المعركة على حلب: لماذا لم نتعلم من سراييفو وسبرنيتشا ورواندا ونواصل التفرج على الموت المعلن؟

حجم الخط
0

تحولت مدينة حلب إلى رمز للثورة السورية وبارومتر يعبر عن حالة الحرب التي تعيشها البلاد منذ أكثر من خمس سنوات. وباتت حلب التي تقع في قلب المسألة السورية سواء من الناحية الاقتصادية أو الثقافية، والعسكرية والسياسية صورة عن هوية المهزوم والمنتصر في هذه الحرب الطويلة التي استنتزفت ودمرت كل شيء، وهجرت الجميع وقتلت في طريقها مئات الألوف من السوريين الذين وقفوا على طرفي النقيض في معركة إرادات دموية لم تشهد مثلها منطقة الشرق الأوسط منذ عقود طويلة. ففي هذه الحرب الطويلة تغيرت ولاءات وتدخلت أمم ودول وتصارعت القوى الإقليمية والدولية على روح سوريا وقلبها ولا منتصر.

أكبر معركة

وظلت حلب تدفع الثمن غاليا، فهي كما يقول ديفيد غاردنر في صحيفة «الفايننشال تايمز» (4/8/2016) تشكل أكبر معركة في الحرب الأهلية. وأشار إلى المواجهات الحامية التي تدور حولها منذ أربعة أسابيع ومحاولة المعارضة السورية شن هجوم مضاد على قوات النظام السوري التي تعتمد على حزب الله والميليشيات الشيعية والقوات الإيرانية والطيران الروسي. وقد بدأت المعركة بآمال كبيرة للنظام في استرداد المدينة الأكبر في سوريا وقلب معادلة الصراع ضد أعدائه، إلا أن الحرب تحولت على ما يبدو إلى معركة استنزاف تم فيها دك المدينة التجارية وعاصمة المال في سوريا وتحويلها إلى رماد. فلم تتوقف المقاتلات الروسية عن ضربها للمناطق الشرقية من المدينة والتي تعتبر المعقل الأخير للمعارضة مدعومة بالبراميل المتفجرة التي تعودت مروحيات النظام السوري على رميها منذ دخول المقاتلين المدينة في عام 2012. وفي ظل الحرب المستعرة بين الطرفين والتي يحاول فيها كل طرف الحفاظ على موقعه حوصر أكثر من 300.000 مواطن في المدينة يعانون من كارثة إنسانية، دون طعام أو ماء ولا دواء ويرفضون الخروج عبر «الممرات الإنسانية» التي زعم النظام وحلفاؤه أنهم أقاموها. وتبدو المعركة كما يرى غاردنر وكأنها محاولة من كل طرف لقطع الخطوط الرئيسية للإمدادات عن الطرف الآخر. فالنظام يحاول فصل المقاتلين في حلب عن معقلهم القوي في إدلب. وأكثر من هذا عن تركيا وخط الإمداد الآتي منها. وفي الوقت نفسه يحاول المقاتلون فك الحصار المفروض عليهم وقطع طرق اتصال النظام في المناطق الغربية من المدينة. ويقول غاردنر إن حلب هي فصل جديد في القصة الدموية المهلكة للحرب الأهلية المتغيرة بشكل دائم. وبحسب مسؤول غربي، فنظام الأسد «يمكنه الإستمرار في التقدم على الأرض لكنه لا يستطيع الإحتفاظ بها، أما المعارضة فتخسر مناطقها إلا أن النظام لا يمكنه التحرك بحرية».

جيش منهك

 ويرى الكاتب أن نظام الأسد لم يستفد بشكل عملي من قوة الطيران الروسي الذي يقدم له الغطاء والتقدم وتعزيز سيطرته على المناطق. فقرار الرئيس الروسي فلاديمير بوتين قبل 10 إشهر إرسال مقاتلاته وإن أنقذ الأسد من الإنهيار إلا أن جيشه ليس في وضع كي يحتفظ بالمناطق ويؤمنها. لأن نظام دمشق ببساطة تنقصه القوات التي حاول التعويض عنها بمقاتلين من حزب الله وميليشيات شيعية متعددة. ويقول مسؤولون غربيون وعرب نقل عنهم الكاتب إن الضباط الروس الذين ورثوا علاقة طويلة بين الجيشين الروسي والسوري تعود لأزمنة الحرب الباردة صعقوا من الوضع الذي وجدوا عليه الجيش السوري بعد خمسة أعوام من القتال ومعنوياته المتدنية. والموقف نفسه يظهر من القوى الإيرانية واللبنانية التي لا ترى في الجيش السوري قوة يعتمد عليها وهذا يفسر الخسائر التي يتعرض لها هؤلاء بمن فيهم ضباط كبار في الحرس الثوري. وكل هذا لا يعني توفير رعاة النظام، الروس والإيرانيون القوات الأرضية لمساعدته على استعادة كل بوصة من أرض سوريا كما تعهد الأسد في خطاباته ومقابلاته الأخيرة. وفي السياق نفسه تعاني المعارضة من مشكلة التماسك والضعف التي يعاني منها النظام، وعليه فحرب الإستنزاف التي تستهلك الطرفين قد تدفعهما في مرحلة مقبلة إلى التفاوض عندما لا يجدان شيئا قابلا للتدمير. ويرى الكاتب أن تركيز الولايات المتحدة على محاربة تنظيم الدولة الإسلامية وتأجيل مشكلة الأسد لما بعد تدمير الرقة، عاصمة «الخلافة» وهوس موسكو بوتين بإعادة مستوى نفوذها في المنطقة ترك السوريين يواجهون قدرهم بأنفسهم. ولن تتحرك القوى الخارجية والحالة هذه إلا بعد اعترافها أن طرفي الحرب يخسران ولا منظور للنصر سواء للنظام أو المعارضة.

معركة حاسمة

وتظل حلب في سياقاتها المتعرجة ومعاناة سكانها الذين حاولوا فرض منطقة حظر جوي باستخدام الإطارات المشتعلة، حاسمة بطريقة أو بأخرى كما ترى صحيفة  «الغارديان» (4/8/2016). فلو خسرت المعارضة الجزء الشرقي الذي تسيطر عليه فستخسر آخر معقل استراتيجي لها، وستميل الكفة الدبلوماسية في الشرق الأوسط لصالح روسيا وحلفائها ومنهم إيران، التي تشارك في الحرب بطريقة مكثفة مع أن اسمها لا يذكر إلا نادرا مثلما يتم الحديث عن روسيا التي تقود قواتها المعركة الجوية. وترى «الغارديان» أن آخر المعارك في حلب لها طابع جيوسياسي وإنساني يخص السكان المحاصرين هناك. ولأن الحالة السورية تتميز بالتعقيد، فالصورة في حلب ليست مجرد إطارات مشتعلة أو أطفال يحاولون خلق طبقة سميكة من الدخان لمنع الطيارين الروس من قصف مناطقهم. فالمعارضة التي شنت هجوما مضادا بدأ يوم السبت تعتمد على دعم الجماعات الجهادية  التي تتمركز في جنوب- غرب المدينة. وهو ما تراه «الغارديان» تحولا مثيرا للقلق وسيشوه سمعة المعارضة. فتقوية الجماعات الجهادية التي تقود الحرب الآن هي أخبار سيئة لكل واحد. وفي ظل انهيار اتفاق وقف الأعمال العدائية الذي تم التوصل إليه في شباط/فبراير بين الروس والأمريكيين، لم يعد هناك أمل للحل السلمي فيما استثمرت إيران غياب التدخل الغربي الفعلي وتركيز إدارة الرئيس باراك أوباما على الإتفاق النووي لصالحها. وأضيف للخيبة السورية تطبيع العلاقات بين روسيا وتركيا التي ظلت الداعم الرئيسي للمعارضة السورية. وفي المحصلة فقد تخلى الغرب في تعويله على التعاون مع روسيا عن السوريين. وأصبح مصير أهل حلب على المحك كما هي مصداقية الغرب الذي ركز بشكل كبير على قتال تنظيم الدولة ولم يبذل أي جهد للبحث عن طرق للتفاوض وإنهاء الحرب التي تعتبر أسوأ كارثة حقوق إنسان في عصرنا.

عجز الغرب

 وقال المعلق روجر بويز في مقال له في صحيفة «التايمز» (3/8/2016) إن «مأساة حلب تفضح عجز الغرب» واتهم إدارة أوباما بترك بوتين يدعم نظام الأسد «المتوحش». وقال إن حلب هي «سراييفو» القرن الحادي والعشرين، «ونحن نتجاهل ما يجري لأننا منشغلين بهجماتنا الإرهابية بتنويم من الإدارة الأمريكية، التي تنسينا حلب». وقال «عندما نستيقظ سيكون الأوان قد فات وستكون المدينة التي كانت أكبر المدن التجارية السورية، فارغة». وكما أشارت صحيفة «الغارديان» علق بويز أن نتائج الحرب إن تركت بدون تدخل فستكون في صالح روسيا التي سعت لإبقاء الأسد في السلطة، والحفاظ على موطئ قدم لها في الشرق الأوسط. وقال الكاتب إن مستقبل سوريا مرتبط بحلب، وهذا ما جعل روسيا تمنح الأسد الدعم الجوي والاستخباري المطلوب لطحن المقاومة هناك، في مدينة تحولت خلال العقود إلى مركز مدني هائل. مشيرا إلى أنه ليس من المستغرب أن يبدي الناس قلقهم من ممرات روسيا الآمنة، فقد تعلموا من تجربة حمص أن من يغادر المدينة يختفي، فالهدف الحقيقي هو القضاء على المقاومة. وعلق الكاتب ساخرا على تصريحات وزير الخارجية البريطاني بوريس جونسون الذي قال «علينا التعامل مع الشيطان» وإن كان يعني به تسليم حلب للروس وللأسد والحرس الثوري الإيراني. وأضاف بويز أن الغرب عندما قرر التعاون مع بوتين قال للعالم إنه يتجاهل سوريا لأنها قضية يصعب حلها، وهو ما سيعقد من أزمة المهاجرين ولن يؤدي لوقف العمليات الإرهابية. والنتيجة هي الخسارة للغرب وأكثر من هذا سكان حلب المحكوم عليهم بالموت.

من سراييفو إلى حلب

وربطت الكاتبة ناتالي نوغايرد في «الغارديان» (1/8/2016) بين كابوس حلب والإرهاب الذي يؤرق أوروبا مؤكدة أن تبعات معركة حلب لن تكون إيجابية لسكانها وأهل أوروبا أيضا. وربطت بين ما يجري في حلب وما جرى في مذبحة سبرنيتشا وحصار سراييفو في تسعينيات القرن الماضي. مشيرة إلى ما قاله مسؤول أممي «في التسعينيات قلنا إن هذا لن يتكرر، لكن حلب اليوم هي سبرنيتشا الجديدة». وطالبت الكاتبة المتعاطفين مع اللاجئين وقف المجازر الجماعية التي تسبب معاناتهم ومساءلة الاستراتيجيات الغربية الفاشلة التي تركز على قتال تنظيم الدولة، بدل حماية السوريين. وفوق كل هذا دعت الكاتبة إلى محاسبة روسيا عن تحركاتها في سوريا لأن تبعات دعمها للأسد تمثل «أكبر تهديد للنظام الأوروبي الليبرالي الديمقراطي» ولأن احتلال حلب سيتسبب في مزيد من التطرف، وسيزيد التغييب السياسي في سوريا من غضب السنة الذي يعتمد عليه تنظيم الدولة، ما يعني مزيدا من الإرهاب في أوروبا وتوفير أرض خصبة للحركات اليمينية التي تريد تقويض المبادئ الديمقراطية الأساسية. وقالت إن تجاهل معاناة السوريين سيطاردنا يوما «فبدلا من القلق حول صور الإرهابيين الجهاديين المنشورة في صحفنا، علينا أن ننتبه للصورة الأوسع في الشرق الأوسط التي تؤدي إلى اضطراب مجتمعاتنا في أوروبا، ومحاولة تجاوز الصعوبة في تغطية سوريا ومعاناة سكانها». وأشارت الكاتبة إلى أن أوروبا عانت في العقود الأخيرة، خاصة في أثناء حروب رواندا والبلقان والعراق مثلما تعاني اليوم من حرب سوريا، مؤكدة أن استمرار قصة حلب، سينهي حلم سوريا البعيد في بلد ديمقراطي مسالم يخرج من الركام. وقالت إن القوى التي تحاصر حلب تعتمد على اختلافاتنا كما تعتمد على قوتها العسكرية متحدثة عن «الممرات الإنسانية الآمنة» التي تسعى إلى تضييق الخناق من أجل تحويل الدولة إلى أداة قمع (مثلما جرى في حرب الشيشان).

خطة فاشلة

وكما ترى مجلة «إيكونوميست» (6/8/2016) فالهدف الرئيسي من الممرات الإنسانية هو تشجيع الناس على الرحيل  والتحضير للمعركة النهائية في حلب الشرقية. وبدلا من منع سيناريو كهذا انشغل جون كيري، وزير الخارجية الأمريكي مع نظيره الروسي سيرغي لافروف بوضع الخطوط الرئيسية لخطة تنسيق الحرب ضد تنظيم الدولة والجماعات الجهادية الأخرى مثل جبهة النصرة (جبهة فتح الشام) وتشمل الخطة إنشاء «مجموعة مشتركة للتنفيذ» في الأردن تقوم بالمشاركة في المعلومات الأمنية وتنسق الضربات ضد تنظيم الدولة والنصرة في  «مناطق معينة». وتنص الخطة على الحد من الغارات الجوية للنظام على مناطق المعارضة المعتدلة التي تدعم بعضها الولايات المتحدة. وتعلق المجلة على أن كيري قادر على استخراج «أرنب من القبعة» لكنها لا تفهم كيف يدخل في اتفاق مع الروس الذين يواصلون هجماتهم الجوية على حلب. وعبر مايكل أوهانلون، من معهد بروكينغز عن مخاوفه من مشاركة الروس في المعلومات الأمنية. ويرى فيها مثل عملية جنيف السياسية الجامدة محاولة من إدارة أوباما للظهور بمظهر من لديها «سياسة» ولكنها في الحقيقة تحاول شراء الوقت وتنتظر نهاية فترتها. ويرى أندرو تابلر من معهد واشنطن لدراسات الشرق الأدنى أن الصفقة في شكلها الحالي تضر أكثر مما تنفع. وأشار إلى أن الخطة لا تتحدث عن تقييد استخدام النظام للمدفعية التي تعتبر السلاح التدميري الأقوى في يده. ودعا تابلر في مقال مشترك مع دنيس روس، المؤلف والمبعوث السابق للشرق الأوسط لتوجيه ضربات بالطائرات دون طيار وبصواريخ كروز للقواعد الجوية السورية، التي لا يوجد فيها جنود روس. وجاء في المقال الذي نشرته صحيفة «نيويورك تايمز» (3/8/2016)  أنه حان الوقت لضرب القواعد الجوية السورية عقوبة لسوريا؛ لخرقها وقف إطلاق النار، ولإرسال رسالة واضحة لروسيا. ويرى الكاتبان أن القضاء على الجماعات الإرهابية مهم، إلا أن خطة إدارة أوباما للتعاون مع موسكو التي يعارضها الكثيرون داخل وكالة الاستخبارات الأمريكية ووزارتي الخارجية والدفاع، تعاني من خلل؛ ليس لأنها توفر فرصة لحكومة نظام الأسد لإحكام الحصار على مدينة حلب فقط، بل وستدفع بالمجموعات الإرهابية إلى الجارة تركيا. وعليه يجب على أمريكا استغلال هذه الفرصة لاتخاذ مواقف أكثر تشددا ضد الأسد وحلفائه.

المعركة على حلب: لماذا لم نتعلم من سراييفو وسبرنيتشا ورواندا ونواصل التفرج على الموت المعلن؟

إبراهيم درويش

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية