تونس ـ «القدس العربي»: تشهد تونس في السنوات الأخيرة إقبالا كثيفا على مدنها ومعالمها الدينية من قبل زوار محليين وأجانب في الأعياد والمناسبات الدينية وخصوصا المولد النبوي الشريف الذي يحظى برمزية خاصة في تونس كما في عدد كبير من بلدان العالم الإسلامي. وباتت مدينة القيروان برمزيتها التاريخية والحضارية قبلة الزوار الذين يتوافدون عليها قبيل المولد بأيام لحضور الاحتفالات في مهد الإسلام الأول في بلاد المغرب والأندلس وفي المدينة التي يرقد فيها الصحابة والعلماء والمفكرون ممن أثروا حضارة بلاد المغرب في العهد الإسلامي.
وتعتبر الزوايا الصوفية، التي تنتشر في تونس بشكل لافت باعتبارها أرض الفكر الصوفي والمتصوفة منذ القدم، مصدر جذب لفئة من التونسيين وغيرهم من المريدين وأتباع هذه الطريقة أو تلك. ففي تونس أقطاب لهذا الفكر الذي اضطلع بدور تاريخي في تعليم الناشئة ومقاومة الاستعمار سواء الإسباني أو الفرنسي.
فهل يمكن الحديث عن سياحة روحية دينية في تونس قادرة على أن تكون بديلا للسياحة العادية أو مكملا لها أو عنصرا من عناصر تنويعها إذا ما اعتبرنا الإشعاع الحضاري الكبير لجامعة الزيتونة، أعرق جامعات العالم الإسلامي؟ وهل يمكن لهذه السياحة أن تبقى بمعزل عن الظروف الاستثنائية السيئة التي تمر بها تونس ولا تتأثر بها خاصة وأنه يمكن أن تتواجد على مدار السنة ولا ترتبط بموسم دون سواه؟
تقهقر ملحوظ
في هذا الإطار يقول منور بن بدري المدني الأستاذ في جامعة الزيتونة لـ «القدس العربي» أنه يصعب الجزم أنّ السياحة الدينية أو الروحية في تونس تشهد ازدهارا، فالسياحة إجمالا كقطاع حيوي شهدت تقهقرا ملحوظا بعد الثورة وخصوصا بعد الضربات الإرهابية في كلّ من متحف باردو ونزل الامبريال في سوسة، وهي ضربات أوقفت التوافد السياحي على تونس. وازدادت المخاوف آنذاك، حسب المدني، وشارف القطاع على الانهيار لكن تبدو البوادر الحالية مطمئنة، في رأيه، بعد حصول الاستقرار إجمالا وبدأت تلوح علامات الانقاذ للسياحة عامة وحتى الروحية الدينية منها.
ويضيف: «يصعب الجزم أن السياحة الروحية في بلادنا ذات بال مقارنة بدول أخرى في العالم العربي الإسلامي أو غيره، نظرا لمحدودية المعالم المتوفّرة وغياب ثقافة السياحة الدينية مقارنة بسياحة النزل والشواطئ والشمس. فوكالات الأسفار وأهل السياحة لا يعبأون كثيرا بالمنتوج السياحي الديني بالشكل المطلوب ومع ذلك يبقى لسياحة الأماكن الدينية الإسلامية والمسيحية واليهودية نصيبها في استقطاب آلاف السياح سنويًا من هواة السياحة الدينية، من ذلك زيارة جامع الزيتونة برمزيته التاريخية وهندسته البديعة وموقعه الجغرافي في المدينة القديمة أو الأسواق، حيث تنشط حركة السياح في التبضع من الصناعات التقليدية واكتشاف تونس الماضي والجذور، وكذلك جامع عقبة بن نافع في القيروان الذي يعدّ ثاني المزارات الدينية أهمية في تونس، ويعتبر معلمًا تاريخيًا بارزًا ومهمًا».
ويضيف «ثمّة العديد من المساجد التي تزار مثل جامع مالك بن أنس في قرطاج ومسجد بورقيبة في المنستير والمسجد القديم في تستور وغيرها دون نسيان مساجد جربة. فهذه الجزيرة تحتوي على قرابة 300 مسجد، يطغي عليها اللون الأبيض، معظمها يتميز ببساطة معماره وصغر مساحته وتواضع زينته ونقشه، حيث تغيب عنها الزخارف المعتادة. وهناك 20 مسجدًا تحت الأرض، تم تشييدها من خلال الحفر والنقش في أوائل القرن الثاني عشر ميلادي، موزعة على مختلف مناطق الجزيرة، وهي مثال على تمازج الحضارة البربرية التي سكنت البلاد منذ القدم بالحضارة الإسلامية التي طورت الجزيرة، بهندستها الفريدة من نوعها، وهناك أيضا مساجد توزر بهندستها المتميزة وغيرها كثير».
وتتجه السياحة الروحية في تونس، حسب المدني، إلى أضرحة بعض الصحابة والأولياء والصالحين ومراقدهم مثل ضريح سيدي أبي سعيد الباجي والمغارة الشاذلية وسيدي محرز بن خلف. وكذلك ضريح الصحابي الجليل أبي زمعة البلوي الذي يعرفه الناس بـ«سيدي الصحبي» في القيروان وكذلك ضريح الإمام المازري في المنستير وضريح الصحابي الجليل أبي لبابة الأنصاري دفين قابس، وأيضا ضريح سيدي أبي علي السني دفين نفطة.
تنوع
بالنسبة للديانة المسيحية يرى محدثنا أن لها نصيبها في السياحة الروحية، إذ توجد في تونس كنائس عديدة من ذلك الكنيسة الأرثوذكسية اليونانية التي تقع وسط العاصمة في شارع روما، وتم تشييدها في عهد محمد الصادق باي سنة 1279هجريًا/ 1862ميلاديا، وكذلك الكنيسة الأرثوذكسية الروسية التي تقع في شارع محمد الخامس في العاصمة وشيدت بين 1954 و1957. وتمتاز هذه الكنيسة، بقباب مستديرة تبرز بشكل لافت إلى جانب النخيل الموجود على طول شارع محمد الخامس. ويذكر المدني أيضا كاتدرائية مدينة تونس وهي الكنيسة الرئيسية للرومان الكاثوليك في البلاد التونسية وهي أيضا مقر لأسقف تونس، وتوجد في ساحة الاستقلال في شارع الحبيب بورقيبة، مقابل السفارة الفرنسية، وتحمل اسم القديس فانسان دي بول تخليدًا لأحد القساوسة الذي بيع كعبد في مدينة تونس.
ويرى محدثنا أنه مقارنة بدول أخرى كمصر وسوريا والعراق واليمن والأردن لا يمكن اعتبار البلاد التونسية ذات وزن في السياحة الدينية وذلك بسبب غياب التركيز من سلطة الإشراف على هذا الجانب رغم أهميته. فلا تتوفر في تونس، حسب المدني، المسالك السياحية الخاصة بربط هذه المعالم، ولا تتوفر آليات التسويق لها بالقدر الكافي. ويضيف قائلا: «لا يفوتنا التأكيد على الاحترازات المسجلة من صاحب هذه الديانة وتلك، فالمسلمون يحترزون من زيارة معالم اليهود والمسيحيين، والبقية يتخوفون من زيارة معالم المسلمين خشية نبذهم بدواع شرعية ـ منع الكافر من دخول المسجد ومنع السافرة من الدخول أيضا ـ وهي دعاوى وهابية مستوردة وزادت بشكل لافت بعد الثورة خاصة.
السياحة الروحية في تونس تحتاج إلى إعادة النظر فيها وفي مسالكها وتطويرها ويحتاجها الزائر لبلادنا حتى يكون غير منقطع عن ديانته وهويته وحتى يكتشف ثقافة الآخر من خلال استقراء التاريخ والتعامل مع جمال الهندسة وصوت المآذن والصوامع والنواقيس استحضارا لما يغذي روحه في عالم طغت عليه المادة واحتاجت الروح لتغذية كوامنها» .
في رحاب الطبيعة
وللإشارة فإن السياحة الروحية في تونس لا تقتصر على الاحتفالات في المدن المقدسة وزيارة المعالم الدينية والزوايا الصوفية، بل تتضمن أيضا رحلات لقضاء أيام في رحاب الطبيعة الهادئة والآسرة للتأمل في ملكوت الله. وفي هذا الإطار لتونس مخزون هائل وإمكانيات يشهد بأهميتها القاصي والداني سواء في المناطق الجبلية والغابية أو الصحاري النائية وأيضا الجزر الخلابة المنتشرة شمالا وشرقا في المتوسط.
فرغم صغر مساحة تونس وعبث الاستعمار بخريطتها وحدودها التاريخية ففيها تنوع جغرافي لافت وكأنها مجموعة بلدان تنتمي إلى قارات مختلفة. وبالتالي ليس من باب الصدفة أن تنتشر فيها خلوات الزهاد والنساك والمتعبدين على امتدادها من أقصى الشمال إلى أقصى الجنوب، فأينما وليت وجهك تجد أثرا لهذا الولي الصالح أو ذاك.
ففي ربوعها هناك من المناطق ما يمكن المرء من الاختلاء بنفسه والابتعاد عن الضوضاء وضجيج المدن وتعقيدات الحياة وسط الهدوء والسكينة. فتهفو النفوس إلى مبدع هذا الكون ليس بينها وبينه حواجز، وتتجدد الطاقات الكامنة في الجسم.
وفي حين يرى البعض أن مناطق الجنوب الصحراوي هي الأمثل لهذه السياحة وخصوصا منطقة صبرية من ولاية دوز التي تنظم إليها رحلات كثيرة، يرى البعض الآخر أن المساحات الغابية والجبلية في الشمال الغربي هي المكان المثالي للسياحة الروحية في الوقت الذي يحبذ فيه آخرون جزيرة جالطة الساحرة والعذراء للخلوة والتأمل.
روعة قاسم