المعرض الدولي للنشر والكتاب يتواصل في مدينة الدار البيضاء: احتفاء بفوز محمد بنطلحة بـ«الأركانة» واقتفاء طريق الحرير ونقاش حول الرواية المغاربية

حجم الخط
0

الدار البيضاء ـ «القدس العربي» من الطاهر الطويل: احتفت الدورة الثالثة والعشرون من المعرض الدولي للنشر والكتاب، التي تتواصل حاليا في مدينة الدار البيضاء، بالشاعر المغربي محمد بنطلحة، بمناسبة فوزه بجائزة الأركانة العالمية للشعر لسنة 2016، حيث أقيمت له أمسية شعرية كبرى مع توقيع أعماله الشعرية الصادرة عن «بيت الشعر في المغرب»، وبذلك أتيح لجمهور هذه التظاهرة الثقافية الاقتراب أكثر من هذا الشاعر الكبير، ومن ورشته الإبداعية المفتوحة.
وشكّـل إعلان حصول الشاعر بنطلحة على الجائزة الرفيعة المذكورة لحظة مميزة داخل المشهد الثقافي المغربي، كما اعتبر هذا التتويج المستحق تكريما للشعرية المغربية الحديثة، ذلك أنه لم يتوقف، منذ أكثر من أربعة عقود، عن إضافة أنفاس جديدة للقصيدة المغربية، بما جعلها تتبوأ مكانة مرموقة على المستوى العربي. إنه شاعر مُجيد ومتجدد وغزير الإنتاج. ومع كل إصدار يؤكد بنطلحة على طبيعة روحه الإبداعية المثابرة التي ما فتئت تعلن عن طراوتها، وهو ما كرّسه واحدا من أنشط وألمع شعراء العربية في الوقت الراهن.
ومن جهة أخرى، احتضنت قاعة إدمون عمران المليح ضمن محور «تجارب في الكتابة»، ندوة فكرية بعنوان «روائيون بأفق مغاربي»، شارك فيها الروائيون: واسيني الأعرج (الجزائر)، حسونة المصباحي (تونس)، محمد برادة ويوسف فاضل (المغرب). وقد سعت الندوة التي أدارها الباحث الأكاديمي سعيد بنكراد إلى الإجابة على سؤال الخصوصية والمحلية في الأدب والإبداع، وعلاقتها بالامتدادات الكونية، إن في المجال الوطني والقومي، أو في مجال الرؤى والأفكار والتصورات. ومن ثم، انصبت المداخلات على حدود تلاقي الطموحات الموضوعاتية والفنية والجمالية للروائيين المغاربيين، بما يؤسس لروح إبداعية متصادية أو متكاملة.
وفي قاعة ابن بطوطة، جرت محاورة مع الشاعر الصيني ليو جين يون، أدارها الأديب والإعلامي المغربي ياسين عدنان، فكانت فرصة للاقتراب من عوالم المحتفى به، الذي يعد من بين أهم الأصوات الأدبية الصينية المجددة التي أفرزتها مرحلة ثمانينيات القرن الماضي في خريطة الأدب الآسيوي والعالمي الحديث. وتعتبر ثلاث من رواياته: «البرج»، «الموبايل»، «رب جملة بألف جملة»، من أهم أعماله المترجمة إلى اللغة العربية، التي يقوم فيها ـ على غرار باقي منتجاته الأدبية ـ بمعالجة نماذج من حياة المجتمع الصيني الحديث في قالب يمزج بين السخرية الواقعية والبساطة الأسلوبية.
وتجدر الإشارة إلى أن اللقاء مع الكاتب الصيني المذكور اندرج ضمن فقرة «طريق الحرير» المخصصة ـ هذه السنة ـ لموضوع حوار الثقافتين المغربية والصينية، وهي فقرة تراهن على الكشف عن كثير من نقاط الالتقاء والتقاطع التي تؤسس لعلاقة اللغة والأدب العربيين بالثقافة الصينية والأدب الآسيوي عامة. فالأكيد أن هذه العلاقات التاريخية لم تكن محكومة، في يوم ما، بهواجس المصالح التجارية الخالصة، ولا كانت مرهونة بالتطلعات الاقتصادية المشروعة لكلا الجانبين فقط (كما توضح وثيقة لوزارة الثقافة)، وإنما كانت وما تزال متطلعة لخلق مزيد من قنوات التواصل والحوار بين الثقافتين، بما يجسر المسافات ويقرب وجهات النظر والرؤى الثقافية والإبداعية والجمالية.
ونظم ـ ضمن الفقرة نفسها ـ معرض الفن الصيني «ألف عام من الزمن»، تضمن عرض حوالي خمسين قطعة فنية ثقافية مميزة لفن الكتابة والرسم الصينيين، بالإضافة إلى جانب مشغولات يدوية فنية تنتمي إلى التراث الثقافي الصيني غير المادي. وقد اشتهرت هذه الفنون من خلال عرضها في معهد الفنون التراثية الصيني، باعتباره منصة تعرض عليها نماذج تؤرخ للجمال وللفن الصيني الذي يعود لآلاف السنين.
وفي إطار لقاءات «في حضرة كتاب»، شارك الكاتب الألماني كريستوف هاين في تقديم روايته الجديدة «طفل سعيد في حضرة أبيه» الصادرة في برلين عن دار النشر «سوركامب» سنة 2016. وتعتبر هذه الرواية التي تعود كتابتها إلى سنة 1997 من بين الأعمال الأدبية التي تعكس في متنها موضوع السيرة الذاتية، بعد قيام الوحدة بين الألمانيتين. فكان اللقاء مناسبة للوقوف على جديد هذا المبدع الألماني، فيما يمكن اعتباره انفتاحا ملحا للأدب الألماني على جمهور اللغة العربية. والجدير بالإشارة أن هذا اللقاء الذي أدارته الكاتبة المصرية يسرى علي، نظم بتعاون مع المعهد الثقافي الألماني.
وتجسيدا للاهتمام بالإنتاج الثقافي الأمازيغي، أقيم حفل توقيع كتاب «الشاعر والباحث محمد مستاوي: حياته وتعدد مجالات اهتمامه» لمؤلفه عبد الله إكيكر، كما نظمت حفلات توقيع أخرى وندوات فكرية حول التراث الإبداعي الأمازيغي في خدمة التنوع الثقافي في المغرب، حيث جرى التذكير بأن المغرب على امتداد تاريخه الطويل ظلّ يجسد نموذجا حيا لتلك التركيبة الحضارية العجيبة التي يتألف فيها ويتكامل عدد من الروافد الثقافية ذات الأبعاد الأمازيغية الأفريقية والمتوسطية واليهودية والعربية الإسلامية والأندلسية، التي عملت على تحصين وإغناء الشخصية المغربية، في سيرورتها الحديثة والمعاصرة. داخل هذه البانوراما الثقافية يحضر المكون الثقافي الأمازيغي باعتباره تجسيدا لاستمرارية تاريخية وحضارية ضاربة في القدم.
وشهد المعرض، بمناسبة احتضانه حفل تسليم جائزة ابن بطوطة لأدب الرحلة، تنظيم لقاءات حول قضايا تحقيق الرحلات وتقديم كتب فائزة بالجائزة، ذلك أن النصوص الرحلية تعد أحد أهم المصادر التي أنتجها كتاب وبحاثة ومغامرون ممن اتخذوا من السفر والترحال وسيلتهم الأساسية في اكتشاف الآخر، ومعرفة أحواله قبل تطور وسائل النقل وتيسر سبلها، وقبل قيام علم الترجمة وتطور أدواته واستراتيجياته ومناهجه. وعلى الرغم من تعدد خلفياتها واختلاف أسبابها، فإن غايات هذه الرحلات وأهميتها تبقى واحدة، وهي نقل صورة تنتمي لثقافة أخرى مختلفة بما يستدعيه هذا النقل من تنويع للموضوعات ورصد للأحوال وكشف عن الخصوصيات، ما بوأ هذا النوع من الكتابة مكانة رفيعة ضمن الآداب الإنسانية المتجددة.
والجدير بالذكر أن الباحث المغربي خالد التوزاني كان من بين الفائزين الثمانية بجائزة ابن بطوطة لأدب الرحلة لعام 2016، عن كتابه «الرحلة وفتنة العجيب»، والجائزة يشرف عليها «المركز العربي للأدب الجغرافي (ارتياد الآفاق).
وعلى غرار الدورات السابقة، تسعى الدورة الحالية من المعرض الدولي للنشر والكتاب في الدار البيضاء إلى تقديم باقة من البرامج والفقرات المتنوعة التي تهدف بالدرجة الأولى إلى إرضاء طموح وفضول الصغار من فئات عمرية مختلفة، وتكريس انفتاحهم على ثقافات مختلفة من العالم. ومن بين تلك الفقرات: أدباء يقرأون للأطفال، نجم وحكاية، حكايات من أفريقيا… وغيرها.

المعرض الدولي للنشر والكتاب يتواصل في مدينة الدار البيضاء: احتفاء بفوز محمد بنطلحة بـ«الأركانة» واقتفاء طريق الحرير ونقاش حول الرواية المغاربية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية