغلت يدها عن العبث بأحزاب وجماعات المعارضة، وتوقفت عن التحرش بوسائل الإعلام المستقلة، أو الخاصة، وفتحت الباب أمام ظهور منافسين حقيقيين لها، بما يعزز فكرة العمل السياسي الشرعي، أمام الشباب سعيا لتداول سلمي للسلطة، وإذا أرادت، تراجعت عن المشروعات التي أدخلت اقتصاد البلاد والعباد في نفق مظلم لا نعلم متى سنخرج منه. وإذا أرادت فتحت أبواب السجون وأفرجت عن الآلاف من المحبوسين احتياطيا، ممن لم «تتلوث أيديهم بالدماء» فتفتح أمام الشباب أبواب الأمل. هناك فارق كبير بين دول تواجه مخاطر وتحديات مثل العديد من الدول، ودول آيلة للسقوط. ومصر من النوع الأول، لكنها أبدا لم تكن ولن تكون من الفئة الثانية، وهذا لا يعني تقليلا من خطورة وأهمية التهديدات التي نواجهها. غير أن التعامل مع المخاطر والتهديدات مهما كان حجمها شيء، والتعامل مع شبح سقوط الدولة وتلاشيها شيء آخر تماما».
هكذا يحكمنا
من وحي خياله وما أشبه الخيال بالواقع أحياناً كتب حازم حسني في «البداية» عن أسلوب السلطان في الحكم: «جلس السلطان على كرسيه يضحك ملء شدقيه، وهو يرسل رسائله إلى المصريين الذين أرهقهم السلطان بحكمته التي يختال بها عليهم. قال وكرر وأكد، أن مصر لن تتقدم إلا بما قال عنه إنه «المركزية». كي أكون موضوعياً فإن المركزية مطلوبة في كثير من الأحيان، خاصة في ظروف بلادنا التي أربكتها عقود من تفكيك المجتمع، بل ومن تفكيك العقل والضمير العام في مصر، لكن تبقى لنا رغم هذا ثلاث ملاحظات على ما أكده السلطان في حديثه عن ضرورات المركزية التي أراد بها ترويض رعيته من المصريين. أولاً: يبدو أن السلطان لا يدرك بحكمته الفرق الكبير بين «المركزية» و«السلطوية»، فهما هيكلان مختلفان للتنظيم، فالمركزية ليست بالضرورة سلطوية يكتفى فيها السلطان بحكمته الشخصية، وخبرته العسكرية التي لم يعرف مع طول خبرته فيها، إلا التنظيم الهيراركي السلطوي، وإلا أوامر المستويات العليا من القيادة، التي تنفذها المستويات الأدنى بدون مناقشة، حتى لو كانت الأوامر خاطئة، بل حتى إن كان ثمنها هو أرواح المئات والآلاف من الجنود والضباط، كما نشهد في حياتنا كل يوم تقريباً. المركزية هيكل تنظيمى له قواعده التي تختلف تماماً عن القواعد التي تحكم السلطوية.
ثانياً: إن التنظيم «المركزي» لشؤون المجتمع – حتى إن كان ضرورياً في سياقات بعينها – لا يعنى إعفاء «المركز» من المسؤولية، ولا عدم خضوعه للدستور والقانون، ولا هو يحصن المركز ضد المساءلة، إلى آخر قائمة الأمور التي تنصل منها السلطان، باستدعائه آية «المُلك» من سورة «آل عمران»… فهو باستدعائه هذه الآية إنما يفترض ضمناً، بل سبق أن قالها صراحةً أكثر من مرة، أنه «طيّع» في نزع المُلك عنه، وأن الله وحده سبحانه وتعالى من ينزع عنه المُلك إن أراد، وما هو بمُلك، وما صاحبنا بسلطان».
شك في غير محله
وإلى الهجوم على المعارضة على يد محمد صلاح البدري في «الوطن»: «لقد بدأ البعض في التشكيك في منشآت القاعدة العسكرية وجدواها.. بدأوا في التشكيك في جدوى ضخامة منشآت القاعدة العسكرية – غير العسكرية- مثل استراحات الضباط وضباط الصف. وكأنه يستنكر أن يقيم ضابط الجيش الذي ترك أهله وماله وولده ليحمي حدود بلاده، في مكان لائق. إنه يستنكر على ضابط يضحي بحياته ما يتم توفيره في أي شركة مقاولات عادية للعاملين فيها.. وكأنه يرى أنه لا حق لهؤلاء الجنود والضباط في الحياة من الأساس، ثم استمروا بعدها في التسخيف من مؤتمر الشباب، الذي أثبت أنه أفضل ما تم إنجازه لشباب هذا الوطن من عقود، فأخذوا يكيلون الاتهامات لأدوات اختيار الشباب الحاضرين للمؤتمر، ثم نوعية الأسئلة التي تم عرضها على السيد الرئيس، في تقليد لم يحدث من قبل في مصر، بل ولا أعتقد أنه حدث من قبل في أي دولة في العالم، حتى مشهد الدبابة المصرية الذي جعلنا نشعر بالفخر الممزوج بالارتياح للانتقام من تلك العصابات التي أراقت من دماء أبنائنا وجنودنا ما ينزع عنهم صفة الإنسانية ذاتها. لقد وجد من يتساءل عن كيفية معرفة قائد الدبابة، أن من في السيارة هم إرهابيون، وكأنه يشكك في العمل بأسره، ويحاول نزع صفة البطولة عن جنود جيشه، ليتهمهم بقتل بعض الأبرياء الذين يستقلون سيارة دفع رباعي ويقتحمون كميناً أمنياً ببعض الأسلحة البريئة! المشكلة أن البعض يخلط بين المعارضة التي يتخذها مساراً له على طول الخط، ضد النظام لتتحول دون أن يدرك هو نفسه.. إلى معارضة للوطن نفسه، إلى رفض للدولة المصرية بالكامل».
الخوف لا يصنع الامل
«كان لافتاً أن يركز الرئيس السيسي مؤخراً على «فوبيا إسقاط الدولة» وضرورة نشر «فوبيا تثبيت الدولة». واللافت أكثر لكريمة كمال في «المصري اليوم» أن تقوم الهيئة الوطنية للصحافة بعقد اجتماع مباشرة بعد كلام الرئيس مع رؤساء تحرير الصحف القومية، من أجل تنفيذ التكليفات.. اللافت حقاً أن «الفوبيا» هي في الأصل مرض؛ فهل نسعى لنصبح مجتمعاً مريضاً بالخوف، مريضاً بمواجهة هذا الخوف؟ مصر تواجه تحديات صعبة نعم.. مصر تواجه إرهاباً في الداخل مدعوماً من الخارج نعم.. لكن هل تتم مواجهة هذا بمجتمع يتم نشر الخوف فيه؟ أم في مجتمع يتم تحديد العدو فيه، ومواجهة هذا العدو بتوحيد هذا المجتمع في مواجهة هذا العدو وحده؛ لأنه هو العدو الحقيقي؟ بينما يتم التوقف عن مخطط تقسيم مصر باستهداف جزء منها بشكل أمني من اعتقالات وحبس احتياطي يمتد لسنوات، سواء كان هذا الاستهداف يتم في مواجهة الشباب الفاعل سياسياً، أو حتى مَنْ كان فاعلاً سياسياً، أو في مواجهة شباب الأحزاب لمجرد الاختلاف حول القضايا السياسية، بين ما تتبناه السلطة وما تتبناه هذه الأحزاب من مواقف. نعم هناك تحدٍّ حقيقي وصعب لا يواجَه إلا بتوحيد الجبهة الداخلية، وهذا الاستهداف يقسم هذه الجبهة ولا يوحِّدها. علينا أن نعى أننا صار لدينا مثلاً نوعان من الشباب: شباب مؤتمرات الشباب الذين يلتقى بهم الرئيس، والشباب الذين إما ينتمون ليناير/كانون الثاني، وقد تم استهدافهم، وكثيرٌ منهم في السجون، وشباب الأحزاب السياسية المدنية الذين يشعرون بأن المجال السياسي مغلق أمامهم، إلى حد أن يصل الأمر إلى حبسهم على ذمة قضايا لمجرد اختلاف أحزابهم في المواقف السياسية مع السلطة السياسية، فهل يصنع هذا جبهة داخلية موحدة وقوية؟ هل من صالح مصر، بل هل من صالح السلطة السياسية، أن يوضع شباب الأحزاب في موقف المتهمين بالتفجير والقتل؟».
حذار من اليأس يا ريس
ليس ببعيد من حديث الخوف ماكتبه عبد القادر شهيب في «الأخبار»: «هناك خيط رفيع جداً بين تنبيه الناس لحقيقة الواقع الصعب الذي يعيشونه والمشاكل والأزمات التي تعاني منها البلاد والتحديات الهائلة التي تواجهها والمخاطر التي تتربص بها، وبين إشاعة اليأس في نفوسهم، بإمكانية تغيير هذا الواقع الصعب وتخفيف حدة هذه المشاكل والأزمات، والقدرة على مواجهة هذه التحديات والتصدي لهذه المخاطر. الإدارة الفاهمة والواعية هي التي تعي وتعرف هذا الخط الرفيع جداً، وتحرص على ألا تتجاوزه حتى تحمي عموم الناس من تسرب اليأس إلى نفوسهم.. فإذا أصيب المجتمع – أي مجتمع – باليأس سوف يستسلم لهذا الواقع الصعب، وسوف تتفاقم حدة مشاكله وأزماته، وستقل قدرته على مواجهة التحديات، وإحباط المخاطر، والانتصار على من يتربصون به ويتآمرون عليه، وهذا أخطر شيء يمكن أن يتعرض له شعب أو يصيب مجتمعاً.. أن الأطباء عادة يحذرون من استسلام أي مريض لما أصيب به من داء، لأنه يفاقم من مرضه ويقلل فرص شفائه، وينبهون إلى ضرورة الحفاظ على مناعة المريض سليمة قوية متينة، بالحفاظ علي روحه المعنوية عالية وأمله في الشفاء مستمرا.. لذلك من واجب إدارة أي مجتمع أو دولة أن تصنع الأمل لشعبها.. الأمل في تجاوز الأزمات والمشاكل وتراجع المعاناة فيها.. والأمل في نجاح مواجهة الدولة للتحديات والمخاطر التي تتعرض لها، أي الأمل في تحسن حياة المواطنين، وارتفاع مستوى معيشتهم، وتوفير الأمن لهم وحمايتهم من خطر التطرف والتعصب والإرهاب، والمضي قدماً في تحقيق العدالة الاجتماعية وإنجاز التحول الديمقراطي المنشود، وإعادة صياغة المجتمع لتسوده قيم المواطنة والمساواة والتسامح والعيش المشترك واحترام الآخر واحترام قيمة العمل».
«خروف عنده دم»
نتحول نحو معاناة الفقراء إذ يهتم بحالهم عبد الناصر سلامة في «المصري اليوم»: «فوجئ مواطن غلبان من محافظة القليوبية بوفاة الخروف الذي كان يعتبره بمثابة رأسماله، خشي أن يكون سبب الوفاة بفعل فاعل، أو حشائش ملوثة بالمبيدات أو أي شيء من هذا القبيل، حمل الخروف على الحمار وذهب إلى الطبيب البيطري علّ وعسى يرد فيه الروح، كانت المفاجأة المذهلة: الخروف مات بالجلطة، أي والله بالجلطة، رد فعل الرجل على سبب الوفاة كان أكبر من خبر الوفاة، ما الذي جرى، ما الذي أغضب الخروف، ما هي الهموم التي كان يحملها كل هذه السنين ولم نعلم عنها شيئاً، هل اختلف مع الحمار، هل امتدت منغصات الحياة إلى الخروف، هل وهل وهل، أسئلة كثيرة دارت في ذهن الرجل. ما لا يعرفه البعض أن الحيوانات تغضب لغضب أصحابها، نذكر أسد السيرك الذي أضرب عن الطعام ندماً بعد أن غدر بمدربه الراحل محمد الحلو، رأينا أنثى الأسد التي طاردت فريستها وحينما لحقت بها كانت الفريسة قد لفظت أنفاسها من شدة الإرهاق، نهشتها أنثى الأسد فاكتشفت أنها حامل، لم تجد سوى الانزواء والإضراب عن الحياة، حتى ماتت هي الأخرى، كم من حكايا الريف التي تحمل حزناً شديداً للحيوانات على وفاة أصحابها، رأينا ذلك الكلب الغربي الذي ظل يزور قبر صاحبه سنوات طويلة بعد وفاته، قرأنا قصة ذلك الكلب الذي كان ينتظر صاحبه على محطة القطار عائداً من عمله، وظل يفعل ذلك بعد وفاته أيضاً. السؤال هو: هل شعر خروف القليوبية بمعاناة صاحبه في الحياة، هل تابع المناقشات والخلافات الأُسرية اليومية التي تدب في الأسرة، لا ننسى أن الخروف قد غادر الحياة مصاباً بالجلطة وما أدراك ما الجلطة».
ضحايا بلا ثمن
من معارك أمس الخميس ضد قمع الإعلاميين تلك التي شنتها مها عبد الفتاح في «البداية»: «تمارس الأنظمة الشمولية القمع والاضطهاد ضد الشعوب التي تحكمها، وتلغي حريات التفكير والتعبير، ولا يسمح بالتعددية السياسية، وتفرض الحكومة قبضتها على جميع المؤسسات والدوائر والأفراد، حيث تفرض الرقابة، وتضع القوانين التي تبرر للحكومة استخدام ما تشاء من عقوبات ضد من يعارضها. وما حدث من انتهاكات ضد الصحافيين من 2013 حتى الآن، أكبر دليل على ذلك، وكان آخرها ما حدث مع صحافيين في جريدة «اليوم السابع» حيث أجبرت صحيفة «اليوم السابع» 4 صحافيين على التوقيع بطلب الحصول على إجازة جبرية لمدة عام بدون راتب، بسبب مواقفهم المعارضة للاتفاقية. جراء كتاباتهم منشوراتهم على «فيسبوك» التي يدافعون فيها عن مصرية جزيرتي تيران وصنافير. الصحافي عبدالرحمن مقلد، الذي احتجزته السلطات الأمنية لمدة ثلاثة أيام في يونيو/حزيران الماضي، قبل الإفراج عنه بكفالة 10 آلاف جنيه؛ على خلفية القبض عليه من أمام نقابة الصحافيين، لمشاركته في تظاهرة تُندد بتفريط نظام السيسي في الجزيرتين للسعودية، واتهامه بـو«الجهر بالصياح، وإهانة رئيس الجمهورية». وبإضافة هذه الواقعة إلى ما رصدته المفوضية المصرية للحقوق والحريات في تقرير عن أوضاع حرية الصحافة والإعلام في مصر، وقد رصد التقرير عدد 658 انتهاك بحق الصحافيين، منها 258 واقعة منع من تأدية العمل، وهو الانتهاك الأكثر شيوعاً ضد الصحافيين خلال العام، بالإضافة إلى 138 واقعة اعتداء بدني، و118 واقعة احتجاز وتوقيف، و52 واقعة حبس، كل هذه الانتهاكات تحدث في ظل الدستور والقوانين والتشريعات والاتفاقيات الدولية التي تلزم الحكومة المصرية باحترام حرية الصحافة».
لهذا يسخر منا العالم
إعلام السلطة سبب رئيسي في سخرية العالم من المصريين، كما يعتقد محمود سلطان في «المصريون»: «صديق لي عائد من حضور ندوة في بلد عربي، قال إنه فوجئ بحجم «التريقة» على المصريين عمومًا. وقال: كنا في مصر نبدأ النكتة بـو«واحد بلديتنا»، والآن العرب يبدأون نكاتهم بـو«مرة واحد مصري». وعندما سأل عن سبب كل هذا التهكم المؤلم، اكتشف أنه يرجع إلى الصورة التي نقلها الإعلام المصري عن علاقة المصريين بالسلطة بعد 30 يونيو/حزيران ثم التعبير عن الوطنية بالرقص على «واحدة ونص»، والذي قدّم صورةً ساخرةً ومضحكةً عن بلد ظل ـ طوال تاريخه ـ لا يملك إلا الإبداع وإبهار العالم، وبات اليوم «فرجة» وموضوعًا للتسلية والتسرية عن النفس، مَن المسؤول عن هذه الفضائح؟ السؤال لا يبحث عن الإدانة، وإنما يحاول الإجابة عن الحل.. فالوضع بات مسيئًا بشكل غير مسبوق لمصر، وأهدر كل تاريخها وتراثها وخبراتها كدولة كانت تباهي العالم بقواها الناعمة.. فكيـــــف نقنع الأجيال الراهنة بالهيبة الإقليمية لمصر، والعالم كله يستلقي على ظهره من الضحك، وهو يشاهد حجم الإسفاف والابتذال والتفاهة والهيافة على فضائيات محسوبة على الإعلام التعبوي الموالي، وعلى الإمبراطوريات المالية الفاسدة المقبلة من رحم نظام الرئيس المخلوع حسني مبارك. أعرف أن هذا «الهبل» الإعلامي، يسرف في هبله وفي إسفافه من باب التزّلف إلى السلطة الجديدة، واستعطافها وصرف «شرها» عنه لاحقًا، وحجز نصيبه من الكعكة، أو التغاضي عن ملفات فساده، والإبقاء عليها مغلقةً بعد أن بات من الحبايب والمريدين والمؤيدين والداعمين، ولكن حين يتحول الإعلام «المؤيد» إلى ما يشبه فتاة التعري في علب الليل السرية، فإنه لا يشرف أحدًا، ولا أدري تفسيرًا واحدًا يمكن أن يقنع بشأن رضا الكفيل الرسمي عليه».
تائه في الزحام
وزير التنمية المحلية هشام الشريف له تاريخ مشرف في المحافل الدولية، لكنه بمجرد تولي مهام منصبه لم يقدم إنجازاً مهماً كما يرى دندراوي الهواري في «اليوم السابع»: «بعد تكليفه بحمل حقيبة وزارة التنمية المحلية، منذ 5 أشهر كاملة، توقعنا الطفرة التكنولوجية للقضاء على الفساد المزمن والإهمال السرطاني المنتشر في خلايا جسد المحليات، سواء في الأحياء أو مجالس المدن والقرى، بجانب دواوين المحافظين في المحافظات المختلفة، إلا من رحم ربي، ولكن وكالعادة خاب ظن الجميع. وزير التنمية المحلية انزوى خلف ستائر مكتبه، ولم نسمع له صوتا، في الوقت الذي تتصاعد فيه آلام الناس من الفساد والإهمال المستشري في المحليات في النجوع والكفور والقرى والمدن في المحافظات المختلفة، الذي وصل للرقبة، فلم يخرج بفكرة مبهجة، مثل مشروع القضاء على القمامة في مصر، على سبيل المثال، واعتباره مشروعا قوميا، مكملا للمشروعات العملاقة التي تدشنها الدولة. الحقيقة هناك فارق شاسع بين الأقول «السيرة الذاتية للوزير هشام الشريف» والأفعال على الأرض، فلا محافظون يتحركون لحماية أملاك الدولة، ولا لديهم القدرة على مواجهة سرطان التعديات على الأراضى الزراعية، بل أسهموا في ازدهار فساد منح التراخيص لبناء عقارات ووحدات سكنية وإقامة مطاعم وكافتيريات ومقاه بالمخالفة للقانون. وإذا كان وزير التنمية المحلية «التكنولوجي» منزويا خلف الكيبورد، يبحث عن شغفه العلمي ومخاطبة أصدقائه عبر مواقع التواصل الاجتماعي، فما البال بعدد كبير من المحافظين الذين لا حس لهم ولا خبر، تاركين الحبل على الغارب لكل من تسول له نفسه مخالفة القانون، فلا رقابة على أي شيء سواء كان أسواقا أو أداء الموظفين في الإدارات والهيئات المختلفة.
هل يدخل يعقوب الجنة؟
«بين الإشادة والهجوم انطلقت فكرة أكشاك الفتاوى وأثارت جدلا تنوع بين بيانات الشجب وتصريحات التأييد، لتصبح «الأكشاك» كما يرى إيهاب الحضري في «الأخبار» أكثر حضورا من الفتاوى! في بلد يناضل من أجل تجديد الخطاب الديني، وإنقاذه من براثن ظلام يتربص بنا عبره، لكن مهمة التجديد تجمدت، وحتى المحاولات القليلة لتطبيقها ظلت باهتة، واقتصرت لدى البعض على توحيد موضوع خطبة الجمعة، وجعلها أشبه بموضوع تعبير، يساهم في تحويل المتعطشين للمعرفة إلى وسائل أخرى قد تكون بالغة الخطورة، تبث ما تشاء من التطرف دون ضابط ولا رابط. ولأن المصالح الشخصية هي التي تحكم الكثيرين، فقد تركزت معظم أسئلة رواد «أكشاك المترو» على فوائد البنوك والطلاق والمواريث، وهي أمور لا ترتبط بأي صلة بتجديد الخطاب الديني، الذي استند إليه مؤيدو التجربة لتأكيد أهميتها. ووسط هذا الجدل، مر تصريح غريب بهدوء، نسبته بعض الصحف للشيخ سيد توفيق مشرف لجنة الفتاوى في محطة الشهداء، نقلا عن مداخلة هاتفية له مع برنامج صباحي، أكد فيها أن بعض المواطنين سألوا: هل يدخل الدكتور مجدي يعقوب الجنة؟ استوقفتني الكلمات السابقة، واعتبرتها الأكثر أهمية وسط المعارك الكلامية الدائرة، وتعجبت من أن المواقع التي تطرقت إلى المكالمة لم تهتم برد الشيخ، رغم أن الإجابة على هذه النوعية من الأسئلة تعتبر- في نظري- الخطوة الأولى على طريق تجديد الخطاب الديني».
علي جمعة
فجّر الدكتور علي جمعة، المفتي السابق، عاصفة من الجدل برده على ادعاءات الملحدين بأن الله «وهم من صنع البشر»، قائلاً: «دا لو مفيش ربنا.. الدنيا دي هتبقى سوده وكئيبة وخازوق مغري»، وهو تعبير يشيع استخدامه في حوارات يرى معلقون أنها لا تتناسب مع مقام الدعاة ورجال الدين. واعتبر أزهريون، تصريحات جمعة خروجًا عن إطار آداب وتعاليم الإسلام، وقال الدكتور سيف رجب، عميد كلية الشريعة والقانون في طنطا لـو«المصريون»، إن «المفتي السابق أخطأ في تعبيره هذا، فالإسلام يأمرنا بأن نتأدب بآدابه في التخاطب مع الناس كافة، وأن نجادل من نخالفهم بالحكمة والموعظة الحسنة، وأن نتجنب الألفاظ البذيئة في كافة تعاملاتنا». وأضاف لـو«المصريون»: كان من الواجب على المفتي السابق أن يتلطف في مخاطبته للملحدين، وأن يوضح لهم الحقائق وطريق الصواب، وأن يظهر لهم بأن القصد من المناظرة هو البحث عن الصواب، فإن ذلك سيدعوهم إلى الإصغاء والانتباه». وأشار عميد كلية الشريعة والقانون إلى أن «الله ســـبحانه وتعالى عندما أمر نبيه مجادلة الكــــفار في قوله تعالى: (قُل لا تُسْأَلُونَ عَمَّا أَجْرَمْنَا وَلا نُسْأَلُ عَمَّا تَعْمَلُونَ)، أسند الإجرام إلى النفس والعمل إلى الغير وهو نوع من أدب المناظرة في الإطار ذاته، قال الدكتور أحمد مصطفى معوض، الأستاذ في قسم الفقه المقارن في شريعة وقانون القاهرة، أن «وصف المفتي الدنيا بدون الله بـ«الخازوق المغري»، محمول على وجهين، الوجه الأول، أن اللفظ خرج منه عن غير قصد، نظرًا لما يعتبره المجتمع بأن هذا اللفظ يعد خارجًا عن إطار الأدب». وأضاف معوض لـ«المصريون»، أنه «من المحتمل أن يكون المفتي قد قال هذا التعبير عن قصد نظرًا لانتشاره داخل المجتمع».
جثث بلا عنوان
نتحول بالمعارك الصحافية خارج الحدود مع عمرو جاد في «اليوم السابع»: «في الحروب السابقة كنا نسمع عن تبادل الأسرى بين الجيوش في الميدان، وتبادل القبلات بين السياسيين في صفقات الظلام، لكن تبادل الجثث لم يكن خبرًا يستحق الذكر، مثلما يحدث اليوم بين حزب الله اللبناني وجبهة النصرة، هذا نوع جديد من الصفقات لم نر مثله منذ كان العالم مشغولًا بتوزيع المستعمرات بين القوى المنتصرة في الحرب العالمية الثانية، وبقدر ما نقلق على حـدود سوريا التي أضحت مستباحة، نتساءل أيضا إذا كان المتطرفون تسللوا لمخيمات اللاجئين في عرسال شمال لبنان، عبر هذه الحدود، أم أن المخيم نفسه أفرز جيلًا آخر من هؤلاء المتطرفين؟ وهذا يعني أن السوريين في مخيمات اللجوء الأخرى سيدفعون ثمنا باهظا: أما بالتشكيك، وإما أن يصبحوا جزءًا من صفقة لن يكون لهم رأي فيها، ثم يبتعد حلم العودة مع كل يوم نستيقظ فيه على صفقة جديدة لتبادل الجثث بين الثوار الأبرياء، والمقاومين الأنقياء».
حسام عبد البصير