في الخطاب المعتاد حول القدس يبدو أن الحملة الانتخابية الحالية مثل كل الحملات التي سبقتها منذ تيدي كوليك، تتمحور فقط حول مسألة واحدة وهي: هل سينجح الحريديون في احتلال مكتب رئيس البلدية؟ في تحليل كهذا يبرز بشكل عام مؤثران: الحريديون والعلمانيون. ولكن بنظرة معمقة أكثر سيظهر أن ميزان القوى في المدينة معقد أكثر وبالتحديد مؤيدو الصهيونية الدينية، كفة الميزان بين الحريديين والعلمانيين، يملكون في أيديهم مفتاح الفوز. هذا الوضع يضع المتنافسين أمام صعوبة كبيرة: الحديث يدور عن جمهور متنوع جدا ـ من اليمين المتطرف الكهاني وحتى المتدينين الليبراليين الذين عدد كبير منهم شاركوا في تظاهرة الفخار للمثليين في المدينة قبل أسبوعين ـ الذي من الصعب التحدث معه بصوت واحد.
في الحملتين الانتخابيتين السابقتين نجح رئيس البلدية نير بركات في خلق والحفاظ على التحالف مع الصهيونية الدينية، وهذه ضمنت له الفوز. الآن يخاف العلمانيون وجزء كبير من الجمهور المتدين من فوز المرشح الحريدي الذي سيسرع عملية الحردنة للأحياء العلمانية، وسيجر إلى الخلف الإنجازات في كل ما يتعلق بطابع السبت في القدس. الحريديون من ناحيتهم يرون فرصة ذهبية للعودة والسيطرة على القدس بعد عشر سنوات من وجود رئيس بلدية علماني. حسب رأيهم، رئيس بلدية حريدي سيصحح التمييز ضد الحريديين في المدينة، خاصة فيما يتعلق بحل مشكلة السكن ونقص الصفوف في المدارس. ولكن النشطاء السياسيين الحريديين يخافون أيضًا من هزيمة، ويتحدثون علنًا بأنه من المفضل رئيس بلدية يكون مرتبطًا بأصواتهم على رئيس بلدية حريدي يكون تحت هجوم دائم ويضطر إلى اتخاذ خطوات مثل تحويل ميزانيات لتظاهرة الفخار أو إعطاء تراخيص للمصالح التجارية التي تفتح يوم السبت. صحيح أن الاستطلاعات حتى الآن تظهر فوز محتمل لثلاثة متنافسين من بين الثمانية لرئاسة البلدية. ولكن لا أحد منهم يمكنه أن يكون مطمئنًا: الطريق لرئاسة البلدية في عهد ما بعد بركات ما زالت متعرجة جدًا. حسب الاستطلاع الذي نشرته الأسبوع الماضي شركة «معهد النماذج»، فهناك ثلاثة مرشحين حقيقيين حتى الآن، وهم نائب رئيس البلدية الحريدي يوسي بايتش، والوزير المتدين اليميني زئيف الكين، والمرشح الشاب العلماني، رئيس حركة «النهضة» عوفر بركوفيتش. كل واحد منهم يحصل على 21 ـ 23 في المئة من التأييد، ويعقبهم موشيه ليئور (11 في المئة)،ثم رحيل عزاريا (6 في المئة) ويوسي حفيليو (4 في المئة). الاستطلاع لا ينثر الضباب بشأن قضية رئيس البلدية القادم، لكنه يمكن كل واحد من المرشحين الثلاثة من أن يخطط مسارًا في الطريق إلى مكتب رئيس البلدية.
نظام القوى المعقد والأسئلة التي بقيت مفتوحة تبقي مساحة كبيرة للتفسيرات من جانب المرشحين ومقربيهم. هذه هي السيناريوهات التي يرسمها المرشحون.
سيناريو دايتش بسيط كما يبدو؛ كل ما عليه فعله من أجل الفوز في الجولة الأولى هو الدعم الكبير من قبل الجمهور الحريدي في المدينة، من شاس وحتى الفرع المقدسي الليطائي ـ وضمان أن الحريديين سيخرجون للتصويت بنسب عالية. في هذه الأثناء هذا غير متوفر؛ فالجسم السياسي الوحيد الذي عبر عن دعمه له هو اغودات يسرائيل الحسيدية. الليطائيون لم يقولوا كلمتهم بعد وكذلك شاس. الفرع المقدسي المتمرد في التيار الليطائي يطرح مرشحًا من قبله هو حاييم افيشتاين. موشيه ليئون الذي فاز في الانتخابات السابقة بدعم حريدي شامل تقريبًا، يقضم هو أيضًا شريحة من الناخبين الحريديين، أما الوزير درعي المقرب من ليئون فيحاول التوصل إلى دعم حريدي لترشيحه.
ولكن توحيدًا كاملاللحريديين لا يضمن الفوز لدايتش. الانتخابات القريبة ستكون الانتخابات البلدية الأولى التي ستجرى في يوم عطلة. المعنى هو أن المصوتين العلمانيين والمتدينين يمكنهم تقليص الفجوة في نسبة التصويت (التي بلغت في الانتخابات السابقة 10 في المئة لصالح الحريديين). وإفشال ترشيح المنافس الحريدي.
سيناريو زئيف الكين في الطريق إلى رئاسة البلدية يتكون من خليط مقدسي: علمانيون، ومتدينون قوميون، وحريديون. في الأسابيع الأخيرة كان يبدو أن الكين نجح في أن يكون المرشح المتقدم. لقد حظي بدعم رئيس البلدية نير بركات (وأثار بذلك غضب ليئون الذي قال إن بركات وعده بدعمه)، وبدعم متأخر لكنه مهم من رئيس الحكومة، وأمس حظي بدعم رئيس الائتلاف دافيد أمسالم، الذي فكر بترشيح نفسه. هكذا وإن لم يؤيده فرع الليكود في المدينة، فإن الكين يمكن أن يكون مطمئنًا فيما يتعلق بمؤيدي الليكود في المدينة، وهم كثيرون.
في قطاع الصهيونية الدينية أيضًا، نجح الكين في تجنيد دعم الحاخامات البارزين، من رافي بويرشتاين رئيس حاخامات يتساهر وحتى الحاخامات الحريديين الوطنيين دوف ليئور وشلومو افينير. من جهة أخرى، يعرف الكين أن الجمهور الديني الوطني بشكل عام والجمهور الديني الوطني في القدس بشكل خاص لا ينتظر بالضبط ما يخرج من أفواه الحاخامات من أجل اتخاذ قرارات سياسية.
حسب استطلاع القناة الثانية، فإنه إذا صعد الكين إلى الجولة الثانية امام دايتش أو بركوفيتش فإنه سيفوز عليهما بسهولة نسبية. مشكلته هي أنه من أجل الوصول إلى الجولة الثانية يجب عليه الفوز على بركوفيتش وإضعاف ليئون إلى درجة أن يوطد نفسه كمرشح اليمين المتدين، الوحيد. هذا في الوقت الذي لم يظهر فيه ليئون إشارات تدل على أنه سيترك هذه الساحة خالية.
في وقت لاحق من السباق، الكين من المتوقع أن يتوجه إلى المنطق الاستراتيجي للمعسكر غير الحريدي في المدينة وأن يشرح بأنه حتى لو أنه كان ليس هو المرشح المثالي بالنسبة إلى الجمهور الليبرالي واليساري، فإنه مفضل عندهم على رئيس بلدية حريدي. حسب ادعاء مقربيه فإن الاستطلاع يبين أنه المرشح غير الحريدي الوحيد الذي يمكنه الفوز، إذ إنه في حالة جولة ثانية فإن بركوفيتش وليئون أيضًا سيخسران بدرجة يقين عالية لدايتش. صحيح أنه حسب الاستطلاع سيفوز بركوفيتش على دايتش في الجولة الثانية، لكن بفارق صغير. مع الأخذ بالاعتبار أنه في الجولة الثانية ستهبط نسبة التصويت (ليس هناك بالطبع يوم عطلة)، وإن احتمالات أن يقوم الحريديون بإغلاق الفجوة تكون كبيرة.
في محيط بركوفيتش يرفضون بالطبع هذه الحسابات؛ فهذا بركوفيتش، المرشح الأصغر، والعلماني الوحيد بين المرشحين الحقيقيين، يعتبر في بداية السباق، وهو راض جدًا عن الاستطلاع الذي أعطاه المكان الأول (في حدود خطأ العينة)، ولكن السيناريو الخاص به للفوز ما زال مركبا.
افتراض بركوفيتش هو أنه في النهاية سيفهم المرشحان الآخران الصوت العلماني المتنوع في المدينة، وأن راحيل عزاريا ويوسي حفيليو، يضران المعسكر، وسيسحبان ترشحهما. في المرحلة القادمة يأمل بخلق زخم حوله وحصد القليل من الدعم القليل من الصهيونية الدينية ومن أوساط المترددين.
وهو يأمل بأن ينقلاه إلى خلف حاجز الأربعين في المئة المطلوب للفوز في الجولة الأولى. المشكلة هي أن عزاريا وحفيليو لا يظهران دلائل انسحاب وحتى إذا حدث هذا فإن احتمالات تحقيق الأغلبية المطلوبة أمام الكين ودايتش تبدو ضعيفة. في حالة أن بركوفيتش صعد للجولة الثانية فعليه الأمل بأن يكون هذا أمام دايتش، والجمهور العلماني والمتدين في المدينة سيقفان من خلفه وسيذهبون إلى صناديق الاقتراع في المرة الثانية بنسبة أعلى.. وهذه مهمة غير سهلة حسب كل الآراء.
في محيط عزاريا يشرحون أن بركوفيتش وصل إلى آخر حدود قدرته. وأنها هي فقط كامرأة مترشحة متدينة وتعرف المدينة عن قرب، تستطيع توسيع حدود المعسكر المتنوع وجلب أصوات من المتدينين ومن الحريديين الحديثين. ليئون الذي نجح في الانتخابات السابقة في هز كرسي بركات، بدون شك تخيل تلك الأيام بشكل آخر، واحتماله الوحيد للعودة إلى السباق هو أن يفشل دايتش، وهو نفسه يتحول إلى مرشح الحريديين.
في القدس هناك بالطبع كتلة انتخابية أخرى، لكنها شفافة تمامًا ـ الفلسطينيون. فهم يستطيعون تغيير نظام القوى في المدينة بصورة دراماتيكية لأنهم يشكلون 40 في المئة من سكان المدينة. ولكن رغم ذلك، ورغم أن أصواتًا جديدة سمعت في الفترة الأخيرة، يبدو أن الطابو السياسي والاجتماعي ضد التصويت لن يكسر. المرشح الفلسطيني لمجلس المدينة، رمضان دبش، من صور باهر، وصل في هذه الأثناء إلى مسافة بعيدة عن أي مرشح فلسطيني آخر في التاريخ. رغم التهديدات والضغوط فهو يرفض التنازل، لكن كما هو متوقع هو يواجه معارضة شديدة من جانب السلطة الفلسطينية وحماس.
هآرتس 19/8/2018