قد يكون خليقا بنا، في أحايين كثيرة، الحديث عن القصة القصيرة المغربية والجهل، وهو موضوع حري بالدراسة والنقاش. فالراسخ الآن أن تسونامي نشر المجموعات الشعرية، القصصية، القصص القصيرة جدا والرواية لا يرتبط، دوما، بالمعرفة الأدبية، سواء تعلق الأمر بأنواع الأدب، أم ببنيات خطابه، وهي ظاهرة، في كثير من جوانبها، غير ناتجة عن قراءة مطولة ومعمقة للأعمال السردية المُؤسِّسة المتواشجة مع موهبة فذة، وإنما، كما نعلم جميعا، بعضها ناتج عن سهولة النشر في المدونات والجرائد الإلكترونية في مرحلة سابقة، وصفحات الفيسبوك حالياً باعتبارها «دار النشر الشخصية» التي لا تحتاج لجنة قراءة أو محررا أدبيا، وكذا شيوع النشر الورقي ويسره، ما منحنا أسماء وأعمالا كثيرة في (القصة القصيرة) المغربية، وبعضها يطبع مجموعات على حسابه الخاص، وهذا ليس عيبا إن كان المعنيّ به من ذوي الموهبة التي لم تسنح لها فرصة النشر في دار محترمة، ثم يُعلن في الفيسبوك عن نفاد نسخه، وبعدها بمدة يعلن عن الوصول إلى طبعة ثالثة ورابعة في مشهد عبثي، ومجموع الطبعات قد لا يكون وصل إلى خمسمئة نسخة، أي عدد النسخ الذي اعتبره القاص المغربي أحمد بوزفور معيباً، ورفض على إثره جائزة المغرب للكتاب عن مجموعته «ققنس» احتاجاجا على واقع القراءة في المغرب، وعلى وضعية المثقف والمبدع عموما.
ومنه فإنه لم يعد من شروط احتراف الأدب التمكن من معرفة أنواعه، والتوفر على موهبة في النوع الأدبي المراد الكتابة فيه، وإنما التوفر على حساب فيسبوكي وإجادة «الماركتنيغ» الثقافي ونسج العلاقات العامة، أي الجهل بالأدب وبناء معارف عن وسائطه. وهكذا فإنه يمكن أن نتحدث عن كثير من الجهل بالأدب، وبالقصة القصيرة في سياقنا، التي نقرأ، الآن، تحت مسمياتها خواطر، أو بوحا عاطفيا، أو حتى لغواً عن أمور حياتية، في نصوص مفككة، مكتوبة بلغة تراكيبها مهلهلة ومعجمها فقير إلى حد أن يتوسل عباراته من نصوص قوية، ويسقطها على نصه المفكك، الذي تقلق فيه العبارات من بعضها ولا تطمئن في مستقرها.
ولعل المعرفة اللغوية إحدى أساسيات الكتابة، وهي في القصة القصيرة على درجة كبيرة من الأهمية، ذلك أن الروائي، مثلاً، يشتغل بأريحية على اللغة، وليس عيبا كبيرا أن يلجأ الروائي إلى الإطناب، أي الزيادة في العبارات اللغوية مع الفائدة، وله أن يكثر فيها، من دون أن يكون ذلك مدعاةً إلى التنقيص من النص الروائي. لكن القصة القصيرة تميل إلى الإيجاز والحذف والدقة في الوصف والسرد، وأن اللجوء إلى الإطناب غير مرسلٍ، بل محكوم بالضرورة الدلالية والفنية. ومن ثم فإنه في القصة القصيرة لا بد من أن تحيا اللغة على نحو مختلف، وهي حياة لا تتأتى إلا لمن امتلك معرفة واسعة بها، أي اللغة، ثم تحويل هذه المعرفة إلى إنجاز ضمن الأطر المرسومة لجنس القصة القصيرة، ونفترض أن عددا كبيرا من النصوص التي تواجهنا في المنابر الإلكترونية والورقية لا تتوفر في أصحابها هذه الكفاية، إن لم نقل إنها نصوص نادرة، لذلك ستشتغل هذه الورقة على إبراز كيف يحيا المعجم، إحدى مكونات اللغة، ضمن مجموعة «نافذة على الداخل» (دار طارق للنشر 2013) للقاص أحمد بوزفور، أحد كتاب القصة القصيرة المغربية، الذين تنم نصوصهم عن معرفة لغوية وثقافية عميقة ومنتجة.
لا تتأتى المعرفة بالمعجم العربي إلا بالقراءة الموسعة لمصادر اللغة، مجسدة أساساً في الشعر العربي والقرآن الكريم والنصوص التراثية على اختلافها، وهذه المصادر تتصادى في إضمامة «نافذة على الداخل» وغالبية إضمامات أحمد بوزفور، وتتداخل مع الوعي اللغوي الأعمق. وفي نص «المكتبة»، الذي تُفتتح به الإضمامة، تحضر شخصية «عمرو بن عبيد» الشيخ المعتزلي الزاهد وهو يساجل الخليفة العباسي أبو جعفر المنصور، ناصحا إياه ورافضا عطاياه، ليقول المنصور قولته الذائعة «كلكم طالب صيد غير عمرو بن عبيد». بيد أن هذه المعلومة التراثية، هي من صنف المعاني المطروحة في الطريق بتعبير الجاحظ، أو إنها معرفة نظرية يمكن الوصول إليها عبر قراءة كتب التراث الفقهي أو السياسي، أو بنقرات خفيفات على «غوغل»؛ لكنها تصير معرفة تجريبية في نسق تخييلي، حين تصير جزءا من حبكة قصصية، رهانها الجوهري مؤداه أن اختيار النضال والاحتجاج ضد الآخرين، ليس مرده المبادئ والقيم، وإنما عدم القدرة على التنفع، مثلهم، بالمزايا عينها. وهنا تتحول العبارة التاريخية/ المرجعية «كلكم طالب صيد غير عمرو بن عبيد» التي افتتحت بها القصة إلى العبارة السردية/ التخييلية «كلكم طالب صيد حتى عمرو بن عبيد»، وبهذه العبارة ينقلب الرهان كلية، من العبارة التاريخية التي تدعم، حجاجيا، الشخصية الرئيسة في القصة وتصورها طاهرة، نقية، وذات مبادئ… إلى العبارة السردية/ التخييلية التي تدفع القارئ، بحجاج مضاد، إلى إعادة تأمل مسار الشخصية الرئيسة، وجعلها مثيلة لمن تحتج ضدهم، فهي نفسها اشتهت تملك جسد التلميذة التي عشقها السارد في الثانوية، التي صارت مع السنوات «أجمد مثل المرسديس التي خرجت منها».
وإن المعرفة التاريخية في نص «المكتبة» تعضدها معرفة لغوية عميقة، ترشح من ذلك التغيير المؤثر لاسم الاستثناء (غير) الذي يستثني عمرو بن عبيد، وعبره الشخصية الرئيسة/ السارد من حكم محاولة التنفع وطلب الغنيمة، إلى حرف (حتى) التي وُظفت بمعنى «العطف للغاية»، أي أنها تعطف حكم التنفع على الجميع، وتجعل عمر بن عبيد، والشخصية الرئيسة في القصة، غايته. فهما تمنيا لو يقطفان من بستان المغانم نفسه لولا عدم القدرة، أو عدم توافر الشروط الضرورية لتحويل تلك القدرة، إن توفرت، إلى إنجاز. وهنا تصير المعرفة التاريخية عنصراً حاسماً في بناء الحبكة، وعقدا ضروريا لقيامها، وكذا مدخلاً لفهم الأبعاد الثقافية في النص، لكن، أيضا، وعلى نحو معاكس، جعلُ المعرفة التخييلية التي يقدمها النص مدخلا للتشكيك في المعرفة التاريخية المرجعية، أي في صدق زهد عمرو بن عبيد، والأمر فعلاً كان محل نقاش في عصره وما بعده. ومن ثم يكون التناص العارف المقرون بالتوظيف اللغوي الدقيق لهذه العلاقة الجدلية بين داخل النص وخارجه، وفتحهما معاً على ممكنات تأويلية متعددة. وإن المعرفة الدقيقة باللغة تصل في هذه الإضمامة حد استثمار ممكنات المعنى في المشترك اللفظي، وهو أمر نجده في نص (شخصيات خاصة جدا)، وفي مقطع (عسجد وسندس)، حيث العبارة المعجمية «أًبِقَ» توظف في المقطع القصصي بمعنين مختلفين، وجاء في النص « قالت سندس: من هو نخاسه؟/ – هو آبق الآن، ولا نخاس له/ – وماذا يحسن؟/ – يكتب القصص/ لا أعتقد أنه يصلح. ماذا تفعل سكينة بعبد إذا نام أبق، وإذا صحا كتب القصص؟». تأتي عبارة «آبق» التي أتت بصيغة اسم الفاعل بمعنى الهارب، بينما «أبق» الثانية بصيغة الفعل في الزمن الماضي، لكنها تعني المكثر في الشيء. والعبارتان معا اختلفتا في الصيغة والمعنى، وهذا نموذج للعبارة المعجمية التي تحيا بأكثر من شكل ومن معنى داخل حبكة قصصية مكثفة، يمكن أن ندعوها قصة قصيرة جدا، تجمع بين معرفة تاريخية تتناص معها، قصة سكينة بنت الحسين، واللغة المكثفة التي تقتصد في لفظها وتغنى بمعانيها.
وفي النص نفسه، أي نص «شخصيات خاصة جدا»، تميل العبارة المعجمية إلى اقتصاد أكثر كثافة، ولكن مفعمة بالمعاني التي تنطوي على تقابل بيّن، وهو ما يظهره مقطع «طفلة الماء» حينما وصفها بكونها «واضحة كالماء وغامضة كالماء وطافية أو راسبة كالماء». وهكذا تحمل العبارة نفسها معاني متناقضة، فالمشبه به، أي الماء، واحد، لكنه قادر على تحمل تلك المعاني رغم تناقضها. وهي فعلا حالاته الفيزيائية، لكنها في المقطع القصصي ترجمة لحالات النفس إزاء الموصوف، غير أن الذي يهمنا هو قدرة العبارة نفسها على بث نسغ الحياة في المعاني، دونما حاجة إلى عبارات لغوية تعضدها، أي إننا إزاء اقتصاد لغوي لا تخفى مراميه الشعرية التي يستثمر فيها أحمد بوزفور إيقاع العبارة في تواشج، دوما، مع التناص المنتج من خلال جملته «لم أسمع بتلك الوسوسة الخجلى لأساور من ذهب أزرق» التي تحيل إلى الآية الكريمة من سورة فاطر « ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا، فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِّنَفْسِهِ وَمِنْهُم مُّقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ بِإِذْنِ اللَّهِ ذلك هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ (32) جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِن ذَهَبٍ وَلُؤْلُؤًا ۖ وَلِبَاسُهُمْ فِيهَا حَرِيرٌ33» أي إن الجملة السردية بعبارتيها التناصيتين «أساور من ذهب» تختزل المعاني المتضمنة في الآية التي تحيل على النعيم الهائل الذي يتمتع به السابقون بالخيرات، وبالمقايسة هو النعيم نفسه الذي كان ليشعر به السارد في نص «طفلة الماء» لو سمع صوت حركة الطفلة. والخبر، هنا، تحول عن مقتضى الظاهر الذي هو عدم السماع، إلى الإيماءة عن حرمان من نعيم كبير هو يقينا أن يرزق بطفلة. والعبارات المعجمية «أساور من ذهب أزرق» تحيا بهذا الوجه التناصي، وبمعنى آخر متصل بوصف الطفلة نفسها، طفلة الماء، من حيث تواضع الناس حديثا على تسمية الماء بالذهب الأزرق، أي ذلك المشبه به الذي يحتوي المعاني على تعارضها واختلافها (الوضوح/الغموض، الرسوب/ الطفو). ومنها ما يستشعره السارد/الذات من توتر في دخيلته بين النعيم المفتقد، أن يرزق بطفلة، وإصرارها على الظهور المسترسل في أحلامه.
إن المعرفة اللغوية في «نافذة على الداخل» تصَاعد إلى مستوى التدقيق في معاني العبارات، أي درجة المعنى في العبارة وأثرها، ويحكي المقطع القصصي «الأمير الحزين» ضمن نص «الحزن»، عن أمير جميل يشعر بالحزن لأن لا شيء يحزنه «فتضرعت الصبايا، وابتهلت الملائكة، وتوسلت النجوم إلى العلي القدير أن يخلق للأمير شيئا يحزنه دون أن يتعسه، يحزنه حزنا نبيلا يليق بسموه، فاستجاب العلي القدير، وخلق ثلاثة أشياء لم يكن خلقها بعد: خلق الغروب، وخلق الناي، وخلق اللون الأزرق». ولنا أن نتأمل كيف أن عبارة «الحزن» هنا هي أقل درجة في الألم من التعاسة الأقسى في أثرها، والعبارتان توظفان، في نصوص كثيرة، على أنهما مترادفتان، لكن الحزن في هذا النص أقرب إلى الشجو الألذ، من الألم المدمر. والجليّ أن أحمد بوزفور لجأ إلى الإطناب، هنا، لينبه على الجانب السامي في الحزن المتضرع بشأنه.
ومثلما يدقق بوزفور في العبارات ومستويات معانيها، فإنه يعدد المعنى بالانتقال السلس من العربية الفصيحة إلى الدارجة المغربية، محدثا، في الوقت نفسه، أثرين: جمالي ودلالي، الأول بسبب إيقاع اللفظة التي تندغم في التركيب وتتخذ شكل الجناس، والثاني بدافع من أن العبارة الدارجة تكمل المعنى، أي تتحد مع العبارات التي تنتمي وإياها إلى محور التركيب عينه، ومثاله في نص (التعب) «كانت ترسم المشاريع، وتفتح الآفاق، وتقول لي: تقدم أنا وراءك. وكنت أتقدم… أتقدم… أتكدم.. حتى وجدتني على الحافة. بدفعة واحدة صغيرة من يدها (الحيّة الناعمة) كنت سأسقط إلى الأبد كجدي آدم. ولكني عِقْتُ عُقت نفسي في اللحظة الأخيرة». فأتكدم (بالكاف المعقودة) وهي عبارة دارجة تعني الاصطدام، هي نتيجة للتقدم في السير دون روية وتفكير، وبالتالي، فهي لم تكن حشوا في الجملة، كما أنها لم تخلُ من أثرها الجماليّ الأنفذ. والأمر عينه بالنسبة إلى لفظة « عِقْتُّ»، أي تنبهت التي كان من نتائجها إعاقة (عُقت الثانية) النفس من الاصطدام (التكدم).
إن إضمامة «نافذة على الداخل» تجمع بين المعرفة النظرية والمراسية باللغة، سواء فصيحة أم دارجة، التي يعي أحمد بوزفور أبعادها الدلالية والجمالية، ويُنسِّجُها ضمن حبكات قصصه لتخدم رهاناته السردية المختلفة، التي أكبرها فتح كوة سردية على الدخيلة الإنسانية وجعلها تعرب عن تعبها، وحشتها، حزنها، حبها، فرحها، صمتها، ظلالها، شكها، وكهوفها غير المكتشفة.
٭ ناقد مغربي
عبدالرزاق المصباحي